Menu

بالأبيض والأسود !

هاني حبيب

ما هي القيمة الفنية لأية صورة ثابتة يتم التقاطها عبر الهاتف أو الكاميرات الحديثة، إذ يتم ضبط الإعدادات الكترونياً ولا يتبقى للمصور سوى توجيه العدسة باتجاه الهدف، وأحياناً اختيار الزاوية الأفضل في وجهة نظره، وهل في هذه الحال، تظهر شخصية المصور على الصورة التي التقطها!

أقول ذلك، إثر حديث مع صديق نشر حواراً له على "فيسبوك"، وكانت هناك صورة بالأبيض والأسود من بين تلك الصور، وأخبرتها أنها الأفضل والأجمل من بين الصور الملونة كافة، ودار حديث بيننا إثر ذلك، تلك الصورة تم التقاطها بنفس طريقة التقاط الصور الملونة الأخرى، لكنها الأجمل من وجهة نظري لأسباب لا تعود إلى الجانب التقني، بل ربما مسألة تتعلق بالذوق الفني.

لكن هنا، أحاول أن أشير إلى تجربتي الشخصية إزاء هذه المسألة، فأنا من "رعيل" تعلم التصوير بالأسود والأبيض، بواسطة كاميرا "زينيت" روسية كانت الأفضل في الأيام الغابرة، وبروفسور رومانسي في أكاديمية "شينثان غورغيو" ببوخاريست، المهم في هذا الأمر، أننا تعلمنا كيف تعمل الكاميرا، العدسات، وكيف تعرف إذا كانت الكاميرا مشحونة بالفيلم أم لا، بدون أن تفتحها وتفسد الفيلم.. إلخ.
والأهم من ذلك كله التدريب العملي، كيف يتم اختيار الزاوية، احتساب الضوء والظل، واختيار اللحظة بدون تدخل في "الهدف" والفرق الأساسي بين المصور الصحفي ومصور آخر، كل ذلك ميدانياً بطبيعة الحال، ثم تجارب عملية بين الطلاب والبروفسور في الشوارع والميادين.

وصولاً إلى معمل "التحميض" تبدأ العمليات الفنية، حيث تكتسب الصورة ملامح المصور، كنا ننتظر برنامج الدخول إلى المعمل لتحميض وتظهير الصور، لكن فيما بعض تمكن كل منا من الحصول على معمله الخاص في مكان إقامته، إذ تتوفر لدى الدول الاشتراكية في ذلك الوقت، معامل صغيرة، توضع في شنطة ويتم تركيبها في الغرفة، ومع التزود بالأحماض يمكن إجراء العمليات الفنية على هذا العمل الصغير، وتبين لنا فيما بعد، أن العديد من المواطنين هناك، يمتلكون مثل هذا المعمل في بيوتهم.

أثناء عملية التحميض والتظهير، تظهر شخصية المصور من خلال سلسلة من عمليات بسيطة، إذ بالإمكان تقليل وزيادة نسبة الضوء، التلاعب "بالألوان" المشتقة بين الأبيض والأسود، وإظهار جزء من الصور على حساب جزء آخر، الصورة النهائية في هذه الحال، ما هي إلاّ انعكاس لشخصية المصور الذي التقطها، وليست شخصية الآلة التي صوّرتْها، ولا موضوعها.

في ذلك الزمان، كانت معارض الصور، والمسابقات، لا تمنح الجوائز لموضوع الصورة، ولا   "الصدفة" التي تم من خلالها التقاط الموضوع، بل إلى التقنيات الشخصية لدى المصور.

لقد وفرت التقنيات الحديثة كل الإمكانيات للحصول على صورة هي الأفضل، ولكن مع هذه التقنيات، لم يعد للمصور تلك الأهمية، لغياب دوره الشخصي إلاّ بمقدار محدود، باتت الكاميرا هي التي تمتلك شخصية الصورة، والمصور ما هو إلاّ أداة للضغط على الزر، في معظم الأحيان، لكن كل ذلك لا يقلل من ما تبقى من عناصر احتراف لدى المصور الحديث، كاختيار الكاميرا الأنسب والعدسات الأفضل وزاوية الالتقاط... إلخ !