في البدء كانت فلسطين... وكان جورج حبش .
رجلٌ خرج من رحم اللد لا كمن خرج مهاجرًا، بل كمن خرج ليعود. حمل نكبته كما تُحمل بندقية، وجعل من طبّ الجسد بوابةً لمعالجة جراح وطنٍ بأكمله. لم يكن مجرد مناضل، بل خلاصة ثورية خُلط فيها الفكر بالقلب، والبندقية بالوعي، فصار ثورة تسير بين الناس.
قالها دون أن يرتجف صوته، وكأنّ كل حروفه وُلدت من وجع المخيمات:
.""على جماجم وعظام شهدائنا نبني جسر الحرية
كان يرى الشهادة طريقاً، لا نهاية، وجسرًا تعبر عليه الأجيال نحو الوطن لا نحو المقابر.
وإن سألته عن أولئك الذين فرّطوا، أو باعوا، أو صافحوا اليد التي لطالما صفعت وجه الفلسطيني... أجاب بقَسَم لا ينكسر:
. ""قسماً ببرتقال يافا وذكريات اللاجئين، سنحاسب البائعين لأرضنا والمشترين
كان يعرف أن المعركة لا تُربح على الطاولة، بل في الخنادق، في الوعي، وفي وضوح الموقف.
وفي زمن امتلأ فيه الكلام عن السلام، وقف الحكيم كالسيف، يرفض سلام الخضوع، ويعلنها صريحةً، جارحةً:
. ""سنجعل من كل حمامة سلام، قنبلةً نفجرها في عالم السلام الإمبريالي الصهيوني الرجعي
لأن السلام الذي يُبنى على أنقاض الهوية، هو امتدادٌ للحرب بثوب جديد.
وكان حين تُقصف المخيمات، ويُحاصر الأطفال، لا يتحدث بلغة الدموع، بل بلغة التحدي:
" تستطيع طائرات العدو أن تقصف مخيماتنا، وأن تقتل شيوخنا وأطفالنا، وأن تهدم بيوتنا، لكنها لن تستطيع أن تقتل روح النضال فينا".
لقد آمن أن البندقية ليست نهاية، بل بداية. بداية سلطة حقيقية تنبع من فعل المقاومة، لا من توقيع اتفاقيات الذل:
.""إن السلطة السياسية تنبع من فوهات البنادق
لكن الحكيم، الذي حمل البندقية، لم يكن يُغريه صداها إن لم تكن محمولة بوعي. فكم من مقاتل يوجّه سلاحه دون بوصلة، فيُصبح الخطر في يده لا في عدوه. ومن هنا جاء تحذيره البليغ:
. ""إن المقاتل غير الواعي سياسياً، كأنما يوجه فوهة البندقية إلى صدره
جورج حبش لم يكن صوتًا ثوريًا عابرًا، بل كان جذرًا في تربة الوعي العربي، وندبة عزّ في ذاكرة شعب جريح،
هو الذي صرخ في وجه الانقسام: "الاقتتال الداخلي حرام... حرام... حرام".
وهو الذي حمل راية الوحدة قائلاً: "وحدة، وحدة، حتى النصر".
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين : شجرة المقاومة الممتدة
من رحم النضال، ظهرت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كصرخةٍ حية في وجه الاحتلال، تجسد إرادة شعبٍ بأسره لا يعرف الخنوع. كانت الجبهة الشعبية، منذ تأسيسها على يد الحكيم جورج حبش، قوة ثورية لا تهدأ، صادقة في وعيها، صلبة في موقفها، راسخة في الأرض. فالجبهة الشعبية لم تكن مجرد فصيل مقاوم، بل كانت مشروعاً للثورة التي لا تتوقف، لأن فلسطين لا تتحرر إلا بالكفاح المسلح، ولا يرفع علمها إلا من عاش لحظة المعركة بكل تفاصيلها.
"وحدة، تحرير، ثأر" ليس مجرد شعار، بل هو منهاج حياة، حياة تتنفس على دماء الشهداء، وتزدهر على نضال الأحرار. كانت الجبهة الشعبية قوة جاذبة لكل من آمن أن البندقية هي الطريق إلى الحرية، وأن الصمود في الأرض هو السبيل الوحيد لبناء دولة فلسطينية حرة، بعيدة عن كل الاتفاقيات المذلة. لم تُساوم الجبهة على المبادئ، ورفضت أن يكون لها مكان في عالمٍ يبيع الحقوق ويبتز الشعوب. قدمت الجبهة الشعبية للثورة الفلسطينية رجالاً لا يعرفون التراجع، وشهداءً سقطوا دون أن يتراجعوا عن هدفهم: فلسطين حرة، عربية، أبية.
طوال عقود، كانت الجبهة تمثل النبض الثوري في جسد المقاومة الفلسطينية، تهز الأرض تحت أقدام الاحتلال وتكسر الحواجز النفسية والسياسية. جابت العقول والأرواح بكل المعاني النضالية، ودفعت بكل جيل فلسطيني ليرتقي في منازل الصمود والمقاومة، متحدياً القهر، متحدياً الغطرسة.
وبقيت الجبهة الشعبية، كما كانت دائماً، الصوت الذي لا يخفت في آذان الاحتلال، والشعلة التي لا تنطفئ في عيون الأجيال الفلسطينية التي حملت رايتها وواصلت الطريق نحو القدس .
سلامٌ على الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين..
سلامٌ على الأبطال الذين ساروا على دربها، إلى أن تتحقق الأماني ويزهر الزهر الفلسطيني على أرضنا.
سلامٌ عليك يا حكيم الثورة...
كنت عنوانها، وصوتها، وضميرها.
وستبقى، ما بقيت فلسطين، وما بقي في هذا العالم من يؤمن أن الحلم لا يُقايض، وأن الأرض لا تُباع.

