يعود الوجود الفلسطيني في لبنان إلى نكبة العام 1948 وتهجير الفلسطينيين قسراً من ديارهم، بحيث توجه نحو 100 ألف منهم باتجاه لبنان الدولة المجاورة لفلسطين، ويقدر عددهم اليوم وفق بيانات وكالة الأنروا بنحو 450 ألف، ولكن بيانات صدرت عن لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني قالت بعد إحصاء أجرته بشكل مشترك مع دائرة الإحصاء المركزي الفلسطيني إن عدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان يبلغ 175 ألف نسمة.
وفي ظل الأوضاع السياسية والأمنية على مستوى لبنان والمنطقة وتفاقم الحالة المأساوية التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيون في المخيمات، على صعيد الحرمان من الحقوق الإجتماعية والإنسانية والقانونية والمعيشية التي تزداد صعوبة، طرحت مسألة السلاح الفلسطيني في المخيمات، وهو الذي كان مرتبطاً لعقود بـ (إتفاق القاهرة) الذي وقعته منظمة التحرير الفلسطينية مع الدولة اللبنانية في العام 1969، وقد سمح هذا الإتفاق لفصائل الثورة الفلسطينية، بالتنقل داخل الأراضي اللبنانية والتسلح ضمن المخيمات وتولي شؤونها المحلية والأمنية، والكفاح المسلح ضد الإحتلال الإسرائيلي إنطلاقاً من جنوب لبنان.
وفي العام 1987 ألغى لبنان إتفاق القاهرة دون إيجاد بديل له، رغم الضرورة والحاجة المشتركة لتنظيم أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، بما يخدم العلاقات الأخوية بينهم، وذلك عبر سلوك طريق الحقوق والواجبات وهو الطريق الأسهل لتنظيم كل ما يتعلق بالوجود الفلسطيني في لبنان كرزمة واحدة، وليس فقط موضوع السلاح الذي يجري الحديث عنه وسط تحديات معقدة، وضرورة أن يكون للدولة اللبنانية حقها في فرض سيادتها على كامل أراضيها، وهذا الأمر لا يتعارض مع إعطاء الفلسطينيين في لبنان حقوقهم على المستوى الإنساني والإقتصادي والسياسي، بما يضمن حقهم بالنضال من أجل العودة إلى ديارهم في فلسطين.
وطرحت مسألة السلاح الفلسطيني في المخيمات، بشكل حاد منذ زيارة الرئيس محمود عباس إلى لبنان في 21 أيار الماضي، وسط تساؤلات جوهرية حول الأجندات السياسية والدور الخارجي في هذه المسألة التي تستدعي أولاً التوصل إلى موقف وطني موحد يرفض مشاريع التصفية ويحصن المخيمات، خاصة مع الإشارة بأن مسألة السلاح جاءت في توقيت ملتبس، ودون طرح مشروع متكامل إجتماعي، وإنساني، وأمني، وسياسي، يعيد تنظيم الوجود الفلسطيني في لبنان، من خلال حوار يستند إلى تفاهمات أساسها إحتضان المخيمات وليس تفكيكها، وحماية اللاجئين الفلسطينيين وهويتهم الوطنية التي يتمسكون بها لمواجهة كافة مشاريع التوطين والتهجير.
وبعيداً عما حصل من تحديد جداول زمنية لتسليم السلاح، دون تحديد ما هو السلاح وما هي آلية تسليمه، إضافة لعدم وجود تفاهمات فلسطينية مشتركة، تم التأجيل لأسباب تقنية وفق ما أعلن، وكذلك لأسباب تتعلق بأوضاع داخلية في صفوف حركة فتح والتي أدت إلى صدور قرارات وتغييرات طالت عدد من مسؤولي الحركة في الساحة اللبنانية، وفي مقابل ما حصل من التباسات في الساحة الفلسطينية، قدمت فصائل فلسطينية رئيسية، كالجبهة الشعبية وتحالف القوى الفلسطينية إضافة للقوى الإسلامية، إنطلاقاً من ضرورة الوصول إلى تفاهمات لا تتعارض مع السيادة اللبنانية وحقوق اللاجئين، تصوراً دعته فيه إلى إجراء حوار لبنان فلسطيني مشترك، ذات طابع سياسي بين لجنة رسمية لبنانية وهيئة العمل الفلسطيني المشترك التي تجسد الموقف الفلسطيني الموحد، وذلك من أجل العمل على إقرار ومنح اللاجئين الفلسطينيين في لبنان الحقوق الإنسانية، والتمسك بوكالة الأنروا كشاهد على حق العودة وقضية اللاجئين، ودعم بقائها واستمرار عملها، وتأخذ رؤية هذه الفصائل بعين الإعتبار، عودة الحديث عن السلاح الفلسطيني في المخيمات، باعتباره من أكثر الملفات حساسية والحديث في شأنه، لا يزال محفوفاً بالكثير من التحديات الأمنية والسياسية.
وإضافة لهذه الرؤية حول تنظيم وضبط السلاح في المخيمات، يوجد لدى الناس أيضاً رؤية تعتبر فيها السلاح المرتبط بالوعي والفكرة، هو روح مقاومة متجذرة وهوية راسخة وإرث نضالي مستمر، ومرتبط أيضاً بالأمل والقدرة على الصمود، وذلك بعد أن جربوا التخلي عن السلاح بعد الإجتياح الإسرائيلي عام 1982، ومغادرة مقاتلي الثورة الفلسطينية لبيروت مقابل تعهد (إسرائيل) بعدم الإعتداء على المدنين، وعدم المس بمخيمات اللاجئين، وذلك بضمانة أمريكية مباشرة عبر الوسيط الأميركي في ذلك الوقت فيليب حبيب، ورغم ذلك ارتكبت القوات الإسرائيلية وعملائها، أبشع مجزرة في التاريخ وهي مجزرة صبرا وشاتيلا، كما اجتاحت قوات الإحتلال مدينة بيروت بشطريها الشرقي والغربي وفعلت ما فعلت قبل أن يعاود اللبنانيون إستئناف المقاومة.
وليس بعيداً عما حدث في لبنان في العام 1982 فإن (إسرائيل) تخرق اتفاق وقف إطلاق النار المبرم مع لبنان يومياً على الرغم من عدم تعرضها لأية هجمات منذ شهور عديدة، كما أن القوات الإسرانيلية تستبيح سوريا أرضاً وجواً منذ بداية الحرب على غزة وحتى الآن، وخلافاً لاتفاق الهدنة المبرم سنة 1974، وذلك دون أن يكون ثمة هجمات مصدرها سوريا، بل لا يوجد أصلاً فى سوريا أي سلاح للمقاومة ولا أية فصائل تنشط هناك. وفي الضفة الغربية ثمة مثال أكثر وضوحاً إذ تستبيح القوات الإسرائيلية أراضي الضفة منذ العام 2002 عندما حاصرت مقر المقاطعة وظل الرئيس ياسر عرفات بداخله حتى استشهد إغتيالاً بالسم الإسرائيلي، والحال ذاته حتى اليوم في الضفة، إذ ليس فيها صواريخ ولا هجمات ولا ما يهدد الإسرانيليين ومع ذلك فإن العمليات العسكرية هناك مستمرة منذ عدة شهور.
الشواهد التاريخية كثيرة في هذا المجال ويعتقد الكثيرون من الناس غير المطمئنين لدعوات سحب السلاح أنه في اللجظة التي ستسلم فيها السلاح فإن مشهد بيروت في أواخر العام 1982 قد يتكرر مرة أخرى.

