Menu

الضفة الغربية.. نائمة لعن الله من أيقضها

ثائر أبو عياش

منذ السابع من أكتوبر 2023، بعد معركة "طوفان الأقصى"، شهدت الأراضي الفلسطينية تحولات كبيرة في المشهد السياسي والعسكري. وعلى الرغم من أن معركة "طوفان الأقصى" تركت بصماتها العميقة على قطاع غزة وأثارت هزات إقليمية ودولية، إلا أن الضفة الغربية تظل ساحة محورية في صراع الاحتلال الإسرائيلي. فهي تشكل، من جهة، ساحة استراتيجية لصراع طويل الأمد، ومن جهة أخرى، تعد عنصراً حاسماً في تحديد ملامح الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مستقبلاً. لكن في الوقت الذي تشتعل فيه الحرب في غزة، تسعى قوى سياسية وجهات إقليمية إلى إبقاء الضفة الغربية "نائمة"، ليس فقط للحفاظ على الاحتلال الإسرائيلي، ولكن أيضاً لضمان استمرارية مشاريع تصفية القضية الفلسطينية.

على مدار العقود الماضية، شكلت الضفة الغربية موقعًا استراتيجيًا مهماً في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. تعتبر الضفة الغربية، إلى جانب القدس ، الجزء الأساسي من الأرض الفلسطينية المحتلة التي يتطلع الفلسطينيون لتأسيس دولتهم عليها. ومع اندلاع معركة "طوفان الأقصى"، ظهرت الضفة كعنصر محوري في تحديد مجريات المعركة، حيث شكّل الفلسطينيون في غزة ضربة قوية للاحتلال، مما أعاد من جديد السؤال حول أهمية الضفة الغربية في معادلة المواجهة.

لكن رغم أن الضفة الغربية كانت تمثل نقطة تحدٍ رئيسية للاحتلال في فترات سابقة، إلا أن سياسات الاحتلال المستمرة في تهويد الأرض، وفرض حصار عسكري، واستهداف القيادات الفلسطينية، وتهجير السكان لم تترك فسحةً كبيرة للتحركات الشعبية في مواجهة الاحتلال. بالإضافة إلى ذلك، فشلت الحركات الفلسطينية في توحيد الجهود بين الضفة وغزة، مما جعل الضفة بمثابة ساحة ثانية للصراع الذي لا يمكن إغفاله.

معركة "طوفان الأقصى" في أكتوبر 2023 كانت بمثابة تغيير جذري في المعادلة العسكرية، حيث حققت المقاومة الفلسطينية في غزة إنجازًا مفاجئًا كسر هيبة جيش الاحتلال الإسرائيلي. ومع ذلك، لم تكن الضفة الغربية محورية في هذه المعركة بشكل مباشر، مما أثار تساؤلات حول أسباب هذا الوضع.

هناك عدة عوامل تسهم في ذلك: من بينها الانقسام الفلسطيني الداخلي، بالإضافة إلى أن الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية يستند إلى سياسات أمنية مكثفة، مثل الاعتقالات اليومية، والحواجز العسكرية، والمستوطنات التي تعيق أي تحركات فاعلة للمقاومة. لكن رغم هذه المعوقات، كان لصمود الضفة دور غير مباشر في إبقاء الاحتلال في حالة استنفار مستمر. فقد شهدت الضفة موجة من الاحتجاجات الشعبية والمواجهات مع الجيش الإسرائيلي، رغم قلة الإمكانيات. كما تزايدت عمليات المقاومة الفردية أو المنفذة من قبل مجموعات شبابية، وهو ما شكل تحدًا مستمرًا للاحتلال في المنطقة.

مع تصاعد الحرب على غزة، يعيد الاحتلال تفعيل سياسة الإبادة الجماعية ضد المدنيين الفلسطينيين في القطاع، حيث يتم قصف البنية التحتية وقتل الأبرياء دون أي اعتبار للمواثيق الدولية. هذه الحملة الوحشية تهدف إلى كسر إرادة المقاومة وإضعافها، لكن من جهة أخرى، تثير هذه الهجمات ردود فعل متزايدة في الضفة الغربية. يشهد المجتمع الفلسطيني في الضفة زيادة في الغضب الشعبي، حيث يشعر الفلسطينيون أن ما يجري في غزة قد يؤدي إلى تفجير الوضع في الضفة أيضًا. إلا أن الاحتلال يعمل بجد على منع أي تصعيد في الضفة الغربية، إذ يدرك أن أي انفجار فيها قد يشكل تهديدًا حقيقيًا لأمنه في المنطقة. ولذلك، يشدد الاحتلال من إجراءات السيطرة العسكرية، ويكثف من وجوده في المدن الفلسطينية، ويواصل سياسة الاعتقالات ضد نشطاء المقاومة والفصائل الفلسطينية، ويمنع بشكل مستمر أي حراك شعبي منظم قد يُسهم في إشعال الضفة.

في الوقت نفسه، هناك جهات فلسطينية وإقليمية تسعى إلى إبقاء الضفة الغربية "نائمة"، وذلك لتفادي تصعيد غير محسوب قد يهدد المشاريع السياسية التي تسعى إلى تصفية القضية الفلسطينية. أبرز هذه المشاريع تتجسد في محاولات تصفية حقوق الفلسطينيين من خلال الحلول المؤقتة مثل "صفقة القرن" التي يتم اعادة طرحها،أو مشاريع التطبيع الإقليمي التي تهدف إلى دمج الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة دون تحقيق أي حل عادل للقضية الفلسطينية. إضافة إلى ذلك، تتبنى بعض الجهات السياسية في الضفة، سواء كانت السلطة الفلسطينية أو فصائل أخرى، سياسات تعمل على "تحجيم" المقاومة وتعزيز التنسيق الأمني مع الاحتلال في مقابل الحفاظ على الاستقرار السياسي والاقتصادي في الضفة الغربية، حتى وإن كان ذلك على حساب الحقوق الفلسطينية الأساسية.

الضفة الغربية اليوم تقف على مفترق طرق بين مقاومة الاحتلال والتهديدات التي تحيط بها من جميع الجهات. ورغم أن الضفة قد تكون "نائمة" تحت وطأة الاحتلال، إلا أن الوعي الشعبي الفلسطيني لم يمت بعد. المقاومة في الضفة تتجلى بشكل غير مباشر من خلال الاحتجاجات، العمليات الفردية، أو حتى الرفض الشعبي للتهديدات الإسرائيلية. المعركة طويلة الأمد، لكن الضفة الغربية تظل ساحة رئيسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وما إذا كانت ستستمر في "النوم" أم ستنتفض في وجه الاحتلال يتوقف على القدرة على توحيد الصفوف الفلسطينيّة وإحياء إرادة المقاومة.