Menu

الإنكار .. كأداة إبادة رمزية

مروان عبد العال

لقد لامس الحقيقة فيما خطّه، المفكّر "ادوراد سعيد" وكلماته لم تكن توصيفًا عابرًا للواقع، بل تشخيصًا عميقًا للذهنية الابادية الاستعمارية حين كتب:"إن النفي المنهجي لوجود شعب، هو أحد أكثر أشكال العنف الثقافي تطرفًا.”بهذا الوعي، لا يصبح الإنكار مجرد موقف، بل جريمة ثانية تُضاف إلى الأولى. 
ففي غزة، لا يقتصر القتل العلني  على القصف المباشر والتجويع المقصود والهمجية المعلنة، بل يمتد إلى ما هو أشد فظاعة من ذلك،  إلى الطمس الرمزي، حين يُنكر العالم سياسة التجويع الممنهج، ويُعاد تعريف المجاعة على أنها “أزمة إنسانية” قابلة للتأويل وليس مجاعة من صنع البشر .
ليست كل الإبادات بصواريخ ومجازر، بعضها يحدث بالكلمات، أو بالتواطؤ السلبي وبصمت الكلمات. في غزة، لا يموت الناس فقط بالنار بل باللقمة . هندسة الجوع، هناك من يُمعن في الإنكار، وكأن إنكار الجريمة يعفي منها، أو كأن حذفها من السرد يجعلها أقل فظاعة.

في عالمٍ يعجُّ بالشهادات، بالصوَر، بالمقاطع اليومية للأطفال الذين يحلمون بوجبة، وبأمهاتٍ يغلين الماء فقط لإيهام أبنائهن أن هناك شيئًا يُطهى… ما الذي يجعل البعض ينكر أن ما يحدث في غزة هو تجويعٌ ممنهج؟ وهل يصبح الإنكار، في هذا السياق، أداة إبادة بحد ذاته؟

من ينكر، لا يبرئ فقط القاتل، بل يُساهم في الجريمة بوسائل ناعمة وفظيعة: بإعادة كتابة الرواية، بالتشكيك في المأساة، بإشغال العالم بأسئلة مغلوطة: “هل حقًا هناك مجاعة؟”، بدلًا من سؤال: “كيف نوقف هذه المجاعة؟”. الإنكار هنا ليس جهلًا، بل سياسة. إنه امتداد للمحرقة الرمزية التي تُحرق فيها الحقيقة كما يُحرق الخبز الذي لا يصل.

مثلما سعت قوى في القرن الماضي إلى إنكار المحرقة اليهودية لتبرئة الذات أو الطعن في الضحية، تتكرر اليوم ذات البنية: إنكار مأساة الفلسطينيين الجائعة، تحت ذريعة “حق الدفاع عن النفس”، أو “التحقق من المعلومات”. وكأن الضحية يجب أن تقدم أوراق اعتمادها الى الإنسانية، وأن تُصوّر ألمها من كل الزوايا قبل أن يُعترف لها بالحق في الخبز والماء والدواء والغذاء والهواء.

الإنكار هنا ليس حيادًا، بل انحياز للمجرم. لأن ما يُنكر يتم تكراره، وما لا يُسمى لا يُدان. وحين نُخفي الجوع خلف ستار الكلمات الملساء، نُبقي أدوات الإبادة ناعمة وفعالة في آن. 

إن إبادة جماعية لا تقوم فقط بالقنابل، بل أيضًا بمحو الشهادة، كقتل الصحفيين مع سابق الإصرار والترصد، وتشويه الوقائع، وتحويل الجوع إلى “أزمة” قابلة للتفاوض. فالإبادة الرمزية تبدأ عندما يُصبح الضحايا مجرد أرقام، أو عندما يطالبهم العالم بإثبات آلامهم في ملفات بيروقراطية مغلقة.

أمام هذا الواقع، يصبح الاعتراف هو أول أشكال المقاومة. لأن تسمية الجوع باسمه، وفضح من يُنكره، ليس فعلاً أخلاقيًا فحسب، بل هو تفكيك لبنية الإبادة نفسها، تلك التي لا تكتفي بتدمير الأجساد، بل تسعى لمحو الذاكرة وإنكار الجريمة. لقد كشف المستور  الصحفي جدعون ليفي حين كتب يقول" انكار وجود مجاعة في غزة يوازي انكار المحرقة اليهودية ".