حاولت إيجاد عنوانٍ لهذه الأسطورة، لأطلق اسماً على الزحف العظيم الذي كسّر أهداف التوحش، يوم جاء النبأ العظيم، وشاهد العالم غزة العظيمة تكتب رواية أسطورية جديدة، مشهد طوفان العبور نحو بيوت بلا بيوت وديار مدمرة وأراضي محروقة من الجنوب إلى الشمال.
مشهد القيامة من بين فكي الوحش، شيءٌ يشبه الخرافة أفكر فيه كثيرًا، عن الذي يبحثُ وسط الوجع عن فرح سابق، عن جرعة أمل تحت الجلد مباشرة، عن حياة صغيرة هادئة حتى وسط الرّكام والزحام والسّخام ولكنها تستحق الحلم.
عاد طائرُ الفِينِيق من تحتِ الرّماد، يَخترِقُ غُبَارَ الحربِ الطويلة، قيامةَ زَمنٍ يسابق عقارب الساعة، وسيولٌ زاحفة على خط مستقيم، تتعرج الشوارع كثيراً ثم تبدأ الأقدام تجر خطاها ببطء، من الحياة إلى الحياة، أقدام ثقيلة تتقدم نحو المستحيل، تعرف الطريق جيداً، وتقارع وحشة المسافة سيراً على رؤوس الأصابع مهما كانت متعبة.
تّقدّّموا .. أبناء غزة العظيمة، لم ينتظروا من يقرع الجرس أو يطلق النداء، باكراًً تجمعوا في واحد ، تصلبوا في المكان، انتصر الحلم على كوابيس الإبادة، وبرامج التطهير الدولية والمتعددة الجنسيات، ما تبقى من هلوسات الجنرالات، بتوزيع لحمنا على سائر القارات وجهزوا لنا مدناً جديدة، ودولاً جديدة.
صدق الكاتب البريطاني "ديفيد هيرست" في نصه الذي وصف الحدث فقال: " إن العودة التّاريخية للفلسطينيين، بعد خمسة عشر شهراً من التدمير الإسرائيلي، مؤشرٌ على انتصار الرّوح الإنسانية على القهر المنظم"، وجدت فيه عنواناً صالحاً للرّواية، وصياغة أخلاقية لمعنى النّصر، "انتصار الرّوح الإنسانية" انتصار غزة بلا مواربة على قاتلها، بل انتصار الحقيقة على الكذب، والبقاء على الفناء و الحياة على الموت والمقاومة على الاستسلام.
تقدموا إلى ذاتكم الوطنية، لإختصار المسافة بين الحياة والموت، بين الإلغاء والانتماء، بوقت أقصر دائمًا مما قد يستوعبه الناس، تقدموا بخطوة واحدة إلى الأمام، وإلى نفسٍ ملتهبة واحدة، تتوثب وتتمرد - لا يتطلب الأمر الكثير من العناء في غزة للانتقال من الحياة إلى الموت أو العكس من الموت إلى الحياة .
تقدموا.. فالأمام لا يشبه الوراء، كل وراءٍ هو اندثار، هناك كنّا نموت بسرعة كبيرة، بمعدل مائة شخص في الساعة، لدرجة أنه كان من الصعب دفنهم، تقدموا.. في سباق ماراثوني جنوني بين المحكمة والمجرم، حتى لا يفوز بالنهاية حكم "الحيوان السّياسي".
تقدموا! حتى يعزف القلب نشيد الحرية، دون الأمام كان المستقبل قاتمًا للغاية، إلا أنه كان قَزَحيًا مثل الغبار فوق وجوه فضيّة تلتمع بشمس الصّباح.
تقدموا نحو الحرية! تحررهم من الموت، بل الحرية من الحياة التي أذلتها؛ الحرية، هي حرية الرّوح المجردة، الحرية والشجاعة والكبرياء، الحرية التي تعلمنا أنَّ البطولة تعني أنْ لا تهتم بُكل ما قد يأتي.
تقدموا إلى الدّيار، على جانبي الشارع، لا يوجد رصيف ولا أبنية واقفة، توجد محرقة تمامًا كما وصفها ديفيد هيرست أن "صور الدمار في غزة سوف تخرق ثقباً تاريخياً في الرواية التأسيسية لإسرائيل كدولة ولدت من رحم المحرقة وقامت على أكتاف ضحاياها".
تقدموا.. نحو الشّهداء الذين انزَرعوا في ترابها كالشجر، كل شهيدٍ منهم قضى واقفاً، وقال اتبعوني، تقدم أولاً، قاتل أولاً واستشهد أولاً، لذلك تقدموا كي تلامسوا حدود الروح التّاريخية الفلسطينية بين العودة الحالية والعودة التالية، تقدموا أيها الشعب الأعظم نحو الشمال إلى أقرب نقطة من أولئك الذين نحبّهم.

