Menu

بين الانكشاف والغموض

ثائر أبو عياش

الحياة كلها تُعاش بين قطبي الانكشاف والغموض، كأننا نسير على حافة خط رفيع يفصل بين وضوح الأشياء وسرّها، بين ما يتجلى أمام أعيننا وما يظل محتجبًا في الأعماق. في زمن الحرب، يتجلى الانكشاف على شكل دمار واضح وصريح: مبانٍ تنهار، وجثث تُنتشل، وألم يقطع النَفَس. أما الغموض، فيتخذ هيئة الأسئلة الكبرى: متى ينتهي هذا الجحيم؟ من سينجو؟ وما هو المعنى من هذا الخراب المتكرر عبر التاريخ؟ وكأننا جميعًا نعيش في حوار دائم، حوار لا يتوقف، لكنه يجري بين الانكشاف والغموض، بين ما نعرفه بوضوح وما نعجز عن تحديده.
أفلاطون قال يومًا إن الفلسفة تبدأ بالدهشة. والدهشة ليست سوى مواجهة مباشرة للغموض حين يتكشف فجأة. فالذات حين ترى الحرب، تنكشف أمامها هشاشتها وضعفها، لكنها في الوقت نفسه تُدفع دفعًا نحو الغموض: نحو تخيل مستقبل لم يولد بعد، وحب ربما يُولد من رماد الموت. هذا التداخل يجعلنا ندرك أن الانكشاف ليس نهاية المعرفة، بل بداية لحوار مع الغموض.
في المقاومة زمن الحرب، يبدو الانكشاف كاشفًا لجوهر الإنسان في أقصى حالاته. المقاومة فعل انكشاف، لأنها تُظهر الإرادة الكامنة في الشعب حين يتعرض لامتحان وجودي. وفي الوقت نفسه، المقاومة غموض؛ لأنها تخبئ في داخلها احتمالات لا يمكن التنبؤ بها: متى ستُفلح؟ متى ستتعثر؟ وأي معنى ستترك للتاريخ؟ المقاومة ليست مجرد رصاصة أو صمود خلف المتاريس، إنها لحظة فلسفية تُمتحن فيها فكرة الحرية نفسها بين الانكشاف والغموض. كما قال كامو": في قلب الشتاء أدركت أن بداخلي صيفًا لا يقهر". ربما كان هذا الصيف المقاوم هو الغموض الذي لا تستطيع الحرب إلغاؤه، بل على العكس، الحرب تكشفه أكثر.
لكن ماذا عن المقاومة زمن الحب؟ أليست هي أيضًا انكشافًا وغموضًا معًا؟ في الحب نقاوم التلاشي في العدم، نقاوم موت المعنى وسط الفوضى، ونقاوم فكرة أننا مجرد ذرات في مجرى الزمن. الحب يكشف هشاشتنا بقدر ما يكشف قدرتنا على العطاء، لكنه أيضًا غموض يظل عصيًا على التفسير: لماذا نحب هذا الشخص بالذات؟ ولماذا نغدو مستعدين لبذل المستحيل من أجله؟ في الحب، كما في الحرب، يتجلى جوهر المقاومة: مقاومة العبث، مقاومة الانكسار، ومقاومة موت الروح.
هنا تتقاطع الأزمنة: زمن الحرب وزمن الحب. في الحرب، الانكشاف دموي، مباشر، لا يحتمل المجاز، بينما الغموض هو في الأسئلة المعلقة التي لا جواب لها. في الحب، الانكشاف رقيق، مفعم بالصدق، بينما الغموض هو في العمق الذي يجعل العلاقة سرية رغم كل صراحة. في كلا الحالين، الإنسان لا يخرج من دائرة الانكشاف والغموض، بل يعيش داخلها كجزء من بنية الوجود.
لكن ماذا لو جلسنا جميعًا على طاولة مستديرة، لا مربعة؟ الطاولة المربعة تجعل الحوار هرميًا: هناك رأس يتحدث وبقية يستمعون. أما الطاولة المستديرة فهي إلغاء للتفاضل، حيث يصبح الجميع متساويين أمام الكلمة والحقيقة. في زمن الحرب، الطاولة المستديرة تعني أن المقاومة ليست حكرًا على قائد أو بطل فرد، بل هي فعل جماعي، يشارك فيه كل فرد بصوته ودمه وصمته أيضًا. في زمن الحب، الطاولة المستديرة تعني أن لا أحد يحتكر المعنى أو المشاعر؛ فالحوار فيها ينفتح بلا مركز، بلا سلطة، بلا سيادة.
هذا التوازن بين الانكشاف والغموض على الطاولة المستديرة، هو ما يجعل الحوار فلسفيًا عميقًا: فلا أحد مسؤول كامل المسؤولية، ولا أحد يملك الحقيقة الكاملة. الجميع متساوون في الحب، كما هم متساوون في الحرب. كما قال سقراط: "أنا لا أملك الحقيقة، لكني أملك السؤال." وهذا يكفي لكي يتكشف المعنى تدريجيًا من خلال الغموض.
إن الذات في هذا الإطار لا تُختبر في الانعزال، بل في اشتباكها مع الآخرين. حين نراقب أنفسنا ونحن نتحاور حول الطاولة المستديرة، ندرك أن الانكشاف ليس دائمًا ضعفًا، والغموض ليس دائمًا عجزًا. الانكشاف يكشف قدرتنا على المواجهة، والغموض يحفظ لنا مجال الاحتمال، مجال الأمل. في المقاومة زمن الحرب، قد يعني الغموض أن النصر ما زال ممكنًا رغم غياب العلامات. في المقاومة زمن الحب، قد يعني الغموض أن العلاقة قادرة على التجدد، على اكتشاف أسرار جديدة رغم الانكشاف المتبادل.
الحياة إذن، هي هذه الطاولة المستديرة التي تجمعنا بين الحرب والحب، بين الانكشاف والغموض. لسنا رؤساء لها ولا مجرد ضيوف عليها، بل نحن جزء من حوار لا نهائي، حوار يصنعنا بقدر ما نصنعه. كل فكرة تنكشف، تفتح الباب أمام غموض جديد، وكل غموض ينقشع، يلد انكشافًا آخر. هكذا يستمر النسيج، وهكذا يظل المعنى في حركة دائمة، لا يستقر ولا يتوقف.
ربما هذا ما قصده نيتشه حين قال: "علينا أن نحمل في أنفسنا فوضى، لكي نلد نجمًا راقصًا." الفوضى هنا هي الغموض، والنجم هو الانكشاف، والرقص هو المقاومة في الحب والحرب معًا.