Menu

الكمين المقاوم يهزم الرواية: كيف تُفشل غزة ماكينة التضليل العبري؟

ثائر أبو عياش

في كل مرة تتلقى قوات الاحتلال الإسرائيلي ضربة موجعة في غزة، يلجأ الإعلام العبري إلى مصطلح مبهم": حدث أمني صعب".هذا التعبير ليس وصفًا دقيقًا لما جرى، بل إستراتيجية لغوية مقصودةهدفها الالتفاف على الحقيقة، وإعادة صياغة الخسارة بطريقة تجعلها قابلة للهضم داخل المجتمع الإسرائيلي، دون أن تهتز صورة "الجيش الأقوى" في الوعي الجماعي.

لكن مع تصاعد العمليات النوعية للمقاومة الفلسطينية مؤخرًا، خصوصًا في مناطق مثل بيت حانون، لم تعد هذه المصطلحات كافية لإخفاء الحقيقة. باتت اللغة تُظهر الضعف بدل أن تخفيه، وأصبح المصطلح نفسه مرآة للهزيمة.

الإعلام العبري كأداة حرب نفسية

منذ اليوم الأول للحرب، يعمل الإعلام الإسرائيلي ضمن منظومة دقيقة من الحرب النفسية، لا تستهدف فقط العدو، بل الجبهة الداخلية الإسرائيلية ذاتها. والهدف الأساس هو تثبيت الانطباع بأن "الجيش يسيطر" وأن "العدو يُستنزف"، حتى عندما تكون الحقيقة عكس ذلك تمامًا.

تحت هذه المظلة، يتم استخدام مصطلحات غامضة مثل "حدث أمني معقد" أو "ظروف قاسية في الميدان" كوسيلة للتعتيم. فالرقابة العسكرية لا تسمح بنشر الأرقام الحقيقية للقتلى أو تفاصيل الكمائن مباشرة، لأن ذلك قد يُحدث صدمة داخلية، ويدفع الجمهور للتشكيك في القيادة والسياسة العسكرية.

فيديوهات المقاومة... كسر الرواية من المصدر

رغم هذه الجهود، فإن ما يُفشل هذا البناء الإعلامي المعقد، هو بساطة ما تنتجه المقاومة: مقطع فيديو قصير، دقيقة واحدة تكفي. الكاميرا المهتزة، المقاتل الذي يخرج من نفق، العبوة التي تنفجر، والدبابة التي تحترق، كلها تفاصيل لا يمكن لأي مذيع أن يمحو أثرها بكلمات.

هذه الفيديوهات لا تُقدّم فقط على أنها توثيق عملياتي، بل أصبحت أداة حرب نفسية مضادة، تعيد تعريف القوة وتكشف هشاشة الجندي الإسرائيلي الذي وُصف لعقود بأنه "لا يُقهر". فجأة، يتحوّل هذا الجندي إلى شخص مرتبك، يفرّ من المعركة، يُصاب أو يُقتل، دون أن تكون لديه سيطرة حقيقية على محيطه.

المفارقة أن المقاومة تُخاطب الإسرائيلي بلغته، لكنها تُحدث أثرها على جمهورها أولًا: جمهور غزّة المُحاصر، الذي يرى في هذه المشاهد ما يفتقده في واقعه اليومي—النصر، الثأر، والكرامة.

 

الكمين... فلسفة الفعل المقاوم

مصطلح "كمين" في حد ذاته لا يُوصف فقط كحدث عسكري، بل يمكن النظر إليه كفعل فلسفي – سياسي – أخلاقي. هو لحظة انتزاع للمبادرة من الطرف الأقوى، وممارسة للسيطرة من طرف مُستضعف لا يملك ترسانة، بل يعتمد على المعرفة، الدقة، والتوقيت.

الكمين هو مكثّف رمزي لحالة كاملة من الرفض للهيمنة، وإعادة ترتيب للحظة الصراع. ليس مجرد تفجير، بل إعلان وجود. وفوق ذلك، هو فعل يكسر "الزمن الإسرائيلي"، إذ يُربك الخطة، ويُعطّل التقدم، ويُجبر الجيش على إعادة الحسابات. كل هذه النتائج تنتج من دقائق معدودة من الفعل المقاوم المدروس.

"الحدث الأمني" كغطاء للهروب من مواجهة الذات

في المقابل، تسعى إسرائيل دائمًا إلى الهروب من مواجهة الذات. فبدل أن تعترف بأن جنودها وقعوا في كمين، وأن هناك خللًا استخباراتيًا وتكتيكيًا، تكتفي بالقول: "وقع حدث أمني صعب". كأن الحدث نزل من السماء دون سبب.

الهدف هنا واضح: نزع الفاعلية عن المقاومة، وتحويلها إلى مجرد عنصر طارئ، وليس طرفًا متكافئًا في المعادلة. وهذه محاولة فاشلة، لأن تكرار الكمائن، وتطوّرها، وتنوّع أساليبها، يعني أن الأمر أبعد من "حادث"، بل هو منهجية نضالية مستمرة.

جنود يُقتلون... ورواية تنهار

اعترافات شخصيات إسرائيلية رفيعة، من مستشارين أمنيين إلى ضباط احتياط، بدأت تتسرب إلى الإعلام العبري مؤخرًا، وملخّصها واحد: "لا ننتصر، ولا نعلم إلى أين نحن ذاهبون". هذا التآكل في الثقة هو نتيجة مباشرة لفشل الرواية الرسمية في مواكبة الواقع الميداني.

حين يقول ضابط إن "الأنفاق عادت للعمل"، وإن "لا قدرة على هزيمة حماس"، فهو لا يكتفي بوصف عسكري، بل يُعلن نهاية سردية. تلك السردية التي بنتها إسرائيل طيلة عقود، بأن أمنها محمي بالتفوّق المطلق.

المقاومة تُراكم... واللغة تنهار

في الوقت الذي تُراكم فيه المقاومة قدرتها، ودقّتها، ورسائلها، نجد أن لغة الاحتلال تنهار. لا تجرؤ القيادات على قول كلمة "هزيمة"، فيكتفون بجمل مثل: "حدث أمني قاسٍ"، أو "خسائر غير معتادة"، أو "إعادة تموضع".

لكن الميدان لا يكذب. المشهد المصوّر، والمقاتل الذي يرفع سلاحه، والدبابة التي تتحوّل إلى حطام، كلها تقول ما لا تقوله المؤتمرات الصحفية.

الخلاصة: من يملك الرواية؟

في الحروب الحديثة، من يملك الرواية قد يملك المعركة. إسرائيل حاولت أن تحتكر الرواية لعقود، مدعومة بإعلام ضخم، ومؤسسات ضخّامة دولية. لكنها اليوم، تخسرها أمام كاميرا مقاتل ومقطع مدته 40 ثانية.

"الحدث الأمني الصعب" لا يُقنع أحدًا. لا في غزة، ولا في تل أبيب. والكمين، ذاك الفعل الذكي القصير، بات فصلًا ثابتًا في معجم المقاومة، يُعيد تعريف الانتصار كل يوم، من تحت الأنقاض، وبلا ضجيج.