غادرنا إلى الأبد، أبو أحمد فؤاد، أحد أكبر فرسان العطاء في الثورة الفلسطينية، وذلك في الساعات الأولى من يوم الجمعة 17 يناير 2025. سافر ولن يعود، لكن ستبقى رايتنا حمراء.
لقد خلف رحيل هذا القائد الفذ حزنا وأسى ولكن أيضا اعتزازا به والتفافا حوله من طرف مختلف فصائل المقاومة الفلسطينية والقوى الثورية عبر العالم وخاصة في منطقتنا، مشرقها ومغربها.
رحل، وقد خلف رصيدا حافلا بالكفاح، السياسي والعسكري، وعلاقات واسعة ومتشعبة تركت بصمتها في النفوس.
تفيد الشهادات التي جمعتها من رفاق قياديين التقوا به أو عايشوه من المغرب وخارجه، أن الفقيد كان يتمتع بعلاقات متقدمة ومتنوعة تمتد لسنوات مع قوى اليسار المغربي وخاصة مع النهج الديمقراطي( النهج الديمقراطي العمالي). قام أبو أحمد بزيارة المغرب ثلاث مرات في 2004، 2006 و2011. وكان ذلك في إطار مهام نضالية مع قوى تقدمية وديمقراطية أو في إطار المؤتمر القومي العربي. وفي كل مرة كان يصر على عقد لقاء مع قيادة النهج الديمقراطي حيث يضع هذه الأخيرة في صورة تطورات الأوضاع والصراع المرتبط بالقضية الفلسطينية.
ليس من باب المديح، إذا قلنا إن أبو أحمد كانت له نظرة ثاقبة للأمور وقدرة مهمة على رصد ملامح المستقبل حول عدد من القضايا منها الانتفاضة الثانية، اندلاع الحرب مع العدو الصهيوني في جنوب لبنان ودور حزب الله فيها وقدرة الشعب الفلسطيني على الصمود والثبات.
كان يؤكد أن حل الدولتين واتفاق أوسلو مناورة صهيونية وأن الكيان الصهيوني سيستمر في التوسع والاستيطان وقضم الأراضي وأنه غير مستعد للسماح بقيام دولة فلسطينية.
كان يؤكد أيضا وبقوة، على عدم الارتهان للأنظمة العربية الرجعية وعدد من المؤسسات الرسمية وكان متتبعا جيدا لما يروج داخل مؤتمراتها.
باختصار كانت له قدرة هائلة على تحليل الأوضاع وينهل من الينابيع التي صممها ورفاقه من جيل المؤسسين للشعبية.
كان أبو أحمد يمتلك وعيا راسخا وقناعة عميقة بالعمل الوحدوي بين القوى التقدمية وكان له دور أساسي في تأسيس اللقاء اليساري العربي. كان يؤمن ويميز بين مستويات عدة للوحدة والتنسيق والعمل المشترك مع القوى اليسارية والقومية والإسلامية. يسعى ما أمكن إلى البحث عن ممكنات التوافق التي لا تخل بالمبدأ.
له حس قومي حاد، وحدوي إزاء الفصائل الأخرى ، كان من دعاة توحيد غرفة العمليات أثناء مواجهة العدو ، وقد طبقت في معركة طوفان الأقصى وقبله.
كان إنسانا متواضعا ومنفتحا، لا يشتكي، يفضل الأكل في المطاعم الشعبية البسيطة، يحب الحياة، يحب الفن والغناء والطرب الشامي على وجه الخصوص. كانت ذاكرته خزانا كبيرا، فيحكي تفاصيل طويلة عن التدريب العسكري والعمليات الفدائية واختطاف الطائرات...
يستمع إليك بهدوء وينخرط معك بسهولة في تبادل الأفكار وتقاسم الحكي.
كان حقا نموذجا لقائد ثوري يحظى باحترام كبير من طرف كل القوى والشخصيات.
آخر مرة التقيته، كان بالرباط صحبة إبراهيم شريف إبراهيم، قائد حركة وعد البحرين ية، ومشينا في المدينة القديمة (السويقة) قبل التحاقهما باجتماع مع المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان كنت قد ساعدت على ترتيبه. كان ذلك في يناير 2011 قبيل أيام من هروب الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي وحوالي أسبوعين من انفجار ثورة 25 يناير في مصر.
وبقينا على تواصل دائم. لا أنسى مكالمته لي قبل اندلاع طوفان الأقصى بشهور، كان يخطط لعقد لقاء.
ولما بدأت حرب الإبادة، تكثف تواصلنا. وكلما أرسلت له تغطية عن النضالات العارمة التي دعت لها الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع يكتب "كل التقدير للشعب المغربي العظيم" ولما أكتب له سننتصر، يرد نعم ، نعم، نعم...
وكذلك كان، وعدت المقاومة ووفت.

