أعلن رئيس الوزراء وزير الخارجية ال قطر ي التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار وصفقة تبادل الأسرى بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل في قطاع غزة.
يأتي هذا بعد أكثر من عام ونصف على الصمود الأسطوري للشعب في وجه العدوان الإسرائيلي في حرب الإبادة فقد استطاعت فصائل المقاومة في غزة إبرام اتفاق لوقف إطلاق النار. وإجبار نتنياهو وحكومته المتطرفة المتغطرسة للاضطرار إلى الرضوخ لمطالب المقاومة المحقة والمشروعة، والتي رفضوها مراراً وتكراراً.
فاستقبل سكان قطاع غزة خبر إعلان وقف إطلاق النار بالهتاف والدموع والفرح، بعد حرب صمود واجهه الشعب، التي حرقت فيها الحجر والبشر وراح ضحيتها أطفال ونساء وشيوخ، وإنهاء تقريباً للبنية التحتية للقطاع.
فقد استطاعت المقاومة في غزة أن تعيد القضية للواجهة بعد التضحيات التي قدمتها هي وحاضنتها الباسلة، وإثبات وجود كيان فاشي يضم غلاة المتطرفين الصهاينة الذي يتنكر ليس فقط لحقوق الشعب الفلسطيني، بل ينكر وجوده ويدعو علانية لطرد من تبقى منه على الأرض الفلسطينية وتهجيرهم وإلى حرق وإبادة القرى والمدن التي يخرج منها المقاومون.
فقد استطاعت المقاومة أن تنتصر على الواقع الذي كرسه الاحتلال والدول الداعمة من خلال صمودها التي تخطت ما يمكن أن يفصل في موضوع وقف إطلاق النار بين ما هو مقبول من قبلها وما هو مرفوض.
ومع هذا لم يهدأ الكيان من صب جام غضبه على القطاع بارتكاب المجازر المتتالية، منذ إعلان التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.
كما هدد وزير الأمن القومي الإسرائيلي ايتيمار بن غفير، وهو عضو من أقصى اليمين أيضاً في الحكومة، بالاستقالة ودعا سموتريتش للانضمام إليه. ولا يملك أي من الحزبين عدداً كافياً من المشرعين في البرلمان لإسقاط الحكومة بمفرده. كما اشترط وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش المنتمي للحزب الديني الصهيوني من أقصى اليمين، "عودة إسرائيل إلى الحرب بهدف تدمير حماس وإعادة جميع الرهائن، فوراً بعد المرحلة الأولى من الاتفاق" كي يبقى في الحكومة، حسبما ذكر في بيان له.
وهنا ننتقل إلى السؤال ما هو اليوم التالي بعد صفقة وقف إطلاق النار؟
تقول صحيفة "يديعوت أحرونوت" بشأن استنزاف شديد تعانيه الوحدات القتالية الإسرائيلية المشاركة في القتال في جبهات متعددة منذ 15 شهراً، وغياب الالتزام، وظهور تصدعات، وتراجع كبير في مستوى الانضباط العسكري داخل الجيش، بالإضافة إلى تدهور ملحوظ في التزام معايير السلامة والانضباط العسكري.
فإن الكيان المحتل الذي عانى من أزمات وانقسامات داخل حكومته قبل حربه على غزة، نراه اليوم يعاني أزمات داخلية بعد مرور عام ونصف على هجوم المقاومة على المستوطنات الإسرائيلية.
نقص في عدد جنود الجيش الإسرائيلي، بحيث تجاوزت خسائره 10 آلاف جندي بين قتيل وجريح، منذ بداية المعارك في الـ7 من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
فشل العملية العسكرية في شمال قطاع غزة، لم تحقق هذه العملية هدفها، بل ارتدت على الحكومة الإسرائيلية، فتحولت إلى عامل يدفع الإسرائيليين لوقف الحرب، بسبب الخسائر الكبيرة في صفوف الجنود، واختلاط الأهداف المعلنة للعملية العسكرية (خطة الجنرالات)، عملية شمال قطاع غزة والتي كلفت الجيش العديد من القتلى و الجرحى وأدت إلى تآكل الإجماع على الحرب وأعادت الحساسية الإسرائيلية لمقتل الجنود والتي لم تكن قائمة في السنة الأولى من الحرب.
خيبة أمل اليمين المتطرف ونتنياهو بترامب، حيث لم يدركوا أن أولويات ترامب مختلفة عنهم، بل يرى في استمرار الحرب عائقاً أمام طموحاته.
إضافة إلى أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية، في خضم الأزمة التي حدثت للائتلاف الحكومي بعد إعلان بن غفير عن استقالته ووزراء حزبه من الحكومة إذا أقرت الاتفاق، من المرجح أن يميل حزب الصهيونية الدينية برئاسة سموتريتش للبقاء في الحكومة، وذلك من أجل الاستمرار بمشروعه الاستيطاني في الضفة الغربية الذي يعتبره الأهم، وصاحب الأولوية على إسقاط الحكومة.
سيخرج وزراء وأعضاء تيار الصهيونية الدينية ضد الاتفاق بشكل قاس، ويعتبرونه كارثياً على أمن إسرائيل، وسيسوقون بقاءهم في الحكومة بالوعد باستئناف الحرب، وتكثيف الاستيطان في الضفة الغربية.
هنا يجب التفريق بين حزب الصهيونية الدينية برئاسة سموتريتش وحزب عظمة يهودية برئاسة بن غفير في موقفهما من الاتفاق، وذلك بسبب الاختيارات المختلفة لكل منهما؛ فجمهور سموتريتش يتشكل بالأساس من مستوطني الضفة الغربية، وهو حزب المستوطنين بامتياز.
أما جمهور حزب "عظمة يهودية" بقيادة بن غفير فيتنوع بين مستوطنين ويمين محافظ من اليهود الشرقيين على وجه الخصوص، الذين جذبهم خطاب بن غفير الشعبوي في وعوده بتحقيق الأمن الشخصي والتنكيل بالفلسطينيين داخل الخط الأخضر، وتشدده بشأن الأسرى الفلسطينيين في فترة شغله منصب وزير الأمن القومي.
لذلك تعتبر الصفقة عملياً ضربة في صميم خطاب بن غفير، لا سيما فيما يتعلق بالأسرى الفلسطينيين، حيث عمل على التنكيل بهم، وتفاخر بفرض قيود وحشية عليهم، في خطاب عام استهدف مجمل الإسرائيليين، في حين ركز سموتريتش خطابه وعمله على الاستيطان وجمهور المستوطنين.
لذلك فإنه يستطيع تسويق بقائه في الحكومة في صفوف جمهوره، بأن ما حققته الصهيونية الدينية كحزب وتيار في الحكومة الحالية غير مسبوق، وهي فرصة تاريخية لن تتكرر، فإذا خرج من الحكومة، فسينتهي المشروع الاستيطاني الذي يعمل عليه.
كلا الحزبين وحكومة اليمين المتطرف تخطط لإنهاء الوجود الفلسطيني، والسؤال هنا الذي يطرح نفسه هل سيستمر مشروع الاستيطان في قضم أراضي الضفة، وهل ستستمر الحرب على غزة بعد وقف إطلاق النار؟ وهل سيستمر الاحتلال المتهالك بمخططه نحو توسع أكبر ينال كل المنطقة، أسئلة تطرح نفسها جوابها سيكون في المراحل القادمة..
أما بالنسبة للواقع الفلسطيني اليوم يعلن انتصاره رغم ما ألم به من خسارة على مستوى الأفراد والملكية الخاصة وسيشكل مستقبلاً صلباً ترتكز عليه أسس النظريات الحديثة للتحرر الكبير.

