Menu

غسان كنفاني ناقداً

غرز الدين جازي

نشر في مجلة الهدف العدد (73) (1547)

ساهم النقد الأدبي في بناء وتقديم الفنون الأدبية كافة، وهو جزء لا يتجزأ من الحركة الفكرية، فتشعبت مدارسه ومذاهبه الفكرية والثقافية وتنوعت ، وتندرج رؤية الكنفاني النقدية تحت مفهوم النقد الساخر رغم أن بعض الأدباء النقاد يعتبرون ذلك خارج بنية ومفهوم النقد، إلا أن من الصحيح بمكان أن فن الكتابة الأدبية الساخرة يتطلب موهبة السخرية وبديهيتها، إضافة إلى دقة الصياغة اللغوية والتركيب، وجودة التعبير الواخز الممزوج بفضاء الخيال الرحب .

لم يكن غسان كنفاني الوحيد في ممارسته الإبداع والنقد معاً، لكنه يختلف عن المبدعين الآخرين ممن كتبوا النقد أن نقده كان مغايراً تماماً في أسلوبه وطبيعته، حيث ركّز بأسلوبه الساخر الذي يتميز به على تمييز الجيد من الرديء، والغث من السمين في مادته الأدبية التي يتناولها بالنقد، لكن شهرته كقاص وروائي طغت على كتاباته النقدية، ومما ساهم في ذلك أنه كتب مواده النقدية باسم مستعار على شكل مقالات في الملحق الأسبوعي لصحيفة "الأنوار"، ومجلة "الصياد".

لقد كان غسان كنفاني في مقالاته النقدية جريئاً وساخراً ، ورؤيته النقدية، ومعالجته للمواد الأدبية بطريقته الساخرة تلك، أوجدت له الكثير من المعجبين والقرّاء، مما حدا ببعض الكتّاب أن يرسلوا له كتبهم ليكتب عنها نقداً بذات الطريقة الساخرة،

فقد قدّم رؤيته في الفنون الأدبية عامة، وكانت كتاباته النقدية تدلّ على أنه كان قارئاً نهماً ومتابعاً حثيثاً رغم أعماله الكثيرة أدبياً وسياسياً  كان يتابع الإصدارات الحديثة ويكتب عنها وإن اتخذت تلك الكتابات النقدية أحياناً طابع الصدام والحدّيّة . فكتب كيف يرى الشعر، وانتقد الغموض فيه والسذاجة والتكرار. ونوّه إلى أهمية فن السخرية، وانتقد من سخرية بعض الكُتّاب غير المتقنة، كما لاحظ ندرة المسرحيات، مشيراً بدقة الأديب العارف إلى الفارق بين المسرحيات المكتوبة وبين المسرحيات المُعدّة للتمثيل بلغة نقدية، وهذه ملكة لا يتمتع بها إلا ذوي الخبرة التقنية في مفاصل النقد المسرحي الدقيق والعميق.

كذلك تناول بنقده القصة القصيرة التي يراها بعضهم أدباً وفناً سهلاً، وأوضح أن كتابة القصة القصيرة "عملية مرهقة للغاية، تحتاج إلى موهبة قول الشيء باختصار شديد الإيحاء"، وعاب عليهم اتكاءهم على القضايا الوطنية ليسوّقوا أدبهم، فكان يرى أنه لا يكفي أن تكون نظيفاً وطنياً ليكون كتابك جيداً ، وهو بذلك لامس روح الأدب ووظيفته ورسالته التي وجد من أجلها بعيداً عن السردية والخطابية المباشرة .

كانت لغته في النقد سهلة وبسيطة، يدرج فيها أحياناً ألفاظاً عامية باللغة المحكية تجعلها قريبة من مزاج القارئ، فجعل بذلك النقد والأدب يدخل ذات القارئ بهذه الآلية المحببة من السخرية والوضوح في تناول الأفكار والأعمال الأدبية ولغة الحوار التي كان يوظفها في مقالاته، كما قدّم موقفاً حاسماً من رداءة أدب المقاومة إن اختبأ أو لاذ تحت عباءة النضال الثوري وأغفل الجانب الأدبي التقني والفني، فنراه يدافع بشراسة الناقد عن قصص الأديب الروسي "شولوخوف" التي ظهر فيها تماهي واتمازج الجمال الأدبي والتقني الفني مع ما يحمله من روح ثورية تبرز في نصوصه الأدبية  فيقول عن "شولوخوف" : " أنه ملتزم، منحاز، يبحث عن إشراق الثورة وانتصارها، ويتعاطف مع رجالها دون أن يخون التزامه الفني" .

وفي ذلك قيل عن الكنفاني أنه لم يتخلّ يوماً عن ثقافته الأدبية والجمالية، ولم يتسامح للحظة أمام اشتراطاتها ومتطلباتها، بل وقف موقفاً واضحاً ناقداً لكل النماذج التي اتخذت من الثورية والمقاومة مدخلاً فضفاضاً للتسلّق والشهرة أو لعدم الاكتراث بشروط الإبداع الجميل، وبالتالي كانت وخزاته النقدية الساخرة فسحة من أفق الأدب والفكر اختلط فيه الأدب باللغة الأدبية الساخرة بعيداً عن الأسلوب البحثي الذي نقرأه بين الحين والآخر لدى أدباء المقاومة الجادين .

لقد أسس الكنفاني برؤيته ما أصبح معروفاً بـ "النقد التفاعلي" عندما أتاح للقراء أن يناقشوه ويرسلوا آراءهم إليه فأعاد للنقد أهميته بجعله تفاعلياً بعد أن حشرته الدراسات الأكاديمية والتنظيرية في الدراسات الجامعية والمجلات التخصصية وجعلته فناً نخبوياً للمثقفين تعالى فيه الناقد باستخدامه لغة تحتاج إلى التفسير والشرح وتغرق في المصطلحات النقدية الصعبة والمنقول غالبيتها من النظريات الغربية، الأمر الذي أوقعها في متاهة المعرفة البنيوية السيئة في حركة النقد العربي، فقد ساهم الكنفاني في تأسيس النقد التفاعلي الذي جاء بعده رونان ماكدونالد بسنوات ليتحدث عنه .

كذلك اهتم الكنفاني بالناشر وما يقوم به من عمل ترويجي وتسويقي بتمريره كتباً ليست ذات سوية عالية بكلمات تكشف عدم الوعي الأدبي والثقافي، ووجه له رسالة ليتوخى الدقة والمسؤولية في مهمته .

ورغم أن الكنفاني في مقالاته الساخرة لم يسلم من وخزاته إلا القليل ممن ذكرهم بخير ونالوا استحسانه، إلا أنه يجعل القارئ يكتشف أنه ليس كل كاتب عظيما ويقوده إلى حسن اختيار الكتاب .

الكنفاني مثقف نقدي رائد، وثاقب الرؤية ، ففي "فارس فارس" تظهر قدرته الإبداعية المتميزة في النقد الأدبي الساخر، ومحاولته الجادة في ابتكار نقد أدبي بطريقة ساخرة لتحسين الذائقة الأدبية للقارئ ، فقد كان ينتقد ويسخر بأسلوب ينم عن اطلاع واسع وعميق ومتابعة دؤوبة للتيارات الفكرية والأدبية بمجملها، فهو حين يتحدث عن كتاب "ذيل الأسد" يسمّيه بنقده الساخر أنه من مكتبة "الشتمونولوجيا" أي علم الشتائم كما يحلو له أن يطلق عليه 00 وهذا الكتاب ت قطر صفحاته مسبّات ضد البريطانيين، ويمكن لك أن تضعه في جيبك، فإذا علقت بينك وبين أي إنكليزي تستطيع استلاله واستلال لسانك دفعة واحدة، وهات يا بحث عن شروش العيلة من القرن الخامس الميلادي على الأقل0

وهنا يفكك الكنفاني جملة "دونكان سبايت" حين قال : "إنني أعرف لماذا لا تغرب الشمس عن الامبراطورية البريطانية، إن الله لا يأتمن أي إنكليزي بعد حلول العتمة" ، فيقول عنها الكنفاني : "كم هو صحيح هذا الوصف إذا أخذناه على محمل رمزي، بمعنى أن الظلام هو فرصة اللص للسرقة، أي أن التخلف هو فرصة الاستعماري للنهب" .

لقد أجاد الكنفاني في نقده الساخر واللاذع، فكان في الكثير من مقالاته خفيف الدم، جارح السخرية، بارع النكتة، كاشفاً وفاضحاً ومعرّياً لفقر الدم الأدبي والفكري دون أن يمنعه ذلك من إضاءة الجوانب الأدبية الجمالية في النص، كما يقول الكاتب "محمد دكروب" .

فقد تناول في مقالاته النقدية المذكورة تحليل وتفكيك بنية النصوص الأدبية المختلفة والمتفرقة التي تناولها بالنقد من قصة وشعر ودراسات ومقالات وغيرها ، واستطاع بأسلوبه الساخر أن يضيء الكثير من الإخفاقات الأدبية لدى بعضاً من هؤلاء الأدباء دون أن يغفل الجوانب الإيجابية للنص والإشارة إليها وإلى دلالاتها، ففي استعراضه لكتاب "الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي" للدكتور يوسف خليف، أوضح الكنفاني خشيته في تصفحه للكتاب أن الكاتب سيدرسهم على أساس أنهم لصوص مخلوعون لا يكترثون بالقيم الاجتماعية المعلنة آنذاك، لكن تبين له أن الكاتب قدّم دراسة جادة ذات مستوى علمي وجهد بحوثي نادر مليء بالتحليل الاجتماعي والطبقي الذي وُلد فيه الصعلوك وعاشه، ورفض كل ما ورثناه من أخطاء في فهم ظاهرة "الصعلكة" هذه مؤكداً أن لهذه الحركة ملامحها الثورية المبكرة والرافضة للإنسحاق00

ويقارن هذا بكتاب "الشعراء الفرسان" للكاتب بطرس البستاني الذي يتحدث عن الشعراء الصعاليك، والذي _والقول لغسان-لم يغص فيه الكاتب في ظاهرة "الصعلكة" بعمق الرؤية الاجتماعية والطبقية، وأن كتابه لم يستطع تجاوز حدود الكتب المدرسية أكثر مما هو بحث علمي وعميق معتمداً على ما أسماه "الرصد الخارجي" دون الدخول في تفاصيله، رغم تضمينه الكثير من الأحداث التي وقعت لهؤلاء الصعالكة وضرورة معرفتها من قبل القارئ.

يتجول الكنفاني بحنكة الناقد في ثنايا النصوص يعلن اعتراضه على استخدام مفردات باتت من الزمن الماضي كما في مفردة "عسس" بدلاً من "حرس"، ومفردة "أتزمل بدلاً من " ألبس" كما وردت لدى الكاتب توما الخوري .

وتُرفع له القبعة أيضاً حين يُشير إلى الأخطاء النحوية في متن بعض النصوص مثل إدخال حرف الباء على مفردة "دون" والتي تعتبر خطأً نحوياً صارخاً من غير المفروض أن يقع الكاتب في مطبه.

كل هذا وذاك، يجعلنا الكنفاني بحسه النقدي الساخر والفكاهي نتشرب وخزاته للنصوص والكتّاب معاً، ومقارنتها التي تًثير فينا البسمة وإن اختلفت معه في نقده وحديّة صدامه أو تهكمه واستهزائه .

غسان كنفاني، ثروة وكنز أدبي جدير بالاحتفاء به رمزاً للأديب والمناضل سخّر أدبه لنا بكل شفافية وتنوع، والأهم قدّم حياته ثمناً لمواقفه النضالية ودفاعه عن وطنه وشعبه .