Menu

تهجير غزة.. نهاية للمقاومة أم إعادة ولادتها؟

ثائر أبو عياش

الهدف الإخبارية

منذ اندلاع معركة "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر 2023، عاد ملف تهجير سكان غزة إلى الطاولة السياسية، ليس كأحد تداعيات الحرب فحسب، بل كحل محتمل "للملف الفلسطيني" من وجهة نظر إسرائيلية وغربية، وبتواطؤ إقليمي ودولي واضح.

يُطرح هذا الخيار – تهجير الغزيين إلى سيناء أو إلى مناطق أخرى – باعتباره حلاً لـ"مشكلة غزة"، ولـ"إنهاء المقاومة". لكن التاريخ الفلسطيني، وتاريخ حركات التحرر عمومًا، يسجل سردية مغايرة تمامًا: التهجير لم يكن يومًا نهاية للمقاومة، بل كان ولادتها الأكثر جذرية وعنفوانًا.

في عام 1948، وُلدت النكبة الفلسطينية الكبرى بتهجير أكثر من 750 ألف فلسطيني من قراهم ومدنهم قسرًا إلى الضفة الغربية وقطاع غزة ودول الجوار. ظنّ الاحتلال حينها أنه بإنهاء الحضور الديمغرافي الفلسطيني على الأرض، ينهي معه الكينونة السياسية والهوية الوطنية لهذا الشعب. لكن ما حدث هو العكس تمامًا؛ ففي الخمسينيات والستينيات بدأت خلايا المقاومة تتشكل، وظهرت أولى الحركات الفلسطينية المسلحة مثل حركة "فتح" و الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، ليس فقط كرد فعل على الاحتلال، بل كرد فعل مباشر على التهجير ذاته.

كانت المخيمات الفلسطينية – رموز التهجير والشتات – بمثابة حواضن للمقاومة، وتحوّلت من أماكن للبؤس المؤقت إلى جبهات سياسية وثقافية وعسكرية. ومنها انطلقت العمليات الفدائية عبر الحدود، وشُكّل وعي وطني فلسطيني جمعي، يرى في المقاومة طريقًا وحيدًا لاستعادة الأرض والكرامة.

هذا الوعي لم يكن طارئًا أو انفعاليًا، بل كان وعيًا متراكمًا، صقله الألم والتجربة والتشتت، وجعل من الهوية الفلسطينية مشروع مقاومة بحد ذاته، لا يرتبط بجغرافيا معينة، بل بحالة ظلم مستمر.

تجربة التهجير لم تتوقف عند عام 1948. فخروج المقاومة الفلسطينية من الأردن بعد أحداث أيلول الأسود عام 1970، ومن لبنان عام 1982، لم يُنهِ المقاومة، بل أعاد توزيعها جغرافيًا وتنظيميًا. بعد الخروج من بيروت، اعتقد كثيرون أن المشروع الوطني الفلسطيني قد انتهى، لكن الواقع أن مرحلة جديدة بدأت، وظهرت قوى جديدة كحركة "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، وبدأ الداخل الفلسطيني يتحول تدريجيًا إلى ساحة رئيسية للعمل المقاوم، خاصة بعد الانتفاضة الأولى عام 1987. التهجير، مهما كانت دوافعه، لا يُنهي المقاومة، بل يُحوّلها ويُعيد إنتاجها بأشكال جديدة أكثر تكيّفًا وقدرة على المناورة.

اليوم، يُطرح تهجير سكان غزة كـ"حل أمني" لإنهاء المقاومة، بعد أن باتت غزة تُشكّل نواة العمل المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي، لكن هذا الطرح لا يعدو كونه قفزًا فوق الحقائق وركضًا خلف أوهام. ماذا يعني فعليًا تهجير 2.3 مليون فلسطيني من غزة؟ وكيف يمكن لذلك أن يُنهي مشروع المقاومة؟ أولًا، لا توجد أي دولة مجاورة، وعلى رأسها مصر، مستعدة فعليًا لتحمّل هذا العبء الديمغرافي والسياسي والأمني. وثانيًا، وحتى لو تحقق ذلك – فرضًا – فإن إخراج السكان من غزة لا يعني إخراج الفكرة، ولا يعني إفراغ الهوية، بل هو وصفة لصناعة "مخيمات غضب" جديدة، تمامًا كما حدث بعد نكبة 1948 ونكسة 1967، ومخيمات الشتات في لبنان وسوريا.

الأخطر أن هذا الطرح يُبقي على جوهر الأزمة دون مساس، وهو الاحتلال نفسه. فتهجير السكان هو إعادة توزيع للمعاناة وليس إنهاءً لها. الاحتلال هو الجذر، والمقاومة ليست عرضًا بل نتيجة. وطالما بقي الاحتلال، ستبقى المقاومة، سواء كانت في غزة أو الضفة أو مخيمات الشتات أو في الداخل الفلسطيني.

يراهن الاحتلال على أن القوة العسكرية قادرة على كسر إرادة الفلسطينيين، ويعتقد أن اجتثاث الجغرافيا سيقضي على الفكرة. ولكن سبعة عقود من النكبات أثبتت أن الفكرة الفلسطينية تتجدد كلما ظنّ العالم أنها انطفأت. التهجير لا يُنهي المقاومة، بل يدفعها إلى التحوّل والتجذر في أماكن أخرى. والرهان على التهجير هو رهان على فشل استراتيجي آخر، سيُفاقم الغضب الفلسطيني والعربي، وسيُنتج موجات جديدة من الحركات الثورية والمعارضة على امتداد الجغرافيا.

التهجير ليس حلاً للصراع، بل خطوة إضافية نحو تعميقه وتأبيده. من يريد إنهاء الصراع، لا يهرب من جذوره بل يعالجها. والاحتلال هو الجذر الحقيقي الذي لا يمكن الالتفاف عليه. المقاومة، بكل أشكالها، ستظل ردًا طبيعيًا على الظلم، ومهما تغيّرت أماكن الفلسطينيين، سيبقى الحلم والحق والعودة حاضرين في وعيهم الجمعي.