Menu

حلّ الدولتين.. تسويق للوهم وإصرار على الوقوف في الجانب الخطأ من التاريخ

نعيم إبراهيم

نشر في مجلة الهدف (75) (1549)

قال رئيس وزراء المملكة المتحدة السيد "كير ستارمر" في مقال له بجريدة "الشرق الاوسط" السعودية في عددها الصادر بتاريخ 23 أيلول / سبتمبر 2025 م "من أجل إحياءِ الآمال المتلاشية لحل الدولتين، أعلنتُ، في وقت سابق، أنَّ المملكةَ المتحدة تعترف بدولةِ فلسطين ونعمل من أجل إعادة بناءِ أسس حلّ الدولتين" و" ما قلته في تصريحي ذلك ينطوي على أصداءِ التَّاريخ والتزامات أجدادِنا. فهو يعبّر عن حقّ الفلسطينيين غير القابل للتصرف لتقرير مصيرهم، وكذلك عن حاجة إسرائيلَ إلى الأمان والأمن. ويتضمَّن وعداً بالعمل من أجل مستقبل أفضل. إلا أنَّ الاعتراف في حدّ ذاته لا يغيِّر الوضع على الأرض. ومن ثم، فإنَّنا نجدّد عهدَنا ببذل تلك الجهود" .

تزامن نشر رئيس الوزراء البريطاني مقاله بالجريدة المذكورة مع انعقاد مؤتمر "حل الدولتين" بمقر الأمم المتحدة بنيويورك في اليوم نفسه واستمرار الزخم في " اعترافات دولية متلاحقة بدولة فلسطين.

رد العدو الصهيوني جاء مباشرة من قبل مسؤولين صهاينة وعلى رأسهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي قال في أكثر من مناسبة "إن اعتراف بلدان غربية عدة مؤخراً بدولة فلسطين "ليس ملزماً لإسرائيل بأي شكل ولن تكون هناك دولة فلسطينية" بينما وصفت الولايات المتحدة، اعتراف عدد من الدول الحليفة لها بالدولة الفلسطينية بأنه "استعراضي".

ومن التصريحات الأمريكية في هذا السياق أذكر على سبيل المثال وليس الحصر ما جاء على لسان المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، حيث قالت" إن الرئيس ترامب يرى أن الاعتراف بدولة فلسطين لا يسهم في الإفراج عن الرهائن في غزة، الذي يعتبره الهدف الأساسي في الوقت الراهن، كما أنه "لا يحقق شيئاً يتعلق نحو إنهاء الصراع".

إصرار بريطاني أمريكي رجعي على المساواة بين الضحية (الشعب الفلسطيني) والمجرم السارق الاحتلال الصهيوني يمثل وعد بلفور جديد بمنكهات دولية كنتيجة متوقعة لما يسمى الربيع العربي .

حلّ الدولتين:

يريد أطراف المحور الأمريكي الصهيوني الرجعي أن "يروا مستقبلاً يمكن أن يعيشَ فيه المواطنون العاديون بسلام، ويحاولون إعادةَ بناء حياتهم خالية من العنف والإرهاب، مستقبلاً يمكن أن تنعمَ فيه إسرائيلُ وكلُّ الدول العربية بعلاقات التطبيع، مستقبلاً يتمتع فيه الفلسطينيون بحقوق الإنسان وتقرير المصير، في دولة فلسطينية قادرةٍ على البقاء، وتنعم بالسلام، ويُعاد إعمارها، مستقبلاً يمكن أن تزدهرَ فيه إسرائيلُ وفلسطين - وكلُّ أطفال المنطقة في أمان وأمن والاعتراف بدولةِ فلسطين هو خطوةٌ حيويةٌ على ذلك الدرب" .

معلوم أن حل الدولتين هو حل مقترح للصراع العربي "الإسرائيلي" يقوم على تراجع العرب عن مطلب تحرير كامل فلسطين وعن حل الدولة الواحدة، ويقوم هذا الحل على أساس دولتين في فلسطين التاريخية تعيشان معًا، هما دولة فلسطين إلى جانب "إسرائيل"، وهو ما أُقِرَّ في قرار مجلس الأمن 242 بعد حرب حزيران العام 1967 وسيطرة العدو الصهيوني على باقي أراضي فلسطين التاريخية.

في العام 1917 اتخذ وعد بلفور المشؤوم وفي العام 1947 كان إعلان تقسيم فلسطين لدولتين عربية و"يهودية" وفي العام 1948 حصلت النكبة الكارثة الكبرى، ووقعت معاهدة كامب ديفيد العام 1979 ومؤتمر مدريد للسلام عقد في العام 1991 واتفاق أوسلو في العام 1993 ومعاهدة وادي عربة العام 1994 وراهناً أصدرت رئاسة المؤتمر الدولي لحل الدولتين بياناً مشتركاً مما جاء فيه أن "المؤتمر الذي انعقد في 24 أيلول 2025 أسفر عن اعتماد إعلان نيويورك الذي حظي بتأييد 142 دولة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، مؤكداً الالتزام الدولي بحل الدولتين ورسم مسار لا رجعة فيه لبناء مستقبل أفضل للفلسطينيين والإسرائيليين وشعوب المنطقة كلها".

واعتبر البيان أن "إعلان نيويورك يقدم بديلاً مبدئياً وواقعياً لدائرة العنف، داعياً المجتمع الدولي إلى الانتقال من الأقوال إلى الأفعال عبر خطوات عملية وملموسة لتنفيذ الإعلان، مرحباً بتعهدات الدول الأعضاء".

ورحب البيان "بالتعهدات التي أعلنها الرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال كلمته في المؤتمر، بما في ذلك الالتزام بالتسوية السلمية ورفض العنف والإرهاب والتأكيد على أن الدولة الفلسطينية لن تكون دولة مسلحة".

كما طالب البيان "القيادة الإسرائيلية بإعلان التزام واضح بحل الدولتين ووقف الاستيطان ومصادرة الأراضي وأعمال الضم، مشدداً على أن أي شكل من أشكال الضم يعد خطاً أحمر للمجتمع الدولي يترتب عليه عواقب جسيمة".

وأكد البيان أن "إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتحقيق سلام عادل ودائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين هو السبيل الوحيد لتحقيق الاندماج الإقليمي الكامل وفقا لقرارات الأمم المتحدة والمبادرة العربية للسلام".

لا شك أن اعتراف عدد من الدول الكبرى، ب "الدولة الفلسطينية المستقلة" وفق الإستراتيجية التي جاءت في بيان نيويورك يمثل وصمة عار جديد قديم في تاريخ المنظمة الدولية للنيل من النضال الفلسطيني ولا يخلق أملاً حقيقياً في تحقيق سلام فعلي طالما استمر الاحتلال الصهيوني لفلسطين التاريخية وأجزاء أخرى من الأراضي العربية .

لقد جاء هذا التسونامي الدبلوماسي، كما يصفه البعض، في وقت يتعرض فيه الفلسطينيون للإبادة الجماعية في غزة وللاستيلاء على بيوتهم وأراضيهم بالضفة الغربية ولفرض الواقع الصهيوني داخل الأراضي المحتلة العام 1948، مما يعني أن هذا القرار سيكون بلا معنى لأن العدو الصهيوني يحتل فلسطين كل فلسطين ويريد إقامة دولة "يهودية نقية". ولذلك يؤكد الظرفان الذاتي والموضوعي للشعب الفلسطيني ومقاومته وثورته المعاصرة أن من قرروا هذا الاعتراف يصرون على التسويق للوهم والوقوف في الجانب الخطأ من التاريخ.

 

 

فلسطين.. من البحر إلى النهر

بقدر ما حاول أصحاب هذا الحل تحشيد أكبر تأييد دولي للمشروع، بقدر ما قدموا تنازلات، لا يراها معظم الفلسطينيين مبررة، بحق المقاومة ودورها في الشراكة الفاعلة في صناعة القرار الفلسطيني دون قوالب أو إملاءات خارجية. وبغض النظر عن المواقف الدولية المتعددة من حل الدولتين، فإن الاحتلال الصهيوني تجاوز هذا الحل وانشغل عملياً بشطب الملف الفلسطيني وبفرض خطة "الحسم" بضم ما تبقى من فلسطين المحتلة وتهويدها؛ وأخذ يتبنى فكرة "السلام مقابل السلام" أو "السلام بالقوة"!.

إن المؤشرات التي ذكرتها لم تحمل جديداً في الموقف الذي تُعبر عنه معظم دول العالم تجاه قضية فلسطين منذ عشرات السنوات؛ وهي لخصت بشكل عام مئات القرارات التي صدرت عن الأمم المتحدة على مدار الـ 55 سنة الماضية؛ وسبق للمنظومة الدولية الداعمة لمسار التسوية أن شكلت مجموعات عمل سياسية واقتصادية وأمنية ومتعلقة باللاجئين بعد اتفاق أوسلو، ولكنها لم تؤدِ إلى نتيجة. كما سبق تبني "خريطة طريق" لإنشاء دولة فلسطينية سنة 2003 خلال سنتين، وانتهت بالفشل بالرغم من الرعاية الأميركية للخطة ومحاولات إنقاذ "إسرائيل" من نفسها، بعد أن رأى المجتمع الدولي أن السلوك والممارسات الإرهابية لحكومة الكيان الصهيوني ستتسبب بإشعال عناصر الغضب والتفجير في المنطقة، وبالتالي سترتد خطراً وجودياً على بقاء الكيان نفسه.

وتندرج كل الطلبات الدولية المتعلقة بالجانب الصهيوني في إطار الرغائب والدعوات والتمنيات. وليس ثمة عقوبات ولا تلويح بعقوبات رادعة لإجباره على الانصياع، لذلك سيكون إعلان نيويورك إعادة تسويق لمسار أوسلو العقيم، وإعادة إنتاج للفشل وهذا سيوفر المزيد من الوقت للاحتلال لمتابعة برامج الصهينة، بينما سيتم متابعة الجانب الفلسطيني وفق آليات عمل دقيقة ومحددة تصب في الجيب الصهيوني، وتتابع الدور الوظيفي لسلطة رام الله في خدمة الاحتلال وسيتم ملاحقة قوى المقاومة الفلسطينية التي تمارس حقها الطبيعي والشرعي في المقاومة وتحرير أرضها من الاحتلال الصهيوني!

على ضوء ما تقدم وكنتيجة حتمية للصراع الوجودي بين الأمة العربية والعدو الصهيوني ينبغي أن يستحوذ تحرير فلسطين كل فلسطين على الوعي الجمعي والسياسي العالمي وأن تتخذ قرارات دولية تاريخية تضمن قيام دولة فلسطينية من البحر إلى النهر. ومن يحاول فرض حلول أخرى ناقصة يقع في إسار الوهم ليس إلا، فما أخذ بالقوة لا يسترد بغيرها .