Menu

الحداثة في فكر فرنسيس مراش

د. سامي الشيخ محمد

فرنسيس مراش

نشر في مجلة الهدف العدد (73) (1547)

من هو فرنسيس مراش ؟

مفكّرٌ اجتماعيٌّ وسياسيٌّ ولدَ في حلب ، سنة 1836 م، من أصلٍ نبيل، درس الطّبّ في فرنسا ، فقد بصرهُ في سنّ صغير، لم يحُل تشاؤمه دون إيمانهِ بالانتصار النّهائي للعدالة والحريّة والمساواة الاجتماعيّة، وانتصار العقل . في كتابهِ (غابة الحقّ) الصّادر في بيروت سنة 1866 م، يُروّج لأفكار المنوّرين الفرنسيّين و بشكلٍ خاص روسّو، ويدعو للمحبة الشّاملة، وفي كتابه ( مشهد الأحوال ) يظهر اعتناقه (نظريّة النّور الطّبيعيّة) الّتي نجم عنها اتّهامه بالتّجديف على الكتاب المقدّس والخروج عليه، أبرز مقالاته : ( شهادة الطّبيعة في وجود الله والشّريعة، حلب 1861 م )، ( رحلة باريس بيروت 1867 م ) ، ( العرب والإفرنج، في مطلع السّبعينات ) ، ( سياحة العقل ، مجلّة الجنان 15نيسان 1871م )، أهمّ الصّحف الّتي كتب فيها : "الجنان "، " النّحلة " و" الجوائب"، توفّي في السّابعة والثّلاثين من عمره سنة 1873م . ( للمزيد أنظر، ز.ل .ليفين، الفكر الاجتماعي والسّياسي الحديث في لبنان وسوريا و مصر ، ترجمة بشير السّباعي ، دار ابن خلدون، بيروت ،1978 ، ص66. و باروت ، جمال ، حركة التّنوير العربيّة في القرن التّاسع عشر ، وزارة الثّقافة ، دمشق ، 1994، ص 63_ ص102 ).

بلا شكّ يُعدُّ فرنسيس أفندي فتح الله مراش أحد أهمّ أقطاب التّنوير والحداثة في الفكر العربيّ الحديث دون منازع . فالقضايا والموضوعات الّتي تمحورَ فكرهُ حولها لا تزال تحتفظ بحضورٍ قويٍّ في الحياة الفكريّة والسّياسيّة العربيّة في أيّامنا هذه . حتّى يخال المرء أنَّ فرنسيس مراش ليس ابن القرن التّاسع عشر بل ابن لحظتنا التّاريخيّة الرّاهنةِ بكلّ ما تحمله الكلمةُ من معنى ، فرغم رحيله عنّا قبل مائة وإحدى وثلاثين سنة . لا تزال الدّعوة للمُعاصرة والحداثة، والانفتاح على المدنيّة والثّقافة العالميّة، والتّغيير، والحرّيّة، والدّيمقراطيّة، والمواطنة، والمساواة، والدّولة الدّستوريّة المجتمعيّة، وسيادة القانون، أبرز ما يستحوذ على اهتمام المفكّرين العرب اليوم، ولا غرو أن تتطابق رؤى وأفكار كِبار المفكّرين العرب في زماننا مع رؤية مراش في العصر الحديث، طالما أنَّ المجتمع العربيّ لم يُفلِح في تجاوز وحلّ المشكلات الأساسيّة الّتي يُكابِدُها منذ عدّةِ قرون إلى يومنا هذا .

اللاّفتُ أنَّ يجهرَ فرنسيس مراش بآرائِهِ التّنويريّة الحداثيّة في ظلّ سيطرةٍ عثمانيّةٍ مستبدّة على الوطن العربيّ، في وقتٍ لا يجرؤ قسمٌ كبيرٌ من مُفكّري هذهِ الأيّام أن يجهر بآراءٍ مُماثلة في مُعظَم البلدان العربيّة خشية إغضاب السّلطات الحاكمة فيها . فالدّعوةُ للحداثة، والحريّة والدّيمقراطيّة والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان، وسيادة القانون وبناء الدّولة المجتمعيّة دولة المؤسّسات، لا تزال ثقيلةَ الوطء على مسمع النّظام السّياسيّ في كثيرٍ من الأقطار العربيّة .

جدل الأصالة والحداثة والتّغيير :

لم ينكر فرنسيس فتح الله مراش العودة للماضي بقصد الإفادة من لحظات التّقدّم والرّقيّ الأخلاقيّ الفارقة فيه . لكنَّ العودة للماضي ليست عودةً أبديّةً تحول دون اتّصالنا بالحاضر والمنجزات الحضاريّة فيه، فالمنجزات الحضاريّة المعاصرة خيرٌ من المنجزات الغابرة، وليس صحيحاً أنَّ خير الأزمنة هي الأزمنة الماضية وأنَّ ما تحقّق في الماضي أفضل ممّا تحقّقه البشريّة في الحاضر، فالتّهذيب على مرّ العصور والقرون كان مقتصراً على عددٍ محدودٍ من الأفراد، تهذيبٌ لم يُسهمُ عامّةُ النّاس في إنتاجهِ أو الانتفاع منهُ، تهذيبُ نخبةٍ وحسب، أمّا التّهذيب الّذي أحرزهُ القرن التّاسع عشر بلغ حدّاّ لافتاً من الرّقيّ والكمال بفعل المنجزات المدنيّة الحضاريّة المتحقّقة فيه، وبشكلٍ خاص تقدّم الثّقافة والمعارف والعلوم الإنسانيّة على نطاقٍ واسع بين النّاس بفعل كثرة انتشار الجرائد وتداولها والاطّلاع على الموضوعات والأخبار الّتي تنطوي عليها، والّتي بات اقتناؤها أمراً يسير المنال بين عامّة النّاس وخاصّتِهِم . لقد أيقن فرنسيس فتح الله مراش ضرورة أهميّة التّواصل الثّقافيّ بين الأمم ومعرفة أحوالِها، ومقدار التّقدّم الّذي تحقّق في القرن الّذي ينحدر منه، بحيث تجاوز كلّ ما أحرزته القرون الماضية، فخير الأزمنة والقرون هو الزّمان الّذي ينتسب إليه ـ (القرن التّاسع عشر) ـ. وهو بهذا يُجسّد الوعي الحداثيّ والانفتاح على الثّقافة العالميّة بأوضح معانيهِ وأبهى صوره : " قوموا بنا يا معشر بني العرب إلى امتطاء جواد التّاريخ فيهبّ إلى ميادين الإعصار والقرون الغابرة . وينتهي بنا إلى أقاصي قدمية الزّمان . حتّى إذا ما سلكنا كلّ عصرٍ غابرٍ وقطعنا كلَّ جيلٍ دابرٍ يُمكننا حينئذٍ أن نعرف مقدار كلّ تهذيبٍ مضى مع زمانهِ وما هي نسبتهُ إلى مقدار تهذيب عصرنا هذا ومن ثمَّ فلا نلبث أن نحكم بعد البحث الدّقيق بأنَّ نسبة كلّ تلك الأزمان إلى زماننا الحاضر هي كنسبة سائر الحيوانات إلى الإنسان . .. هذا وإنّنا نرى أنَّ تهذيب كلّ قرنٍ كان مقتصراً على الأفراد ومعدوماً على العموم . فإلى أيّ الأسباب ننسب شدّة فروق التّهذيب وشيوعه بين العموم في هذا الزّمان الّذي نحن فيه … لا ننكر على المطابع فضلها بكونها سبباً أصليّاً للسّبب الّذي عليه المعوَّل وهو نشر الجرائد على العموم . فلا ريب أنَّ هذا هو السّبب الوحيد الّذي رفعَ هذا القرن إلى شأو كمال التّهذيب، ولا نقول أنّ الجرائد لم تكن معروفةً قبل هذا القرن . ولكنّنا نقول إنّها لم تأخذ تمام الشّيوع والانتشار إلاَّ فيه . .. فهلمّوا يا بني الوطن إلى مشتري هذهِ الجرائد الّتي تمدّكم بفنون الأدب والتّهذيب وتهديكم روح العلم والمعرفة بأحوال أرضكم وبلادِكُم وتجارتِكُم وكلِّ أعمالِكُم وأشغالِكُم واعلموا أنَّ مشتري صحف الأخبار هو واجبٌ على كلّ إنسان لهُ تعلّقٌ بعالمهِ وحبٌّ لمعالمهِ … من الواجب على كلّ ذي بصيرةٍ أن يتنوّر بقراءَتها ويحيا بتلاوتها . وإلاَّ فيكون مثلهُ مثل خلدٍ لا يرى شيئاً تحت السّماء . أو ميّت لا يشعر بشيء ." ( مراش، فرنسيس،(الجنان)، المجلّد الأوّل، السّنة الأولى، الجزء الخامس، 11 آذار 1871 ص 157- 159) و باروت، جمال، حركة التّنوير العربيّة في القرن التّاسع عشر، وزارة الثّقافة ، دمشق، 1994، ص 177،178، 179( .

الحريّة المقيّدة :

الحريّة الّتي يؤمن بها فرنسيس مراش ويدعو إلى وجودها في المجتمع، هي الحريّة الّتي تخضع لقوانين متمدّنة متقدّمة، حريّةٌ أخلاقيّةٌ ملتزمةٌ واعيةٌ رشيدةٌ، تصونُ حريّة الآخر، فتنظرُ إليهِ وتتعامل معه، نظرتها لذاتها وتعامُلِها مع نفسها، غير منفلتة، مقيّدة بقيود نافعة فحسب، أمّا كلّ قيدٍ غير ضروريّ حولها ينبغي كسره وإزالتهُ بالكامل، إنَّ القول بالحريّة المُقيّدة لا يعني الانتقاص من قيمتها، فطالما يعيش الإنسان في اجتماعٍ إنسانيٍّ مدنيٍّ، في ظلّ دولةٍ متمدّنةٍ دستوريّة تخضع لسيادة قوانين متقدّمة ترعى مصالح الأفراد والمجتمع وتصونها، يتعيّن عليهِ احترام أفراد هذا الاجتماع وعدم النّيل منهم ومن حريّاتِهِم بذريعة أنّهُ حرّ، فهذا النّوع من الحريّة غير مشروعٍ من النّاحية الواقعيّة العمليّة، والاجتماعية الأخلاقيّة، من هنا فإنَّ تخلّي المرء عن جزءٍ من حرّيّتهِ لصالح الآخرين لا يعني أيّ نقصٍ في حريّته الّتي يستحقّها، فبمقدار الجزء الّذي يتخلّى عنهُ لصالح الآخرين، يكسبُ جزءاً مساوياً يتخلىّ الآخرون عنه لمصلحته شخصيّاً . وبهذا يكون قيد الحريّة مستمدّاً من صميم الحريّة ذاتها " الحريّة المقيّدة بالحريّة " : " لقد توصّلنا إلى استنتاج أنَّ الحريّة غير المقيّدة شيء لا يمكن بلوغه، وأنَّ كلَّ شيء في حالة تفاعل ، إنّما يُقيّد بعضه البعض الآخر في آنٍ واحد . إلاَّ أنّهُ عندما لا يترتّبُ على قيدٍ كهذا أيّ نفع، أو عندما يُعرقل إقامة ووجود نظام سليم، فهو لا يكون غير ضروريّ وحسب ، وإنّما لابدّ من إزالتهِ … والفكرة القائلة بالعيش على انفراد، والتّمتّع بحريّة مطلقة وغير مقيّدة ، هي فكرةٌ غير طبيعيّة . ولا يمكن تحقيقها، إن لم تعتبر في حالات منفردة استثناءً لا قاعدة . وعلى العكس من ذلك، فعندما يخضع الإنسان لقوانين دولة متمدّنة ومتقدّمة، فإنَّ خضوعه لا يكون تخلّياً عن الحريّة بل إثباتاً للحرّيّة "(الفكر الاجتماعي والسّياسي الحديث في لبنان وسوريا ومصر، ص66 .(

المساواة القانونيّة:

النّاس مُتساوون في الحقوق والواجبات، من النّاحيتين السّياسيّة والقانونيّة، بغضّ النّظر عن المنبت الاجتماعي الاقتصاديّ لأيٍّ منهم، الأثرياء والفقراء ينبغي أن يحظوا بالمساواة الكاملة في التّرشّح والانتخاب، فإنَّ الأثرياء رغم ثرائِهِم يُشَكّلون الجزء الأصغر من أفراد الشّعب، ولا يستطيع هذا الجزء الانفراد في قيادة الدّولة وتوفير القوة والمنعة لها بذاته، أمّا الجزء الأكبر من الشّعب فهم الفقراء الّذين بهم تستقيم الحياة وتتشكّل الدّولة القادرة على الاضطّلاع بعمليّة النّهوض والتّقدّم، الفقراء هم المزارعون والصّناع والعُمّار والمبدعون والموظّفون والجنود الّذين يذودون عن حمى الوطن والدّولة بمُهَجِهِم ودمائِهِم وأرواحِهِم ، فيصونون ثراهُ وحماه . نعم يتعيّن على الأثرياء عدم الاستهانة بأفراد الشّعب من الفقراء، لأنّه فضلاً عمّا قيل فيهِم وفي الدّور الّذي يضطّلعون به في بناء البلاد ورفعتها، فإنَّ قسماً كبيراً من الثّروة الّتي يحوزُها الأغنياء هم السّبب الرّئيس في الانتهاء إليها .

" لماذا يتمتّع بحقّ التّصويت في المجالس السّياسيّة الأغنياء وحدهم، أمّا بقيّة النّاس، الّذين يُشكّلون الجزء الأكبر والأهمّ من الشّعب فيحرمون منه، مع أنّهُ عليهم بالتّحديد يتوقّف جبروت الدّولة وقوّة الملك، ومن خلالِهِم يمرّ محور السّياسة كلّها ؟ " .

( المرجع نفسه ، ص 67 (.

دولة المواطنة :

رغم أنَّ وعي فرنسيس مراش نتاج القرن التّاسع عشر، إلاَّ أنّهُ يُمثِّلُ لحظةً فارقة في منظومةِ الوعي السّائد في تلك الفترة، لحظةً اتّسمت بالفرادة والتميّز بالمعنى الدّقيق للكلمة، إذ جعل من المواطنة مبدأً أساسيّاً لقيام الدّولة، فالوطن للجميع بغضّ النّظر عن المنبت الاجتماعيّ والاختلاف والتّنوع بين أفراده دون استثناء، فالعدالة والمساواة بين أبناء الوطن الواحد في ظلّ سيادة القانون، من أهمّ الرّوابط الّتي تحقّق وحدة المجتمع وقوّتهِ ومَنَعَتِهِ . فأكثر الأشياء أهميّة في سياسية الدّولة _ من وجهة نظر فرنسيس فتح الله مراش يكمن في " سريان قوانين (الدّولة) بدرجةٍ واحدة على كلّ المواطنين دون أدنى تفرقة بينهم، ودون اعتبارٍ للفارق في الوضع … وينبغي التّعامل مع الجميع بشكلٍ متكافئ، حتّى لا يُنتهك نظام القانون .

وإذا كان الزّعماء الميسورون قوّة موحّدة، فالصّغار والفقراء موجّهون لهذه القوّة … إذ لولا الإنسان الصّغير لما كان بوسع الكبير أن يفعل أيّ شيء . ولولا كدح الفقراء، لما تمتّع الأغنياء بالخيرات، ولما صان أحد ثرواتهم، ولما شيّد لهم أحد قصوراً مشيّدة …" . ( المرجع نفسه ، ص 67( .

مهمّة النّظام السّياس :

تتحدّدُ مهمّة النّظام السّياسيّ عند مراش في الوقوف على مصالح المواطنين والسّهر على مصالِحِهِم، بمقتضى العقد الّذي أبرمهُ مع الهيئة الاجتماعيّة المنتجة له، وأيّ محاولةٍ من جانب النّظام السّياسيّ تنتهي بالنّيل من مصالح المجتمع وعدم الالتفات إليها، ينزعُ الشّرعيّة القانونيّة عنه، ويلغي العقد الاجتماعي بينه وبين المجتمع " إنَّ أهمّ دواعي السّياسية وأعظم بواعثها هو النّظر الدّائم إلى الصّالح العام وتواصل السّهر عليه، بحيث مهما أتقنت السّياسة نظامها وأحكمتهُ ولم تلتفت إلى هذا الصّالح أو تغافلت عنه فلا تعتبر إلاّ كمساعد على نثر عقد الهيئة الاجتماعيّة الّذي لا يمكن دوامه منظوماً ما لم تكن الملاحظة السّياسيّة عاصمة له، إذ أنَّ إهمال ما يُسبّب العمار هو تسبيب لوقوع الخراب، وهذه الملاحظة تنحصر جميعها في توقيع ما يؤول نفعهُ إلى العامّة إجمالاً وأفراداً ودفع ما يفضي إلى الضّرر . وذلك يستريح على خمسة أركان، وهي تمهيد سبل العلوم وتسهيل طرائق التّجارة وتقوية وسائط الصّنائع والأشغال ومساعدة الزّراعة والفلاحة وقطع أسباب التّعدّي ."

) خوري ، رئيف ، الفكر العربي الحديث ، تحقيق وتقديم محمد كامل الخطيب، الطّبعة الثّالثة، منشورات وزارة الثّقافة، دمشق،1993،ص 188(.

أخيراً تجدر الإشارةُ إلى أنَّ فرنسيس مراش يكاد يكون أوّل منوّر عربي يصوغ نظريّة ( العقد الاجتماعي )، و( الحقّ الطّبيعيّ ) على نحوٍ مترابط، يخلو الأدب التّنويري العربيّ في القرن التّاسع عشر من مثلها ، حسب رأي البعض من دارسي حركة التّنوير العربيّة في القرن التّاسع عشر .( أنظر، حركة التّنوير العربيّة في القرن التّاسع عشر ( .