Menu

حين تصبح تهمة “معاداة السامية” أداة لتبييض التواطؤ مع الإباده

جمال كنج

الهدف الإخبارية

علّمنا التاريخ أن جرائم الدول لا تُكتشف حقيقتها إلا بعد وقوعها، ولا يعي الناس فظاعتها إلا حين يصبح إنكارها مستحيلًا. من تهجير السكان الأصليين، إلى العبودية، فالمحرقة، فسربرنيتسا ورواندا، لم تدخل هذه المآسي ضمير البشرية إلا متأخرة. واليوم، يتكرر المشهد ذاته في غزة، لكن هذه المرة في بث حي يكشف عجز عالم بلا بصيرة و إنسانيه بلا ضمير.

بعد نحو عامين من القتل والدمار، أعلنت الجمعية الدولية لعلماء الإبادة الجماعية (IAGS) في 31 أغسطس أن ما تقوم به دوله الكيان في غزة يرقى إلى الإبادة الجماعية وفق مواثيق الأمم المتحدة. وأمام المجاعة وجرائم الحرب المتواصلة، لم يعد السؤال: “هل هناك إبادة؟”، بل: هل تُطبق اتفاقية 1948 حول الإبادة على الجميع، أم على شعوب بعينها فقط؟

بهذا الإعلان، انتقل الأمر من نقاش بيزنطي إلى حقيقة قانونية. فهذا ليس رأيًا شخصيًا، بل حكم علمي صادر عن مؤسسة دولية تضم أبرز الخبراء في دراسة الإبادة الجماعية. هؤلاء العلماء الذين بحثوا المحرقة الأوروبية ورواندا والبوسنة وغيرها، نادرًا ما يتحدثون بهذه الدرجة من الوضوح و الحسم. لقد أكدوا ما برح الفلسطينيون، ومنظمات حقوق الإنسان، وعلماء الهولوكوست الإسرائيليون، وقانونيون دوليون يرددونه: غزة ليست ساحة حرب، بل ميدان إبادة جماعية.

حجم الدمار في غزة غير مسبوق في تاريخ الإنسانية، فحتى مايو 2025، ألقت دوله الكيان أكثر من 100,000 طن من المتفجرات على بقعة لا تتجاوز مساحتها 365 كم²، أي ما يعادل 548 رطلاً (250 كيلوغرام) من القنابل لكل متر مربع.

للمقارنة: خلال الحرب العالمية الثانية أُلقى الخلفاء على ألمانيا 1,415,745 طنًا من القنابل أي بمعدل 3.96 طن/كم² أو 7.9 رطل لكل متر مربع. مساحة غزة تشكّل 0.001 من مساحة ألمانيا، أي ان القطاع كان عرضه لقصف يفوق ما شهدته ألمانيا بسبعين ضعفًا (548 مقابل 7.9 رطل). 

وفي مقاربه لحرب الولايات المتحده على شمال فيتنام، إثناء حمله “الرعد المتدحرج” التي شنت بين عام 1965–1968، خلال اكثر من ثلاث سنوات ونصف، أُلقت امريكا 864,000 طن من المتفجرات على دوله فيتنام الشمالية،على مساحه تقدر ب 157,880 كم²، أو ما يساوي 5.5 رطل لكل م². هذا يعني أن كثافة القنابل التي أسقطت على غزة في اقل من سنتين فاق بحجمه "الرعد المتدحرج" على شمال فيتنام بمئة ضعف (5.5 مقابل 548 رطل).

لهذا غدت غزة اليوم المنطقة الأكثر قصفًا في تاريخ الحروب. وما يضاعف حجم الكارثة أن نوعيه المتفجرات الحديثة أشد فتكًا من سابقاتها، و تُلقى فوق واحدة من أكثر بقاع الأرض كثافة سكانية: 196 نسمة/كم² في ألمانيا، 120 في فيتنام، مقابل 6,300 نسمه/ كم² في غزة. أي أن في كل متر مربع من قطاع غزه ما يقارب من ستة أشخاص وكان عرضه ل 548 رطل من المتفجرات. ووفق أي معيار أخلاقي أو قانوني، هذا ليس قتالًا، بل إبادة مُصممة لإلغاء وجود جماعة بشرية.

حتى سبتمبر 2025، تجاوز عدد من استشهدوا 64,300 فلسطينيًا، بينهم 20,000 طفل، مع آلاف المفقودين تحت الأنقاض. و توفي 387 إنسانًا جوعًا بينهم 138 طفلًا، فيما أصيب أكثر من 161,000، كثير منهم بإعاقات دائمة كالبتر وفقدان البصر. كذلك، تم تدمير أو إتلاف 92٪ من مساكن غزة، وتهجير سكانها البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة أكثر من مرة. لم يعد الغزيون يتحدثون عن بيوت، بل عن مقابر وضحايا مطموريـن تحت الركام. وأكدت IAGS أن استهداف الأطفال كان عنصرًا جوهريًا في قرارها، باعتبار أن قتل الجيل القادم يساوي تدمير مستقبل الجماعة بأكملها.

هذه الخلاصات لم تأتِ من فراغ؛ فالمحاكم الدولية سبق أن أشارت إليها بوضوح. ففي نوفمبر 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات اعتقال بحق نتنياهو ووزير دفاعه غالانت بتهم جرائم ضد الإنسانية وتجويع المدنيين. كما أصدرت محكمة العدل الدولية ثلاثة قرارات أكدت فيها وجود احتمال معقول لارتكاب إسرائيل جريمة إبادة، وأمرت بفتح المعابر لإدخال الغذاء بشكل عاجل.

هذه القرارات، لو التزمت بها الدول، لكان يفترض أن تعزل إسرائيل وتضع حدًا للجرائم. فميثاق الأمم المتحدة لعام 1948 لا يطلب من الدول مراقبة الإبادة، بل يلزمها بمنعها ووقفها. لكن الواقع أن إسرائيل تواصل جرائمها بدعم مالي وعسكري هائل، وحماية سياسية من واشنطن، سواء من إدارة ترامب أو من إدارة بايدن قبل ذلك. وسيسجل التاريخ أن من قدّم الطائرات والقنابل لقتل الصحفيين، وتدمير المدارس، ونسف المستشفيات، و من جوع ودفن أطفال غزة تحت الركام، هو شريك مباشر في الجريمة.

إعلان IAGS أزال كل الأعذار وأسقط الأقنعة. لقد بات، و بشهاده من علماء الإبادة، واضحًا أن ما يحدث في غزة إبادة جماعية بكل المقاييس. ومن حاولوا التغطية على الحقيقة بتهمة “معاداة السامية”، لم يمارسوا مجرد تضليل، بل شاركوا عن قصد في ستر الجريمة وتبييض التواطؤ مع الإبادة.