Menu

معادلة " القوة الصلبة " في العقيدة الترامبية !

محمد صوان

بوابة الهدف

كان من المتوقع أن تنتهي زيارة الرئيس الأوكراني زيلينسكي لواشنطن يوم 28/2/2025 إلى تفاهمات مع الرئيس الأمريكي ترامب, وذلك على أرضية إعلان كييف موافقتها على إبرام اتفاق مع واشنطن حول دفع ما نسبته 50% من عائدات ثروة " المعادن النادرة " الأوكرانية لواشنطن, غير أن ما شاهده العالم في بث مباشر لما دار بين الرجلين, في لقائهما أمام مدفأة البيت الأبيض ورهط من الصحفيين, من شجار ساخن في ظاهرة غير مسبوقة بتاريخ العلاقات الدولية والدبلوماسية العالمية, لقد تلاشى هذا التوقع وعمّق المشاعر السلبية المتبادلة بين الرجلين, خاصة بعد شحنات التقريع التي وجهها ترامب لضيفه حد الإهانة والإذلال !.

بالرغم من محاولات زيلينسكي الرد على مستضيفه ترامب, وكذلك على نائبه جي دي فانس الذي استخدم عبارات لاذعة,- إلا أنه بدا في وضع لا يحسد عليه – وترتب على ذلك قطع الحوار وإلغاء المؤتمر الصحفي ومائدة الطعام بين الرئيسين التي كانت مقررة بعد انتهاء المحادثات التي لم تكتمل, وانتهت من دون توقيع الاتفاق الذي من أجله توجّه زيلينسكي إلى واشنطن !.

توجّه الرئيس زيلينسكي لواشنطن بنية مقايضة الاتفاق الذي طالب به الرئيس ترامب حول حصة لبلاده من " معادن أوكرانيا النادرة " بضمانات أمريكية لأمن أوكرانيا وشعبها بعد التوصل لاتفاق مع موسكو وكذلك انتزاع موافقة واشنطن على عضوية كييف في حلف شمال الأطلسي " ناتو " وبأمل أن تستعيد أوكرانيا بعض أراضيها التي أصبحت تحت السيطرة الروسية, فلم يتلق من ترامب أي وعد بذلك, بل واجه صدّاً صلباً: لا ضمانات أمنية ولا عضوية متوقعة في " ناتو " ولا اتفاق من دون تنازلات, بل تمادى ترامب بتذكير زيلينسكي – بشكل مهين – بما قدمته الولايات المتحدة من دعم مالي وعسكري كبيرين خلال سنوات حرب أوكرانيا مع روسيا قائلاً: " أنت لست في وضع يسمح لك بأن تملي علينا ما يجب أن نفعله, فلولا دعمنا ما كانت الحرب ستستمر أكثر من أسبوعين, ومع ذلك لا تظهر لنا الامتنان وتعاملنا بقلة احترام" وتابع تهديده: "على كييف التوصل إلى اتفاق مع واشنطن وإلا سنوقف الدعم الذي نقدمه لها ".

عندما عرض زيلينسكي على ترامب صوراً لفظائع الحرب متهماً موسكو باختطاف أطفال أوكرانيين وارتكاب " جرائم حرب " خلال غزوهم لبلاده منذ ثلاث سنوات, جاءه الرد قاسياً من ترامب: "إنك تخاطر بحياة ملايين البشر, تخاطر باندلاع حرب عالمية ثالثة ".

حوار مثل هذا ربما يجري في اجتماع مغلق بين الرئيسين, يحتد فيه النقاش, ويتبادل الطرفان الاتهامات, والمرجح أن لقاءات مشابهة لهذا, وربما أكثر حدة منها حصلت في غرف مغلقة, بعيداً عن الصحافة وشاشات التلفاز , بين قادة دول داخلة في صراع أو بينهما خلافات شديدة, غير أن تكون وسائل الإعلام حاضرة, وتنقل على الهواء مباشرة بما أراد قوله ترامب علانية للرأي العام, وفي ذلك يكون منسجماً مع نقاط ضعفه.. ولعله عبر الحضور الإعلامي يريد إظهار " جاذبية شخصيته " أمام قاعدته الشعبية, التي أوصلته إلى البيت الأبيض .

بوسائله في التعامل مع الرئيس زيلينسكي, أوصل ترامب رسائل عدّة لا لضيفه فحسب – الذي أوصله لحال يبعث على الشفقة – وإنما أيضاً إلى الداخل الأمريكي, والحلفاء الأوروبيين, الذين أوقعهم في مأزق, كذلك إلى دول كثيرة قد يجد قادتها أنفسهم ذات يوم في وضع مشابه للذي كان عليه زيلينسكي, حين يختلف معهم ترامب في أمر ما, أو يرفضون طلباً تقدم إليهم به, وربما سيتمهل بعض هؤلاء القادة طويلاً قبل أن يغامروا ليجدوا أنفسهم بجانب ترامب في مكتبه, فيما الكاميرات موجهة نحوهم لبث كل شاردة وواردة, بما في ذلك حركات أجسادهم .

• ميزات المدرسة الترامبية :

 لقد عمل الحزبان الديمقراطي والجمهوري تاريخياً على تعزيز الحضور الأمريكي في الساحة الدولية, عبر التلويح بالقوة العسكرية الصلبة واستخدامها, بالرغم من أن الحزب الجمهوري استخدمها بشكل أوسع, وفي أزمات عديدة - فيتنام و العراق وأفغانستان مثلاً – لكن القوة الناعمة المتمثلة في نشر الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان, بقيت المحور الرئيسي الذي /مكّن/ التدخّل الأمريكي في العالم وحقق مصالحه من خلال التمترس وراءها, والادعاء بتوكيل أمريكا نفسها حامية لهذه القيم.. فإذا حملت القوة العسكرية الصلبة التدخل الأمريكي في الساحة الدولية بعدد محدود من المرات.. فقد مكّنت القوة الناعمة الأمريكية هذا التدخل يومياً منذ 1945, وما يميز المدرسة الترامبية أنها أسقطت بقرار واعٍ, القوة الناعمة, وبدأت باعتماد قوتها العسكرية الصلبة فقط , ومن دون الشركاء التقليديين أيضاً, لتحقيق مصالحها آخذة بتوعد هذا وذاك بالجحيم إن لم يمتثل للقرارات الأمريكية, مهددة باستخدام القوة الصلبة لحل خلافاتها في الساحة الدولية, حتى إن ترامب لم يستبعد القوة العسكرية لاستعادة قناة بنما.. ويتمثل التجلي الصارخ لإسقاط المدرسة الترامبية للقوة الناعمة في مشروع الرئيس الأمريكي " لتهجير سكان قطاع غزة " غير مكترث لقانون دولي ولا لقيم حقوق الإنسان والشعوب, ولا غيرها.. وبذلك أسقطت المدرسة الترامبية العقيدة الديمقراطية وبناء الأنظمة الحامية لها, وتحالفت ودعمت بشكل مفضوح الأنظمة الفاشية والديكتاتورية التي تحقق لها مصالحها الآنية, من دون الاكتراث بما يمكن أن يحصل لاحقاً!.

وعليه فإن الترامبية السياسية لن تقوم بالدفاع عن الديمقراطية, ولن تكترث بانتهاكات حقوق الإنسان والشعوب مهما بلغ مداها, لا بل انخرطت بشكل سافر في مثل هذه الانتهاكات, مثل " خطة تهجير سكان غزة " ووقف نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس, في قمة ميونيخ للأمن موبخاً الحكومات الأوروبية لوضعها العقبات أمام وصول أحزاب فاشية متطرفة إلى السلطة في أوروبا !.

يشكّل البحث عن القوة الاقتصادية المحرك الرئيس لتوجهات المدرسة الترامبية, فلا مكاسب للسياسة الخارجية إلا مصادر الطاقة والمال والاقتصاد على حساب عناصر القوة التقليدية لدى الإمبراطوريات الأخرى, مثل انتشار القواعد العسكرية في أرجاء العالم, والسيطرة على مناطق نفوذ إستراتيجي وغيرها.. فالحفاظ على الأمن الأمريكي في الحدود مع كندا ضد الهجرة غير الشرعية مثلاً يكلف مليارات الدولارات, وعليه فالحل حسب المدرسة الترامبية, هو ضم كندا للولايات المتحدة, حتى يتم توفير المليارات على الخزانة الأمريكية, والحل للرسوم العالية للسفن الأمريكية التي تمر بقناة " بنما " هو السيطرة على القناة.. كذلك أعلن ترامب نيته خفض عدد الجنود الأمريكيين في ألمانيا وربما سحبهم, فهو يقدم التكلفة على الوجود العسكري الأمريكي الإستراتيجي في قلب أوروبا !.

أما في العلاقة مع البيت الداخلي – المجتمع الأمريكي – فالحزب الجمهوري التقليدي بكل يمينيته لا يجنح للتطرف بالمستوى المفضوح من العنصرية وتفوق العرق الأبيض, كما تفعل المدرسة الترامبية, ويظهر ذلك في التحريض على كراهية الأجانب وتسفيرهم من الولايات المتحدة, والأدهى من ذلك الهجوم على بيت التشريع الأمريكي " الكونغرس " كما فعل الترامبيون في كانون الأول عام 2020 بعد خسارة ترامب للانتخابات الماضية .

ضمن هذه المحددات والمعطيات, التي تشكل عقيدة المدرسة الترامبية, يمكن فعلاً التوقع بما سيتخذه هذا الرجل من قرارات خصوصاً في الساحة الدولية, فهذا الترامب لا يتصرف بطريقة غير محسوبة, ومن دون رؤيا غير قابلة للتوقع, بل على العكس, يتصرف ضمن هذه المنطلقات مع المشاكل التي تواجهه والتي لا تواجهه, فلا يتردد في خلقها من أجل مضاعفة قوته الاقتصادية المباشرة غير المقنعة بالقيم والأخلاق, إذ لا يهمه خسارة شركائه التقليديين, والسقوط في انتهاكات أخلاقية وقيمية لفظها المجتمع الإنساني تاريخياً, إلا أنها أصبحت مقبولة ومعمولاً بها ضمن العقيدة الترامبية التي تمارس في البيت الأبيض !.

السؤال الذي من الملح طرحه: ما هو المدى لقابلية عقيدة سياسية بهذا المستوى من الخطورة والفجاجة على الاستمرار والديمومة؟ !.

هناك عاملان يحددان مدى ديمومة الترامبية ..

- الأول: يتصل بترسيخ ثقافة ترامبية في أوساط اليمين الشعبوي الأمريكي.. ثقافة تكون قادرة على اختيار رموز لهذه العقيدة !

- الثاني: تمكن هذه الرموز على حمل العقيدة الترامبية بعد انتهاء فترة حكم ترامب !.

أما ما يتعلق بالقاعدة الشعبية فيمكن القول إن هناك كثير من الشعبويين الفاشيين لديهم الرغبة لانتخاب ترامبيين بهذا المستوى من العنصرية, ولكن ما زالت غير قادرة على ترسيخ أركانها داخل المجتمع الأمريكي الأوسع.. فلم يولد حتى اللحظة ترامبيون جدد لديهم القدرة على القيام بأدوار مشابهة لما يقوم به ترامب في المستقبل.. بالرغم من وجود شخصية مثل جي دي فانس الذي أصبح يقلد ترامب في أقواله وأفعاله.. ولن نفاجأ مستقبلاً إن رأينا ترامباً جديداً, لكن بهيئة الملياردير جي دي فانس, والأكثر أهمية أنه لا توجد إمبراطورية في عصرنا استطاعت المحافظة على تفوقها وتمددها من دون تبني قوة ناعمة تجسدها كما ينبغي, وهو ما أسقطه ترامب بشكل مكشوف وعليه, تشكّل السياسة القائمة على القوة الصلبة والمجردة من القوة الناعمة, الخطوة الأولى تجاه تراجع الدور الأمريكي في قيادة النظام الدولي, كذلك تراجع الترامبية على المستوى المتوسط والبعيد !.