Menu

هندسة الشرق الأوسط الجديد تحت مطرقة التغيير

علي زيدان

نشر في مجلة الهدف العدد (73) (1547)

منذ انتهاء المواجهات الحربية في جنوب لبنان بين الكيان الصهيوني وحزب الله اللبناني، وتوقيع اتفاق وقف اطلاق النار تصاعدت تصريحات رئيس حكومة الكيان الصهيوني عن الشرق الأوسط الجديد، وأن الوقت قد حان لهذا التغيير المنتظر. لقد ترافقت هذه التصريحات بهجمات عسكرية صهيونية غير مسبوقة، استهدفت المقاومة في لبنان وايران وسوريا واليمن بالإضافة إلى حرب الإبادة المستمرة في غزة ومناطق الضفة الغربية المحتلة. وينبغي القول أن الكيان الصهيوني حقق إنجازات مهمة خلال هذه المعارك بدعم أمريكي وغربي مباشر وغير مباشر وصمت عربي إن لم يكن أكثر. الجدير بالذكر أن الحديث عن الشرق الأوسط الجديد والتغييرات المنشودة ظل مجرد حديث غير قابل للتحقيق، بسبب وجود قوى المقاومة، خصوصاً الدور المحوري الذي قام به حزب الله في لبنان والمنطقة. لقد أشار لذلك بوضوح السفير مارتن أنديك في محاضرة له بأستراليا عام 2006، حيث قال أن فشل مخططات الإدارة الأمريكية في تغيير الشرق الأوسط وفرض التحولات الكبرى خلال حرب لبنان الثانية عام 2006 يعود إلى وجود حزب الله في لبنان ومواجهته لهذا المشروع[1]. غير أن تطور الأحداث في المنطقة العربية وتسارعها رسم مجرى آخر، وبرز إلى العلن مصطلح الربيع العربي، الذي سعت من خلاله مجموعات غير متجانسة للمطالبة بالحرية والديمقراطية والتغيير في أنظمة الحكم. وقد تطورت هذه المطالب في عدد من الدول العربية إلى ثورات مسلحة مدعومة من تحالف تقوده الإدارة الأمريكية يضم معظم الدول الغربية، وتركيا وبعض الدول العربية. وينبغي القول أن هذا التحالف الأمريكي الصهيوني قد شكل القوة الدافعة وراء العديد من هذه الثورات وذلك بهدف إعادة ترتيب المنطقة بما يضمن أمن الكيان الصهيوني وتفوقه الإقليمي، ناهيك عن السيطرة على مصادر الطاقة والإقتصاد. في هذه المرحلة أيضاً ساهم حزب الله، وبدعم إيراني وروسي، في مواجهة مشروع التغيير ذاك، خصوصاً في سوريا، وإفشال مخططات التقسيم والتجزئة، وأعاد خلط الأوراق والخرائط مرة أخرى. وهكذا يُمكن القول أن المقاومة اللبنانية ساهمت بإفشال مخططات الربيع العربي المزعوم. وعلى هذا الأساس، ظل التحالف الأمريكي الصهيوني يعتبر أن المقاومة اللبنانية هي القائد الفعلي لجبهة المقاومة والمحرك الرئيس في مواجهة المشروع الصهيوني الأمريكي في المنطقة، والعقبة الرئيسة أمام تحقيق المشاريع المطروحة لتغيير الشرق الأوسط الجديد. لذلك بات من الواضح أن ما تهدف إليه الحرب على الجانب اللبناني هو إضعاف حزب الله والمقاومة التي تهدد أمن الكيان الصهيوني وتشكل داعماً رئيساً للمقاومة الفلسطينية في غزة. والتي كانت حرب الإسناد الأخيرة أحد وجوهها. لقد ترافقت الحرب العسكرية على لبنان مع ضغوط سياسية وإقتصادية هائلة دفعت البلاد نحو الهاوية، وذلك بهدف تحريض المجتمع المحلي ضد المقاومة وكسرها، وإعادة ترتيب المنطقة. لقد استمرت الحرب حتى الآن من طرف واحد، حيث ما زالت طائرات الكيان الصهيوني ومسيراته الحربية تجوب الأجواء تقصف وتدمر أي أهداف يُعتقد أنها تخص المقاومة على طول الأراضي اللبنانية وعرضها، وتستهدف المقاومين وتغتالهم وذلك دون احتجاج ومعارضة، بالرغم من إتفاقية وقف إطلاق النار، التي بقيت حبراً على ورق، برعاية الولايات المتحدة وفرنسا وبعض الدول العربية التي تمثل دور شاهد لا يرى ولا يسمع. في سوريا كانت المنهجية مختلفة تماماً، إذ تم استخدام الفوضى الهدامة كأداة للتغيير، من خلال التدخلات الخارجية ودعم الجماعات المختلفة ما أدى إلى تفتيت الدولة السورية وإضعافها بشكل كبير، ومحاولة تقسيمها إلى مناطق نفوذ تخدم مصالح الكيان الصهيوني. وقد تطورت هذه المحاولات إلى الوضع القائم كما يجري الآن من فتن طائفية وعشائرية، وتدخل صهيوني مباشر من خلال إعلان الحماية للطائفة الدرزية العربية وربطها بالطائفة الدرزية داخل الكيان الصهيوني. وقد شمل التغيير الإستراتيجي تركيبة النظام السياسي وتفكيك الجيش. هذا التغيير دفع الكيان الصهيوني لاتخاذ خطوات أوسع لتغيير شامل في المنطقة، شمل تدمير منشآت الجيش ومقدراته العسكرية والإستراتيجية، وأكثر من ذلك إثارة الفتن المذهبية والطائفية التي تهدف إلى تفتيت الدولة السورية وتجزيئها إلى دويلات متناحرة، تكون فيها الغلبة للكيان الصهيوني. بالإضافة إلى ذلك، فإن الإستهداف العسكري المباشر لإيران ومحاولات قلب النظام بات يُعتبر هدفا مركزياً في أجندة الشرق الأوسط الجديد، خاصة وأن إيران هي الداعم الرئيس لجبهة المقاومة في المنطقة والتي تعارض الهيمنة الأمريكية الصهيونية. لذلك فإن الحرب على إيران جاءت تتويجا للعقوبات الإقتصادية الخانقة، وتحت شعار تقويض برنامج الصواريخ الباليستية والبرنامج النووي، وترافقت مع إغتيال قادة وعلماء بارزين، إلا أنها تهدف في الأساس إلى تغيير التحالفات وموازين القوى في المنطقة، وإعادة تشكيلها بشكل جذري. الجدير بالذكر هنا، أن الكيان الصهيوني وحلفائه كانوا ينظرون إلى قوى المقاومة في المنطقة كوحدة واحدة متماسكة، ينبغي تفتيتها والتعامل مع كل قوة على إنفراد. لقد نجح التحالف المعادي عملياً في هذه الإستراتيجية، وكان لها الأثر الأكبر على قوى المقاومة، وكانت حسابات قوى المقاومة السياسية لا تتطابق مع المتطلبات الميدانية. هذه الهجمة الشرسة كشفت نقاط الضعف الكثيرة التي شابت تحالف قوى المقاومة، ما عَرّضها إلى ضربات عسكرية مفاجئة في لبنان وإيران وسوريا واليمن، وأدت إلى خسائر كبيرة وحيّدت معظم تلك القوى باستثناء اليمن، التي ما زالت قواتها تساهم في فرض الحصار على الكيان الصهيوني، واستهداف مواقعه الإستراتيجية كلما سنحت الفرصة. هذه الأحداث المركبة بدأت ترسم منحنىً جديداً للتغيير في الشرق الأوسط، ترافق مع دعاية واسعة من قبل الكيان الصهيوني بأنهم يغيرون الشرق الأوسط إلى الأبد، ويرسمون عالماً جديداً تسود فيه العدالة والحرية والديمقراطية، وذلك برعاية ومشاركة أمريكية وعربية. أمام هذا الواقع الجديد، كيف ينظر التحالف الأمريكي الصهيوني إلى خارطة الشرق الأوسط الجديد؟ لا شك أن هذه الأحداث والمعارك العسكرية المتسارعة هنا وهنالك تهدف إلى إعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية للمنطقة بما يعزز وجود ونفوذ الكيان الصهيوني، حيث أن الحديث السابق عن الشرق الأوسط الجديد لم يعد مجرد دراسات وتنظيرات في دوائر القرار الصهيوني الأمريكي. بل أصبح أمراً واقعاً يجري العمل على تنفيذه تحت مطرقة التغيير التي تضرب بقسوة تاركة خلفها صراعات مريرة وتحالفات جديدة وتوازنات بين قوى مختلفة عما كان شائعاً منذ زمن قريب، وأن هذا العمل العسكري هو الأداة الرئيسة لهندسة الشرق الأوسط الجديد. في قلب هذا التغيير، وتداعيات حروبه في المنطقة، يبرز من جديد مفهوم تحالف الأقليات[2] كأحد الأدوات الاستراتيجية التي تُعيد رسم المشهد. والجدير ذكره أن هذا المفهوم يعود إلى عشرينات وثلاثينات القرن الماضي حين سعى منظروا الحركة الصهيونية إلى بناء جسور وتحالفات مع الأقليات العرقية والدينية في المنطقة، بهدف تجزئة الدول العربية الكبرى ودعم الحركات الإنفصالية وتوفير حلفاء محتملين في مناطق استراتيجية يمكن استخدامها في الوقت المناسب، والتاريخ القريب حافل بهذه الأمثلة. على سبيل المثال، دعم الحركات الإنفصالية في السودان والعراق وغير ذلك. بدون أدنى شك فإن هذه الاستراتيجية تُشكل خطراً على وحدة الدول المستهدفة، وتؤدي إلى مزيد من التقسيم والصراعات الداخلية. والجدير ذكره أيضاً أن هذا المفهوم يتماهى مع الطروحات التي قدمها المستشرق برنارد لويس لتقسيم المنطقة وفقاً لأسس مذهبية ودينية وهو ما تبناه وروج له المحافظون الجدد في الإدارة الأمريكية.

 

اليوم، تقع منطقة الشرق الأوسط بتقسيماتها القديمة التي رسمتها اتفاقيات سايكس بيكو تحت مطرقة التغيير وتقف على مفترق طرق حرج جداً، حيث تتم هندستها بأدوات عسكرية وحشية غير مسبوقة. وبدون أدنى إعتبار للقيم الإنسانية في تجويع وإبادة المدنيين العزل في قطاع غزة. وفي هذا الإطار فإن آفاق المرحلة الجديدة ترسم العديد من الإحتمالات أهمها:

 

  • استمرار الصراع مع الكيان الصهيوني وحلفائه من خلال صمود المقاومة الفلسطينية في غزة والضفة أمام محاولات فرض النفوذ وإحداث تغيير في موازين القوى.

 

  • تحالفات جديدة وغير مستقرة، حيث تبرز إلى الوجود قوى إنفصالية جديدة تجد نفسها حليفة للكيان الصهيوني في مواجهة تهديدات مشتركة، والعكس صحيح. بروز تحالفات إقليمية جديدة، مثل التطبيع الأخير بين إسرائيل وبعض الدول العربية، يعكس هذا الواقع المتوتر والمتغير.

 

  • ظهور كيانات سياسية مستقلة أو شبه مستقلة نتيجة للتدخلات الخارجية المستمرة.

 

لا شك إن عملية ولادة الشرق الأوسط الجديد وفقاً لمصالح التحالف الأمريكي الصهيوني هي عملية معقدة سوف تستغرق وقتاً ليس قصيراً ولا يمكن التنبؤ بمستقبله. غير أن المنطقة سوف تبقى مضطربة إلى أن يُمنى المشروع الصهيوني وحلفائه بالهزيمة الحتمية.

 

 

[1]Martin Indyk. Is a “New Middle East” Possible? Lowy Institute for International Policy. www.Loweyinstitute.org. Aug. 2006.

 

[2] رؤوفين إرليخ. المتاهة اللبنانية، سياسة الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل تجاه لبنان (1918 – 1958). تعريب محمد بدير. طبعة جديدة 2024.