- حرب الإبادة الجماعية الشاملة في غزة الواقع المرير الذي يعيشه الشعب الفلسطيني ومؤسساته الوطنية المتهالكة، كما كشفت حقائق كثيرة، عن العجز العربي المخزي، والوجه القبيح للولايات المتحدة الأمريكية ومعظم الدول الأوروبية المؤيدة للكيان الصهيوني والداعمة له. هذه المواقف ليست جديدة، بل هي جزء من الأيديولوجيات النازية والفاشية التي كانت منتشرة في الدول الغربية، وتعود إلى الظهور مرة أخرى. اليوم أصبحت هذه المواقف العنصرية ظاهرة أكثر بسبب المواقف المؤيدة لاستمرار الحرب ضد الفلسطينيين في غزة، والموافقة على استخدام التجويع ومنع وصول الأغذية عبر المعابر الحدودية، بالإضافة إلى تزويد الكيان الصهيوني بأحدث أسلحة القتل والتدمير الشامل. حاول الفلسطينيون أن يتغاضوا عن طبيعة هذه الأيديولوجيات العنصرية، وتصديق الشعارات الجوفاء حول الحرية والمساواة والإخاء والديمقراطية، إلا أن الواقع واستمرار الحرب، والضغط على الفلسطينيين من أجل إطلاق سراح الأسرى الصهاينة دون الالتفات إلى الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني يؤكد هذه الحقائق دون لبس، وأن العقائد الاستعمارية للرجل الأبيض لم تتغير. وعليه فإن حرب الإبادة الجماعية المستمرة منذ أكثر من 650 يوماً قد جاوزت كل الأحداث السابقة عبر التاريخ. وتُعيد إلى الأذهان المجازر البشعة التي ارتكبها الرجل الأبيض ضد الشعوب الأصلية في أمريكا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا. وصعود النازية والفاشية في أوروبا. المُستَعمِر واحد، وصِفات الإجرام واحدة، ولكن تغيرت أدوات الجريمة. صارت أكثر عصرية، وقدراتها التدميرية هائلة جداً، لتحقق أكبر عدد من الضحايا من الأطفال والنساء والكبار في السن. وصار استهداف المستشفيات ومراكز الإيواء ومراكز توزيع الأغذية عملاً روتينياً يقوم به القتلة بدم بارد كل يوم دون احتجاج دولي أو عربي. لقد تفوق مجرمو الحرب الصهاينة على حلفائهم النازيين بوحشيتهم وأساليب إجرامهم وفنون القتل والتدمير التي يقوم بها الجيش والمستوطنون الصهاينة على السواء ضد السكان الفلسطينيين الأصليين. لقد تحالفت المنظمات اليهودية الصهيونية مع الحكومة النازية في ألمانيا، وتعاونت معها منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية وتبنت أساليبها، من أجل دفع اليهود الألمان للهجرة إلى فلسطين. وقد تبين أن هذا التعاون بالرغم من بعض التناقضات الشكلية كان مبنياً على المصالح المشتركة، ولعل أبرز أشكال هذا التعاون هو اتفاقية هعفراه (Haavara Agreement)[1] التي تم توقيعها في عام 1933 بين ألمانيا النازية والاتحاد الصهيوني العالمي، والتي تضمنت تهجير اليهود إلى فلسطين وتحويل ثرواتهم إلى حساب في البنك الإنجليزي-الفلسطيني في تل أبيب ودعم الاقتصاد الألماني. لقد نجحت تلك الاتفاقية بتسهيل هجرة آلاف اليهود إلى فلسطين مما ساهم في دعم مشروع الاستيطان الصهيوني بتدبير ومساعدة دولة الاحتلال آنذاك بريطانيا. الضحية لا يُمكن أن تصبح قاتلاً أو جلاداً. لكن، هذا دأب المجرمين والقتلة أينما حلوا. لقد ارتكبت العصابات الصهيونية المجازر الدموية منذ عام 1948 وقامت بعمليات الإبادة والتطهير العرقي من أجل طرد الفلسطينيين خارج أرضهم. هذه الممارسات الوحشية الممنهجة لم تكن وليدة الظروف العسكرية بل كانت من صلب العقيدة الصهيونية. وينبغي القول إن هذه المرحلة الحالية التي يمر بها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية تُعد واحدة من أحلك الفترات في تاريخ البشرية، ليس فقط بسبب مدتها الطويلة التي قاربت السنتين، وعدد الضحايا الهائل من المدنيين العزل، بل أيضاً بسبب الجرائم البشعة المُمَنهجة التي يرتكبها مجرمو الحرب الصهاينة سواء في الجيش أو في الحكومة، سواء كانوا قادة سياسيين أو قادة عسكريين. الأيديولوجيا الصهيونية هي أيديولوجية عنصرية دينية متطرفة مبنية على الحقد والكراهية ضد الفلسطينيين وضد العرب وشعوب العالم الأخرى، أو الأغيار، حيث تعتبرهم النصوص التلمودية أدنى درجة، وهذا ينعكس بقسوة على المواطنين الفلسطينيين في أراضيهم المحتلة منذ عام 1948. لقد استخدم مجرم الحرب رئيس الحكومة الصهيوني الحالي النصوص الدينية في خطاباته لتبرير حرب الإبادة على غزة، حيث جرد الفلسطينيين من إنسانيتهم ووصفهم بأبناء الظلام، زاعماً أنهم قوة شريرة، وينبغي هزيمتهم، ووصفهم بالعماليق الذين أمر "الرب" بقتلهم بما في ذلك قتل الرجال والنساء والأطفال والحيوانات. هذا الخطاب العنصري المستند إلى نصوص دينية يهدف إلى تبرير حرب الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين. لقد كتب إسرائيل شاحاك[2]، أحد الأكاديميين اليهود دراسة نقدية لهذه الأيديولوجيا العنصرية، التي شكلت نظاماً اجتماعياً يفصل اليهود عن غيرهم بطريقة منهجية وينظر إليهم بطريقة عنصرية وإقصائية. وقد استند الكاتب إلى نصوص من التلمود وقصص واقعية عن القتل المتعمد ومصادرة الأراضي لتحليل الممارسات والسياسات التي ينتهجها الكيان الصهيوني ضد الفلسطينيين سواء في الأراضي المحتلة منذ عام 1948 أو في الضفة الغربية وقطاع غزة. ويؤكد أن هذه السياسات والممارسات العسكرية لها جذور دينية عميقة، ومن ضمنها صياغة التحالفات مع قوى استعمارية ومعادية للديمقراطية من أجل تحقيق مصالحها الخاصة، كما في حالة التحالف مع الحكومة النازية في ألمانيا. ويستنتج الكاتب شاحاك في النهاية أن هذه الأيديولوجيا الإقصائية العنصرية في شكلها الحالي تشكل تهديداً للقيم الإنسانية العالمية وللديمقراطية الليبرالية ليس فقط في الكيان الصهيوني بل في أي مكان تتواجد فيه. ونظراً لهذه السمات الإجرامية أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة[3] بتاريخ 10 تشرين ثاني/ نوفمبر 1975 القرار رقم 3379 الذي ساوى بين الصهيونية والعنصرية، واعتبرها شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، وطالب القرار جميع دول العالم بمقاومة الأيديولوجية الصهيونية التي تشكل خطراً على الأمن والسلم العالميين. ومع ذلك ألغي القرار[4] بسطر واحد نتيجة تدخل الإدارة الأمريكية بموجب القرار 46/86 يوم 16 كانون الأول / ديسمبر 1991 وبالتحديد بعد انعقاد مؤتمر مدريد للسلام المزعوم[5] الذي هلل له العرب وبعض الفلسطينيين. لا يحتاج الأمر إلى عناء في التفكير والتحليل لمعرفة أن الولايات المتحدة الأمريكية هي أيضاً شريك رئيس في العنصرية والإجرام خاصة فيما يتعلق بالشعب الفلسطيني. بالإضافة إلى ذلك، اعتبر بعض المؤرخين الجدد مثل إيلان بابيه[6] وآفي شلايم[7] أن الحركة الصهيونية هي حركة قومية ذات أيديولوجيا إقصائية بطبيعتها هدفت إلى إنشاء دولة يهودية على حساب السكان الأصليين. وأن عملية طرد السكان الفلسطينيين عام 1948 من أرضهم كانت عملية تطهير عرقي متعمدة وممنهجة خططت لها القيادة الصهيونية آنذاك. ومنذ ذلك الحين والقيادات الصهيونية المتتالية ترفض أي فرصة للسلام أو المصالحة القائمة على الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وأن هذه الأيديولوجيا الإقصائية تبنت عقيدة الجدار الحديدي التي ترى أن الصراع مع العرب لا يمكن حله إلا بالقوة العسكرية. غير أن الحكومات العربية التي انصاعت للإرادة الأمريكية الصهيونية سعت إلى عقد تحالفات مع الكيان الصهيوني أدت إلى عقد اتفاقيات سلام مزعوم، مثل اتفاقيات أوسلو ووادي عربة ناهيك عن الاتفاقيات الإبراهيمية التي أصبحت موضة العصر. لقد فاقت أهوال الحرب والإبادة في غزة كل تصور. حتى منظري الحركات النازية يخجلون من هول الجرائم والفظائع التي يرتكبها مجرمو الحرب الصهاينة. هذه الإبادة الجماعية تتم برعاية أمريكية ودعاية كاذبة تستغل معاناة الناس العزل بطريقة ممنهجة حيث يتم فرض حصار شامل ومنع إدخال الغذاء والدواء وفرض التجويع على المدنيين ومن ثم إيهام الجوعى بوصول المساعدات الغذائية إلى مراكز توزيع الأغذية التي تديرها القوات الأمريكية، وعندما يأتي المواطنون لاستلام الأغذية المغشوشة يتم إطلاق النار عليهم من دون تمييز فيموت الجوعى يومياً بالعشرات من النساء والأطفال وكبار السن. أين الأخلاق والإنسانية؟ أين النخوة والعروبة ورابطة الدين؟ لقد أصبح قطاع غزة أسوأ معسكر إبادة في العالم، حيث اللقمة مغموسة بالدم، وحيث عمليات القتل والتدمير ضد المراكز الصحية ومراكز توزيع الغذاء أصبحت أسوأ أشكال القتل الجماعي. إن فظائع حرب الإبادة في غزة ليست مجرد أحداث فردية يقوم بها بعض الجنود أو القادة العسكريين أو السياسيين، وليست أحداثاً نتيجة لضغوط الحرب، بل هي نتيجة الأيديولوجيا الصهيونية العنصرية المتطرفة المعادية للفلسطينيين وللعرب ولشعوب العالم وللإنسانية جمعاء كما وصفها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 3379. أيضاً حرب الإبادة هذه ليست حرب ضد حماس أو الحركات الدينية المتطرفة كما تدعي بعض الحكومات العربية. بل هي حرب إبادة ممنهجة ضد الشعب الفلسطيني بكل فئاته ومقوماته. وعليه، فإنه يقع على عاتق القوى التقدمية والقوى المحبة للسلام في دول العالم المختلفة ملاحقة ومحاكمة مجرمي الحرب الصهاينة أمام المحاكم الدولية. وينبغي على الدول التي تحترم القيم الإنسانية وتنبذ الأيديولوجيات العنصرية الاستعمارية العمل على إحياء القرار الأممي 3379 الذي يدين العقيدة الصهيونية ويقارنها بالفاشية والنازية. وعلى الدول العربية أن تعيد النظر بمواقفها الداعمة للكيان الصهيوني واتخاذ المواقف العروبية الصحيحة وأن تقطع العلاقات مع الكيان الصهيوني، ووقف محادثات التطبيع واتخاذ المواقف التي تجبر الإدارة الأمريكية على وقف حرب الإبادة.
[1] https://en.wikipedia.org/wiki/Haavara_Agreement
[2] إسرائيل شاحاك. الديانة اليهودية وتاريخ اليهود، وطأة 3000 عام. قدم له إدوارد سعيد. الطبعة الخامسة. شركة المطبوعات للتوزيع والنشر. بيروت 1999.
[3] https://www.palquest.org/ar/historictext/9988/3379قرار-الجمعية-العامة-رقم--xxx
[4] https://www.palquest.org/ar/historictext/10044/4686قرار-الجمعية-العامة-رقم-
[5] نص القرار على الآتي "تقرر الجمعية العامة نبذ الحكم الوارد في قرارها رقم 3379"
[6] إيلان بابيه. التطهير العرقي في فلسطين. ترجمة أحمد خليفة. مؤسسة الدراسات الفلسطينية. بيروت 2007.
[7] Avi Shlaim. The Iron Wall, Israel and the Arab World. Penguin Books. London 2001.

