يدرك الكيان الصهيوني خطورة الصوت والصورة فيمعن في القتل والتنكيل بكل من تسوّل له نفسه نقل الحقيقة للرأي العام العالمي الذي تبيّنت له هَول الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والمذابح التي ترتكب على أيدي نازيي العصر. الصورة المتسربة من غزة تشبه حفنة الطحين. صورة مغّمسة بالدم والحرق حتى الموت بقذائف أمريكية وغربية الصنع. صحيح أن الاحتلال لم يعد يكترث بردود الأفعال بعد أن ضمِن شراكة رأس حربة النظام الدولي، الولايات المتحدة وحلفائها واتباعها في المنطقة العربية، لكن الصحيح أيضا أن صور الأطفال الذين يموتون تجويعا وتعطيشا وبالقذائف الذكية، أصبحت مادة ضغط تسربت غصبًا عن الجند القتلة فاستخدمها شباب العالم وأحراره للضغط على حكوماتهم يطلبون منها الخروج من دائرة التواطئ والصمت المريب واتخاذ خطوات عملية تُلجِم اندفاعة النازيين الجدد وشهواتهم المتصاعدة لسفك المزيد من الدم الفلسطيني الذي يُراق في ظل التخاذل والصمت الرسمي العربي وسبات شوارع عواصمه، إلا من رحم ربي!!
أنس الشريف وأحمد قريقع، صحفيان ميدانيان ومراسلان لقناة الجزيرة، كانا يغطيان المحرقة التي يتعرض لها قطاع غزة منذ قرابة سنتين، نصبا خيمتهما في فناء مستشفى الشفاء ومعهما أربعة من الصحفيين والمصورين، فأطلقت طائرة صهيونية صواريخها عليهم وقتلت جميع من كان في الخيمة، بدم بارد قتلتهم، كما كان القناص الصهيوني يتسلّى بجسد الصحافية شيرين أبو عاقلة عندما كانت تغطي جرائم الاحتلال بالضفة الغربية في 2022، وقتل الجُند الصهاينة أيضا الصحافية في قناة الميادين فرح عمر والمصور ربيع معماري في جنوب لبنان نوفمبر2023، أي بعد شهرين من انطلاقة طوفان الأقصى حيث كانا ينقلان الحقيقة بالصوت والصورة ويرصدان الغارات الصهيونية وجبهة الإسناد اللبنانية لغزة.
قتلت قوات الاحتلال ما بين 230 إلى 260 صحفي ومراسل منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى كتابة هذه السطور، من أصل ما يربو على 60 ألف طفل وامرأة وشاب وشيخ، تمت تصفيتهم إضافة إلى آلاف لايزالون تحت الانقاض، إذ لم يتمكن أحد من انتشال جثامينهم الطاهرة. لقد منع الاحتلال الصحفيين الأجانب من تغطية "مفرمة" غزة ويلاحق مراسلي وسائل الإعلام في كل مكان بغزة، ويوجه لهم التحذيرات والتهديدات، وينتقم منهم بتدمير منازلهم وبقتل عائلاتهم كما فعل مع مراسل الجزيرة وائل الدحدوح الذي فقد عددا من أفراد عائلته بينهم زوجته وابنه وابنته وحفيده الرضيع، وكما هو الحال مع والد أنس الشريف قبل اغتياله.. وغيرهما الكثير من الصحفيين، ومن لا يمتثل يتم تصفيته برصاصة قناص أو بقذيفة طائرة مسيّرة تحرق الأخضر واليابس.
يرى الاحتلال في الصحفي عدوا مبينا لا يقل عن المقاوم الذي يخرج من الأنفاق والحارات والشوارع. وهو يدرك أن الكلمة كالرصاصة، إذا انطلقت يستحيل إعادتها لمخزنها. أما الصورة فهي سلاح أمضى من قذائف الاحتلال التي تقتل الأطفال والنساء. لذلك يلجأ الاحتلال إلى حجب الصورة وخنق الصوت والكلمة ليستمر في ارتكاب الجرائم بأريحية أكثر. جرائم فضحت وكشفت المتواطئين العرب والأجانب. وهو يواصل إحكام قبضته على رقبة الصحفيين بينما يُحضّر لاحتلال ما تبقى من قطاع غزة والتنكيل بأهله وتنفيذ جرائم أشد مما فعله طوال الفترة الماضية، حيث يتهيأ الاحتلال بتجييش أكثر من 250 ألف مستوطن ليشاركوا في المجازر الجديدة.
لن يتوقف الاحتلال الصهيوني عن ارتكاب جرائمه بحق الصحفيين الفلسطينيين الذين بقوا قابضين على الجمر وأصرُّوا على الاستمرار في نقل الحقيقة كما هي، رغم المخاطر الكبيرة على حياتهم. فهو مطمئن من وسائل الإعلام الأجنبية وخصوصا الكبرى منها، بأن روايته هي التي ستُروَّج وتتحول إلى معلومة دون تمحيص، ويجرى تبنِّيها على أنها حقيقة، على طريقة فجر السابع من أكتوبر عندما تبنَّت هذه الوسائل رواية قادة الكيان الذين ادَّعوا أن عملية ذبح للأطفال وحالات اغتصاب قد تمّت بحق النساء الصهاينة، وعندما تبين كذب الرواية لم تعتذر وسائل الإعلام العالمية، بل أمعنت في تبنِّي الكذبة الصهيونية، ومضت في انحيازها الكامل للاحتلال والتغطية على جرائمه أيضا، أسوة بحكوماتها.
يتماهى نتنياهو في جرائمه مع القيادات النازية، ويزيد عليها فيعتقد أنه "في مهمة تاريخية وروحانية مرتبطة بـإسرائيل الكبرى"، بيد أنه يتحسس قبضة مسدسه كلما سمع أو شاهد تقريرا صادرا من غزة، بالضبط كما كان يفعل القادة النازيون. لكن، في زمن التيه والضياع والسمسرة والمتاجرة بالدماء والأوطان وسبات الشوارع، تسطع نجوم الصحفيين والمراسلين في غزة وعموم فلسطين وهم ينقلون للرأي العام العالمي بالصوت والصورة والخبر اليقين ما يجري من مجازر بحق الشعب الفلسطيني الذي لا يبخل على أمة العرب بدمائه الزكية. دم يتاجر البعض به كلما سنحت الفرصة ليقبض أثمان أرواح الشهداء والجرحى والبيوت المدمرة على أصحابها. بيد أنه مهما طال هذا الليل وازدادة عتمته وقساوته، سينبلج الفجر من شقوق الصخر وستنتصر الكلمة التي كانت هي في البدء.

