Menu

غزة.. ما بعد الموت بقليل

نشر في مجلة الهدف العدد (74) (1548)

ليس عابراً ذلك الخبر الذي يقول إن فناني غزة يحرقون لوحاتهم ثمناً لرغيف من الخبز، ولتتحول الأحبار إلى دماء جديدة في أجساد الجوعى، لنعود لسؤال حارق في زمن المقتلة والتجويع الممنهج، جهر به أحد كتّاب غزة وأدباؤنا هو (يسري الغول)، حينما قال: يا الله كيف سنكتب عن الألم في عيون أطفالنا، فهل تحترق الكلمة أيضاً لتضيء بالوعي عقول من تبقى من الأحياء، الذين لا ينتظرون الموت، بل يلعبون معه، فالموت في وعيهم قد أصبح مألوفاً على نحو أو آخر، لا تحتاج غزة -إذن- إلى فائض اللغة ومتعاليات الألم، بقدر ما تحتاج إلى المعنى طليقاً من حبر الخواتيم واشتباك الظل والنور في اللوحة، ولا عزاء لأجناس الإبداع والفنون التي لن تقف محايدة إزاء ما يجري من -قصص موت معلن- ومازالت المخيلة الأدبية تسعى في إثر التقاط معادل ذلك، لتذهب إلى معنى المعنى، وإلى جملة لم تُكتب بعد في ذلك السطر التراجيدي الكثيف -غزة- وأخواتها، اللاتي يبتعدن عنها مسافة خفقة في القلب، وليس في القول ما يعني امتداح الألم أو التعالي عليه، لأنه ذلك الألم الذي يختمر في وعي أهل غزة/ فلسطين، سيجعل منه ذلك الوعي المكين الذي يرتقي برعشة المأساة إلى ما يشبه إلياذة جديدة يكتبها الشعب الفلسطيني على طريقته الفلسطينية الخالصة، ولتصبح في غير زمن قوة المثال التي تفسر ضحكات الأطفال المختلطة بدموعهم، وصرخات الثكالى المرتبطة برباطة جأشهم، وبسالة صلاة الشيوخ على شهدائهم الأحياء، فليس ما يجري محض موت، لنقل إنها أفعال الارتقاء بحكمة شجرة ظلت ترد الريح عن البيوت بأغصانها السامقة، وبحكمة لون تلك اللوحة التي أحرقها صانعها أملاً بصنع الرغيف، فالرغيف قضية وأكثر، كما هو الإنسان قضية وأكثر، ليس رقماً في عداد الموت، بل يذهب الشهداء أقماراً في سماء غزة تضيء ليل العجز، وتبشّر بنهارات جديدة يصرخ فيها أطفال ولدوا في حمأة الجحيم، لكنهم كبروا بسرعة من أجل سردية سيعرفها التاريخ وستتلوها الجغرافيا، وتضيف لخيال المبدعين حرية وأكثر.