يصعب رصد ومتابعة علاقة كاتب بكاتب, ومخرج وكاتب بكاتب آخر, كما في حياة المخرج والكاتب السوري حاتم علي من خلال ما كتبه في رسائله إلى حبيبته وزوجته دلع الرحبي المنشورة في كتاب( من حاتم علي إلى دلع الرحبي), الصادر عن دار كنعان في العام الجاري بدمشق, حيث يعج برسائل الحب الكثيرة والكبيرة إلى دلع الرحبي من أماكن متعددة في العالم من( دمشق, حلب, طرطوس, دريكيش, من أفنيون في فرنسا, وباريس).
لا يتوقف حاتم علي من كتابة رسائله من أي بقعة يتواجد فيها مؤكداً حبه لدلع الرحبي في أسوء ظروف مر بها, وفي أحسنها, وكل رسائله المنشورة هي قبل الزواج وتكوين العائلة, لكن السيدة دلع لم تنشر أية رسائله بعد زواجهما وإنجاب الأولاد, وهذا يستدعي التساؤل، هل توقف حاتم عن الكتابة لها ما بعد الزواج, وانتقاله في حياته المهنية من صيغة المخرج المسرحي والكاتب القصصي والدرامي خصيصاً أن تعاونهما الدرامي ظهر في العديد من الأعمال الدرامية والمسرحية التي أخرجها حاتم علي ومنها" مسرحية مات ثلاث مرات في العام1996", و(مسرحية أهل الهوى في العام2007, مشروع تخرج طلاب السنة الرابعة في المعهد العالي للفنون المسرحية). وفي المسلسلات التلفزيونية حيث كتبت دلع عدد من لوحات مرايا في العام1997, و1998, والفصول الأربعة في العام1999, والجزء الثاني في العام2001, وعصي الدمع في العام2005.
في هذه المتابعة والرصد نسلط الضوء على علاقة حاتم علي بالمبدع غسان كنفاني ، وهمه الفلسطيني من خلال رسائله لدلع الرحبي.
غسان كنفاني وحاتم علي:
تبدأ الحكاية من عملية إصدار كتاب باسمه, فسيكون هذا لك( دلع الرحبي) دليلاً على حبي وهدية متواضعة لامرأة حياتي, حتى الآن لم أجد الإهداء ولا الكلمات المناسبة التي أزف فيها أوراقي إليك, لغاليتي الطاهرة, ويسجل أنه أعجب من بين كل الاهداءات التي تتقدم الكتب إلى قرائها باثنين فقط أجدهما يلحان علي ويفرضان نفسيهما, الأول لغابرييل غارسيا ماركيز يهدي كتابه لزوجته فيقول: إليها طبعاً.
والإهداء الآخر لغسان كنفاني, يقول: إلى العزيزة فائزة( ويقصد شقيقته) ثم يتابع، إذا كان في القصص ما يستحق أن يهدى إلى العزيزة فائزة.
وهذا الإهداء( كما أرجو أن تلاحظي) يهزني, قد يبدوا لك بسيطاً وربما عادياً, لكنه في الحقيقة يحزنني, نعم, يبعث في نفسي شعوراً بالحزن لا أدري مصدره, هل هو موسيقا الجملة, أم أنه كلمة العزيزة؟.
وهي كلمة تبدو لي هنا في هذا المقام, وعلى لسان عبقري القصة وشهيدها, حقيقة, كما لا يمكن لأي كلام أن يكون حقيقياً مثلها, أم هو أسم فائزة؟ ولا أعتقد أن للاسم علاقة بشقيقتي, بل( ربما) لأن الاسم فلسطيني, وكذلك التركيب كله( والذي يمس شغاف قلبي ربما بتقارب المنشأ أو الجو), لا أدري, ليس ذلك هو السبب وحده, ولن ينتقص من إعجابي أنني لا أدري سببه, أنه شيء غامض قد أكتشفه يوماً.. والأهم ما يلي ذلك:
فأنا وإن كنت أرغب في أن أقول :" إليك- طبعاً" فإنني أود أن أستدرك لأقول: إذا كان في القصص ما يستحق أن يهدى إلى" الغالية" دلع.
والمحطة الثانية التي يقف فيها حاتم علي في رسائله لدلع حين يقول لها عن غسان, وهي في الولايات المتحدة الأمريكية أنه( لا شيء جديد..سوى أنني أنهيت النص المسرحي الذي كان من المفروض أن أكتبه عن رجال تحت الشمس لغسان كنفاني, وأنا راض عن النتيجة كثيراً. لقد أنهيته صباح البارحة وكنت قد بدأت به رحيلك, ولاشيء آخر عدا ذلك.
وفي رسالة أخرى يحدثها عن القصص التي سوف يكتبها, وقصة رابعة عن رقيب على الحدود في ليلة عاصفة تتجسد أمامه شخصيات من قصة غسان كنفاني, ولكنها مختلفة من حيث أهدافها( نتيجة لاختلاف الظرف الآن) ومعاناته الفظيعة أمام هذه الشخصيات, حيث هو مسؤول أمام القانون من جهة وأمام وجهة نظره الشخصية من جهة أخرى, وضائع بين الوهم الذي تجسد له بعد قراءة الرواية وبين الحقيقة التي يلمسها الآن وجهاً لوجه والمتمثلة في أن هذه الشخصيات هي حقيقة فعلاً وقد قامت من نومها أو نومها الأبدي, والشكل الفني يترك المجال واسعاً أمام هذا الالتباس الفلسفي.
وهذه محطة جديدة في رسائله مع غسان كنفاني حين تخبره دلع أنها قرأت أرض البرتقال الحزين, فيدخل في نقاش معها حول قصص غسان ورواية من قتل ليلى الحايك, فيقول:" هل قرأت أرض البرتقال الحزين إذن؟ هل أن رسالتك التي تحمل ذلك الخبر قد جاءت صباح الليلة التي انتهيت فيها من قراءة المجموعة نفسها؟!.
في تلك الليلة قرأت بالإضافة إليها رواية من قتل ليلى الحايك ومجموعة أخرى بعنوان القميص المسروق. طبعاً أضعف واحدة هي أرض البرتقال الحزين, أقصد: هل إذا قلت لك بأن هذا الغسان كنفاني شيء عظيم ستوافقينني؟!
أنا هذه الأيام مأخوذ به, أنه عبقري, قرأت له قصصاً متقدمة بفنيتها, قصصاً لا يضاهيها القص الحديث بكل تجديداته, يقيناً كان غسان كنفاني أول مجدد في هذا الفن وأول هادم لقواعده وأحذق بان أيضاً, لا أريد أن أستطرد فهذه ليست مقالة, ولكنني أحب فقط أن أشرح شيئاً أحس به ولو كنت معي لقلته.
لقد قرأت من قتل ليلى الحايك أو الشيء الأخر والتي يعتبرها النقاد شذوذاً عن أدبه, وشطحة لا تؤخذ على محمل الجد كثيراً وارتباكاً في نظرته للحياة, هذه الرواية- باعتبار- من أفضل ما قرأت رواية عن محام يجد نفسه متهماً بقضية قتل موكلته والتي هي عشيقته وصديقة زوجته, وحين يقبض عليه يصمت صمتاً أبدياً, فهو يكتشف أن هناك شيئاً آخر خارجاً عن إرادتناً, شيئاً يسمى الصدفة, يسمى عدم المعرفة المجهول أو الأمكان والضرورة, فيزداد إحساسه بالعبث حتى يمضي إلى حبل المشنقة دون أن يقول في حق نفسه( وهو المحامي الناجح المشهور) كلمة دفاع واحدة!
رواية لا حد لقيمتها ولا تضاهيها رواية في متانة بنائها وتشويقها, ويقيناً لو وجد ناقد منصف لكانت هذه الرواية واحدة من تلك الروايات العظيمة في تاريخ الأدب تلك التي تطرح أسئلة إنسانية كبرى, كألبير كامي وكافكا ودستويفسكي ولورنس.
ويخبرها في رسالة أخرى أنه يقرأ يوميات غسان كنفاني, وأنه سوف يأخذ نصوص المسرحيات الثلاث: الحصار/ الخروج من سم الإبرة( وهذا العنوان مأخوذ عن غسان كنفاني)/ ومجنون يحكي وعاقل يسمع/ حيث سيكون العنوان العام هو: الحصار- ثلاث مسرحيات فلسطينية- كي أخذها إلى وزارة الأعلام، واتحاد الكتاب العرب.
الهم الفلسطيني في الرسائل:
المحطة الأولى في الهم الفلسطيني هي" لقد أنهيت مسرحية زيناتي (قدسية) نهائياً وسوف نبدأ العمل بها قريباً, ولدي مشروع وضعها مع مسرحية الحصار القديمة وبعثها إلى ليبيا , فالمسرحيتان تتحدثان عن الموضوع نفسه وبالأسلوب نفسه ( الحصار والانتقام)، وأعتقد أن إصدارهما في هذا الوقت (في العام1988) أمر هام ومساهمة جيدة تبعث على الاعتزاز, وسيكون الظرف ملائماً لقبول الليبيين لها".
وفي رسالة جديدة يقول لها:" تعبت يدي من الكتابة خاصة وأنني قبل أن أخط لك الرسالة كنت أبيض المسرحية( التي كتبناها حديثاً أنا وزيناتي ولم نسميها بعد)، لكي يتم تصويرها غداً, وقد تأخرت في الموعد يوماً ولم أنهها بعد، وأظن أنني لن استطيع حتى الغد.
في الرسائل القادمة سأبعث لك مقالين عن مسرحية( سكان الكهف) الأول في مجلة الهدف، والثاني في مجلة الحرية في عدد لم يدخل البلد".
ويفرد سطوراً من رسالة عن قراءة رواية الفلسطيني للكاتب حسن سامي يوسف، " لقد قرأت رواية غنية جداً وشيقة وتستدعي النقاش وعلى الأخص طبعاً فكرياً, مثل(حنا ك) أي أنها تثير الالتباس على أكثر من صعيد, فما بالك الصعيد الفلسطيني نفسه الملتبس منذ البداية؟.
أما الشكل الفني فيها فهو عادي ومستفيد( مثله مثل الكثيرين) من جبرا وعبد الرحمن منيف, فهو يقسمها لثلاثة فصول, الأول من وجهة نظره يتحدث عن ذلك البطل الفلسطيني, الفصل الثاني رسالة من زوجة الفلسطيني للمؤلف, الثالث من وجهة نظر الشخصية الرئيسية نفسها.
وعندي فيلم (عرس الجليل) وهو أيضاً فيلم روائي فلسطيني من إنتاج وتمثيل الفلسطينيين في الداخل( في فلسطين) ومن إخراج ميشيل خليفي, لم أشاهد حتى الآن وانتظر وقت فراغ, وقد حكوا لي عنه كثيراً فهو أيضاً يثير الالتباس والنقاش, أي أنه عموماً لا بد من مشاهدته خاصة وأنه أول فيلم روائي يستطيع الفلسطينيون صنعه في الأرض المحتلة.
ويكتب إليها في رسالة/11/7/1988, أنه سيبدأ في إعداد تمثيليات إذاعية من قصص فلسطينية قصص مباشرة عن البندقية والنضال, لكي تذاع إلى الأرض المحتلة من إذاعة القدس , وهذا مشروع جديد سيقدمه زيناتي( كصوت رئيسي- راوي)، ويمثله ممثلون( حسب حاجة كل حلقة).
ويؤكد أنه سيبدأ بجمع المراجع والمجموعات القصصية الفلسطينية- البرنامج دعائي مباشر طبعاً, بالأصح- حماسي- ففي هكذا ظرف حيث القتال مستمر هناك والبيانات تتالى لا مجال لعمل أدبي.
ويشرح لها ما جرى" البارحة ذهبنا إلى الإذاعة بناءً على موعد سبق أنا وزيناتي, قدمنا تصوراتنا وقدموا تصوراتهم, وتم الاتفاق على إعداد وعمل وتنفيذ مسلسلة إذاعية كل حلقة نصف ساعة يعاد إذاعتها 3مرات بالأسبوع وباللهجة المحكية الفلسطينية, وتتحدث عن المباشر والآني مستخدمه الوثيقة والتمثيل والغناء التراثي, إنه عمل وطني سياسي مباشر فيه دعاية وحماسة كبيرة, وهذا من خصائص المرحلة. وسافر زيناتي إلى الأردن( للمشاركة في مهرجان جرش), وخلال ذلك سأمر أنا غداً( الخميس) على الإذاعة لآخذ وثائق الانتفاضة( السرية والعلنية- الفلسطينية المصدر والأجنبيه)، لكي أستخلص منها بعض الحوادث ذات السمة الدرامية لكي تتحول إلى تمثيليات, والمشروع قد بدأ.
خاتمة:
تساءل كثيرون كيف حقق مسلسل" التغربة الفلسطينية" للكاتب الفلسطيني وليد سيف وإخراج حاتم علي هذا الحضور الجماهيري المنقطع النظير؟!.
يأتي جزءاً من الجواب في رسائل حاتم إلى دلع الرحبي, فالمخرج والكاتب حاتم علي ابن القضية الفلسطينية مع انتمائه( السوري-الجولاني), فحياته الأولى كانت في مخيم اليرموك والحجر الأسود, وتشكل وعيه الحياتي والسياسي على القضية الفلسطينية والمخيم, والجولان ومن خلال ما ذكره في الرسائل في وصف المبدع غسان كنفاني" عبقري القصة", ندرك أنه فصفص قصص غسان كنفاني وكتاباته, وإعجابه الشديد في رواية من قتل ليلى الحايك, أو الشيء الآخر" وبنائها الفني, وآلية تفكير غسان كنفاني في عدم الدفاع عن ذات الشخصية الرئيسية رغم نجاحها في الدفاع عن موكليه, وعدم التقدم للدفاع عن ذاته.
ولا يتوقف اهتمام الراحل حاتم علي بالقضية الفلسطينية فقط بالمبدع غسان كنفاني, إنما اهتمامه برواية الفلسطيني للكاتب الروائي والدرامي حسن سامي يوسف. وكتابة سلسلة إذاعية بمناسبة الانتفاضة الفلسطينية في العام 1987و1988, لإذاعة القدس في دمشق, ونصا مسرحيتيه التي جاءت بعنوان نصوص الحصار.
أخيراً أن إبداعه البصري في الإخراج الدرامي هذا لا جدال فيه, ويأتي كتاب أدب الرسائل وما نشره في القصة القصيرة, وكتابة مسلسل القلاع من إخراج مأمون البني, ومسلسله الإذاعي ليؤكد على جانب أخر من حياة حاتم علي الإبداعي, وتوظيف كل معارفه في خدمة الإبداع الدرامي والكتابي, وتركيز جزء مهم منه على القضية الفلسطينية فنياً.

