Menu

اعتقال تيسير أبو سنينة: ما بين استهداف الرموز ومحاولة إعادة صياغة المشهد في الخليل

ثائر أبو عياش

لم يكن اعتقال رئيس بلدية الخليل، تيسير أبو سنينة، حدثًا عابرًا في سجل الاعتقالات اليومية التي ينفذها الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية، بل يحمل دلالات سياسية عميقة تتجاوز شخص الرجل إلى طبيعة المرحلة التي تعيشها مدينة الخليل، وإلى مستقبل العلاقة بين مؤسسات السلطة الرسمية والاحتلال والعشائر، في ظل ما يُثار من حديث متزايد عن "مخطط إمارة عشائرية" يجري هندستها بعيدًا عن سلطة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية.

أبو سنينة: الرمز والإشكالية

أبو سنينة شخصية جدلية في المشهد الفلسطيني. فهو أسير محرر شارك في عملية "الدبويا" في العام 1980 ضد المستوطنين، وقضى حكمًا بالسجن المؤبد قبل أن يفرج عنه. لاحقًا، انخرط في العمل العام، وصولًا إلى رئاسة بلدية الخليل عام 2017، وهو المنصب الأكثر حساسية في أكبر مدن الضفة الغربية وأكثرها تعقيدًا ديموغرافيًا وسياسيًا، بحكم وجود نحو 220 ألف فلسطيني إلى جانب عدد كبير من المستوطنين محميين بترسانة عسكرية إسرائيلية وسط المدينة.
بالنسبة للاحتلال، أبو سنينة ليس مجرد رئيس بلدية؛ إنه رمز يحمل في سيرته التاريخية ما يكفي لوصمه بـ"التحريض والإرهاب". وبالنسبة لشرائح واسعة من الفلسطينيين، يمثل الرجل نموذجًا للرمز الوطني الذي انتقل من تجربة السجن والمقاومة إلى إدارة الشأن العام. لذلك، فإن اعتقاله ليس مجرد "إجراء أمني"، بل رسالة مزدوجة: ضرب الشرعية الرمزية، ومحاولة تفكيك ما تبقى من سلطة المؤسسات الفلسطينية في الخليل.

الخليل: مدينة العشائر والمعادلات المتفجرة

الخليل ليست كباقي مدن الضفة. فهي مدينة ذات ثقل سكاني واقتصادي وديني، وتُوصف بأنها "معقل العشائر"، بالاضافة إلى وجود الحرم الإبراهيمي بداخلها. هذه التركيبة تمنحها خصوصية في علاقتها بالسلطة الفلسطينية، حيث تتداخل المرجعيات: العشيرة، الحركة الوطنية، السلطة، والاحتلال. لذلك، يسعى الاحتلال منذ سنوات إلى تكريس واقع يقوم على تحييد السلطة الرسمية، مقابل التعامل مع العشائرية كإطار بديل يضمن السيطرة الأمنية واحتواء أي حالة مقاومة.

من هنا تبرز مخاوف الفلسطينيين من أن اعتقال أبو سنينة ليس حدثًا منفصلًا، بل خطوة ضمن مسار أوسع يستهدف تفكيك شرعية المؤسسات الرسمية المنتخبة، ودفع المدينة نحو "إدارة عشائرية" تحت عين الاحتلال. بمعنى آخر، محاولة لإعادة إنتاج تجربة "روابط القرى" التي جرّبها الاحتلال في ثمانينيات القرن الماضي.

"إمارة عشائرية": فكرة قديمة بلبوس جديد

التسريبات الإعلامية الأخيرة حول حديث إسرائيلي–أميركي عن "إمارة عشائرية" في الخليل ليست من فراغ. فالاحتلال، في ظل حالة التآكل التي تعيشها السلطة الفلسطينية سياسيًا وشعبيًا، يبحث عن بدائل لإدارة الضفة بعيدًا عن عبء السلطة. والخليل، بحكم تركيبتها العشائرية ووجود بؤر استيطانية معقدة، تُعتبر المرشحة الأولى لتجربة هذا النموذج.

هنا يأتي اعتقال أبو سنينة كإشارة واضحة: ضرب رأس المؤسسة المنتخبة في الخليل، وإرسال رسالة بأن بديل السلطة قد يكون "العشيرة"، في ظل خطاب رسمي إسرائيلي يروّج لفكرة أن "المجتمع الفلسطيني لا يحتاج دولة بل إطارًا أهليًا لإدارة حياته".

لكن هذه الرؤية تصطدم بواقع معقد. فالعشائر، على الرغم من قوتها، ليست بديلاً عن المؤسسات الوطنية، بل جزء من النسيج الاجتماعي الفلسطيني الذي لعب تاريخيًا دورًا داعمًا للمقاومة وللسلطة الوطنية. أي محاولة لاستنساخها كبديل، قد تفتح الباب أمام صراعات داخلية وتفتيت البنية الوطنية الجامعة.

الأبعاد السياسية للاعتقال

اعتقال أبو سنينة يعكس أيضًا أزمة أعمق في العلاقة بين الاحتلال والسلطة الفلسطينية. فمن جهة، الاحتلال يسعى إلى إضعاف السلطة عبر استهداف رموزها وحرمانها من القدرة على إدارة مدنها. ومن جهة أخرى، السلطة تعاني من تراجع قدرتها على حماية مؤسساتها ورموزها أمام تغوّل الاحتلال، مما يفاقم من حالة فقدان الثقة الشعبية بها.

في هذا السياق، يقرأ كثيرون اعتقال رئيس بلدية الخليل كرسالة مزدوجة للسلطة: أنتم غير قادرين على حماية مسؤوليكم، وأن الاحتلال وحده هو صاحب الكلمة العليا في مدن الضفة، بما فيها أكبر مدينة فلسطينية بعد غزة.
دلالات ورسائل

يمكن تلخيص دلالات اعتقال أبو سنينة في عدة نقاط:

1.    رسالة إلى المجتمع الفلسطيني: الاحتلال قادر على استهداف رموز وطنية ومؤسسات منتخبة دون حساب.

2.    تكريس واقع ما بعد السلطة: عبر إضعاف المؤسسات الرسمية، وترويج بديل عشائري–إداري يخضع للهيمنة الأمنية الإسرائيلية.

3.    ضبط الخليل كمدينة محورية: كونها مركزًا اقتصاديًا وجغرافيًا، وأي حالة انفلات أو مقاومة فيها تهدد الاستقرار الإسرائيلي في الجنوب.

4.    محاولة لتفكيك البعد الوطني: عبر استبدال "شرعية النضال والمؤسسات" بشرعية العشيرة والولاء المحلي.

الخاتمة

اعتقال تيسير أبو سنينة ليس حدثًا عابرًا، بل جزء من صراع على هوية المدينة ومستقبلها السياسي. فالخليل، بما تمثله من ثقل عشائري ووطني، ليست مجرد ساحة نزاع محلي، بل نموذج لاختبار سيناريوهات "اليوم التالي للسلطة" التي يسعى الاحتلال إلى فرضها.

في المقابل، يبقى الرهان على وعي المجتمع الفلسطيني، وقدرته على إفشال مشاريع التفتيت، عبر التمسك بمؤسساته الوطنية الجامعة، وتفويت الفرصة على الاحتلال الذي يسعى لتكرار تجربة "روابط القرى" بثوب عشائري جديد.
فالمسألة لا تتعلق بشخص أبو سنينة فقط، بل بمستقبل الخليل كمدينة تمثل صرحًا للصمود ورافعة للهوية الوطنية الفلسطينية.