في الواقع منذ سنوات ونحن نتمنى ونطرح وننادي بأهمية وضرورة أن يتوحد الموقف الفلسطيني وأن نذهب موحدين إلى متطلبات وتحديات المرحلة المقبلة والفتي يبدوا أنها الأكثر أهمية في التأثير على تقرير مصير شعبنا و وجوده في كافة أماكن تواجده داخل فلسطين وخارجها.
ربما في كل منعطف خلال نضالنا الطويل كنا نقول هذا الكلام. نعم، هذا صحيح ولكنه كان يقال في مراحل التطور الثوري البطيء، والنمو السريع للإمبريالية وللكيان الصهيوني وأدواته في المنطقة أن هذه التحولات الاستراتيجية هي في أحد جوانبها ناجمة عن وصول الصراع إلى مرحلة الصدام المباشر بين مراكز الصراع المباشرة وغير المباشرة، والذي فجره هجوم السابع من أكتوبر المجيد. أن هذا التطور الاستراتيجي يفرض موقف وطني وحيد و موحد.
واضح أنه لا تبرز خلافات، بشكل عام، عند الحديث عن الوحدة الوطنية وأهميتها لا تبرز خلافات إلا عندما يتم الذهاب للممارسة أي لتحقيق، الهدف - الأمنية. حيث في الواقع العملي تواجه كل الأطراف، المتناقضة والمتعارضة، سؤالين أساسيين. الأول، ما هو الأساس أو البرنامج الذي ستقوم الوحدة على أساسه وما هي الآلية لتحقيقه بما ينسجم والتحولات الاستراتيجية القائمة فعلا لا افتراضا؟ هنا نقف بجد أمام الحقيقة وترتسم معالم القوى الجدية المسؤولة المعادية للمشروع الاستعماري لفلسطين والوطن العربي، المعادية للإمبريالية و للصهيونية وكيانها. أي أن القوى التي ستشارك في تحديد معالم وأسس البرنامج الوطني الكفاحي، يفترض أن تكون هي نفسها القوى التي ستعمل على تحقيق وتجسيد هذا البرنامج الوطني الذي يتفق عليه. السؤال الثاني، إذا رفض طرف ما، وهذا يحصل بل حاصل فعلا، على الإقدام الفعلي، أي المشاركة في صياغة البرنامج وحاول وضع العوائق لتنفيذه، وعرقلة توحيد الساحة الوطنية، ما العمل؟ وكيف تحل هذه العقدة، المزمنة؟ التي يؤدي عدم حلها وكسرها مبكرا إلى رفع كلفة الحل المتأخر سياسيا وماديا. ولا شك ليس من قضية أو مسألة بلا حلول.
هنالك علميا ومن خلال التجربة الوطنية حلين لا ثالث بينهما
الأول: أن تبادر حركة المقاومة الإسلامية حماس و الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحركة الجهاد الإسلامي، والقوى المتماثلة سياسيا ونضاليا، ومن يؤيد الفكرة من القوى السياسية الأخرى إلى تشكيل إطار وطني شعبي - جبهة مقاومة وطنية متحدة - تضم كافة القوى السياسية والفئات الشعبية والأطر النقابية والاتحادات التي ينتمي إليها شعبنا في الداخل والخارج، من أجل قيادة المرحلة المقبلة بكل تفاصيلها بدأ من غزة....
الحل الآخر هو أن نبقي على حالنا، أي هيمنة الطرف الفلسطيني، المدعوم من معسكر إنهاء القضية - المسمى معسكر التسوية - أي المعسكر الإمبريالي الصهيوني الرجعي العربي. هذه الهيمنة، أصلا، هي سبب وأساس وعنوان الانقسام القائم عمليا وسياسيا. أي أن نستمر في الضياع والانخراط في دهاليز السياسات المعادية التي تهدف إلى القضاء التام على كل انجازات نضالات شعبنا وحركته الوطنية، سواء بوعي أو بالإكراه.
سيقول قائل الخيار الأول هو خيار انقسامي انشقاقي يضرب " التمثيل والشرعية "، وهنا أسأل أليس البقاء على ما نحن عليه من هيمنة طرف، واغتصابه السلطة والتمثيل هو " انقسامي وتدميري " ليس فقط للتمثل وللشرعية، التي يمنحها أو يحجبها الشعب، بل هو تهديد جدي لجذور القضية الوطنية برمتها؟ ولعدالتها التاريخية والسياسية.
أن التضحيات الباهظة والهائلة ماديا وبشريا التي قدمها شعبنا بدأ من مجازر الأردن ولبنان والآن في الأراضي المحتلة وخاصة في غزة التي تشهد أكبر إجرام وإبادة في التاريخ تنفذها الإمبريالية عن طريق أداتها، الكيان الصهيوني، والتي أدخلت هذا الكيان في مرحلة انكشاف طبيعته وحقيقته الإجرامية الوظيفية ليس لنا بل لشعوب الأرض قاطبة. أن افتضاح طبيعة الكيان الصهيوني في فلسطين أدت إلى انسلاخ فئات شعبيه وكتل تاريخيه في المجتمعات الغربية الرأسمالية، عن تأيديها للكيان ( اسرائيل ) و سحبت بل أوقفت التعاطف معه، هذا التعاطف الذي كان قائما بحجج واهيه من اهمها المحرقة المزعومة.
أن التغير الحاصل في المفاهيم والمواقف الشعبية العالمية هو تغير جوهري واستراتيجي لصالح الرواية الفلسطينية سيؤثر على موازين القوى لصالحنا ولصالح مجمل النضال التحرري العربي، وهذا بلا شك انعكاس لتحولات بنيويه ماديه، منها ما هو غير مرئي، تعكسه التحولات في البناء الفوقي. هذه التحولات تضع
الحركة الوطنية الفلسطينية أمام تحديات جدية ستؤثر على بنيتها ومن هو غير قابل للاستجابة لمتطلبات المرحلة، ومن لا يملك جرأة مفجري الطوفان سيزول من أمام القافلة.

