Menu

ريشة فنان تخرق جدار الصمت 

غسان أبو نجم

الهدف الإخبارية

 

إنها ريشة مروان عبد العال حارس السردية الفلسطينية تحطم جدار الصمت، وتوجع ضمائر المتخاذلين الذين يقتلون شعب غزة وعموم فلسطين بصمتهم.

لم ألمس يوما مدى التقارب بين سحر الرواية وألق الريشة ، مثلما شهدتها في لوحات معلقه، وكأنه اراد ان يقول لنا ان هذه اللوحات هي تعبير مكثف وعصارة وعي لتجربة مريرة عاشها الشّعب الفلسطيني عامة والفنان ابن المخيم خاصة، رسمها بريشة أخذت شكل المخرز يوخز  الذين خذلوا فلسطين وعروبتهم معاً، وتفقأ عيون كل من حاولوا طمس الحقيقة تارة والنظر بعيون مشككة تارة اخرى . لوحات معلقه سردية اخرى أخذت شكل المعول الذي يهدم جدار الصمت، وتروي حكايات ارادها الفنان أن تعبر عن مضامين رواياته المكتوبة ولكن بطريقة اخرى وترسم المسيرة النضالية لشعب إختار الموت كي يحقق الحياة. 

إنها لعنة تلاحق كل من إختار طريقه وبوعي فاصيب بداء يصعب الشفاء منه، انه داء حب فلسطين ذاك الوطن الذي لم يشبع من دمائنا ويطلب المزيد كلما اشتدت حلكة الظلام.

 ما يثير الأهتمام تكامل اللوحات مع بعضها البعض لتقول وبصوت يخرق صمت القبور إننا هنا باقون نجوع ونقتل ولكننا نقاوم، المتتبع لأدب مروان عبد العال عبر سلسلة رواياته يستطيع تلمس ما يود مروان أن يوصله للقارئ عبر لوحاته التي رافقت كتاباته وأكمل الصورة عبر معرضه الذي يضع المشاهد ضمن هالة من التأثير تفوق الايحاء فيستعيد المشاهد فلسطينيته على المستوى الشخصي ويستعيد انسانيته ضمن الإطار العام لأن مروان ابن التجربة بكل تفاصيلها كتب عن وجعها ورسم ملامح عنفوانها عبر لوحاته التي لم تكتمل بعد وظلت معلقة كما مسيرة الألم التي عايشها الفلسطيني منذ نكبته الأولى حتى خذلانه الحالي. 

ربما لو قدّر ل غسان كنفاني أن يكون بيننا الآن لرفع رأسه شامخاً لعمق التجربة التي يخوضها هذا الفنان الإنسان، وأدرك كم يكون الفن صادقاً عندما يكون صاحب الريشة هو صاحب الألم لأنه يدرك معنى ان تكون مهجراً مجوعاً، ولن تستطيع أن ترسم تفاحة وانت لم تراها قط كما أفاد الأديب الشهيد غسان كنفاني. 

إن مروان عبد العال هو ابن النكبات المتتالية التي مر بها شعبنا الفلسطيني عندما اشتق لنفسه طريقاً صعباً، رسم نكبته وألم التهجير وبيئة المخيم وفرض حالة من التأثير الحسي الإنساني على من يشاهد لوحاته ووخز الضمائر الانسانية كي تخرج من حالة الصمت الذي يخيم عليها ، ولم يحاول أن ينسب نفسه أو فنه لمدرسة فنية قط بل رسم فلسطين بشعبها وتجربته، لتكتمل الحكاية وكي لا تبقى هذه اللوحات معلقة كما هي تجربتنا عبر سنين الاحتلال والتهجير والابادة، ولتوخز الضمير الإنساني كي يصحو ويخرج من دائرة الصمت.

إن مواكبة التجربة الفلسطينية مهمّة صعبة ومحفوفة بالعديد من المخاطر التي توقع بالأديب أو الفنان فالمسيرة شاقة وصعبة والأحداث كثيرة ومتتالية فبين النكبتين شلال طويل من الدماء،
ولكي تستطيع أن ترسم حالة كهذه يجب وبالضرورة أن تكون فناً ملتزماً، بمعنى ان يكون شفافاً فهو بريشة ابن النكبة وطفل المخيم ورجل المرحلة كي تتسم تجربتك بالمصداقية ويأخذ فنك طابعه الانساني.

 وهذا ما اتسم به فن مروان عبد العال الشاهد والضحية كما هو حنظلة  ابن المخيم الذي رسمه ناجي العلي ، وصار رمزاً عالمياً للولد الفلسطيني، مثله تجرع آلام شعبه، ليستعيده مروان  من جديد عبر كتاباته ولوحاته ليمنح لرموزه التعبيرية  طابعاً انسانيا. وعندما سئل الفنان عبد العال عن فلسفة اللون في لوحاته، اذ يبدو احتفاليًا. و ثقيل نوعاً ما، وكأنه يرزح تحت شيء…؟ اجاب ان اللون، حين يُجرّد من وظيفته الزخرفية، وهو ذاته يصبح سؤالًا.

واضاف : في هذا المعرض، الأحمر ليس حبًا، بل فقدًا. الأزرق ليس سماءً، بل بُعدًا. الأبيض ليس نقاءً، بل صمتًا خائفًا.
معتبراً أن كل لون في هذه الأعمال لون معلّق طالما يحمل توترًا داخليًا: هل نراه أم نتجنّبه؟ هل ننجو منه أم نذوب فيه؟


*كاتب فلسطيني