وكالة أنباء (أسوشيتد برس) الأمريكية بقلم: جينيفر بيلتز، آدم جيلر / 27 سبتمبر 2025
ترجمة: نور نوارة
محاطًا بالمنتقدين والمتظاهرين في الأمم المتحدة، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لزعماء العالم يوم الجمعة إن بلاده "يجب أن تُنهي المهمة" ضد حركة حماس في غزة، مُلقيًا خطابًا متحديًا رغم تزايد العزلة الدولية نتيجة رفضه إنهاء الحرب المدمرة. وأضاف: "قد يكون القادة الغربيون قد خضعوا للضغط، لكن أضمن لكم أمرًا واحدًا: إسرائيل لن تفعل ذلك."
كان خطاب نتنياهو موجّهًا بالقدر نفسه إلى جمهوره الداخلي المنقسم بشكل متزايد كما إلى المجتمع الدولي، وبدأ بعد أن غادر عشرات المندوبين من دول مختلفة قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة بشكل جماعي صباح الجمعة عند بدئه بالكلام.
وردًا على القرارات الأخيرة لعدد من الدول بالاعتراف بدولة فلسطينية، قال نتنياهو: "إن قراركم المخزي سيشجع الإرهاب ضد اليهود وضد الأبرياء في كل مكان."
وأثناء حديثه، ترددت هتافات غير مفهومة في أرجاء القاعة، بينما جاء التصفيق من بعض أنصاره في الشرفات. المقاعد المخصصة للولايات المتحدة – التي تدعم نتنياهو في حملته ضد حماس – وللمملكة المتحدة، شغلها دبلوماسيون من الصف الثاني بدلاً من سفراء أو مسؤولين رفيعي المستوى. كثير من المقاعد كانت فارغة؛ وإلى جانب المقاعد الشاغرة ل إيران وُضعت مجموعة صور لأطفال قالت طهران إنهم قُتلوا خلال حرب إسرائيل هناك في يونيو.
قال نتنياهو: "معاداة السامية عصيّة على الزوال. في الواقع، هي لا تزول أبدًا"، مكرّرًا اتهاماته الروتينية لمعارضيه باللاسامية.
يواجه نتنياهو عزلة دولية، واتهامات بارتكاب جرائم حرب، وضغوطًا متزايدة لإنهاء صراع يواصل تصعيده. وكان خطابه يوم الجمعة فرصة له للرد من على أكبر منصة في المجتمع الدولي.
استغل نتنياهو الخطاب ليصور غزة باعتبارها الجبهة الأخيرة المتبقية في حرب أوسع، معدّدًا العمليات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة لاستهداف أعدائها واحتواء التهديدات لأمنها في إيران ولبنان و سوريا واليمن.
وقال إن تلك الجهود قد "فتحت آفاقًا للسلام"، مشيرًا إلى أن إسرائيل بدأت مفاوضات مع سوريا للتوصل إلى ترتيبات أمنية مع الحكومة الجديدة في دمشق. وأضاف أن التحدي الأخير هو استئصال ما وصفه بـ "البقايا الأخيرة من حركة حماس."
وأشاد مرارًا بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، حليفه الرئيسي في نهجه السياسي والعسكري في المنطقة.
وسائل إيضاح وبثّ الخطاب
كما جرت عادته في الأمم المتحدة، رفع نتنياهو وسائل إيضاح مرئية – من بينها خريطة للمنطقة بعنوان "اللعنة"، تُظهر التحديات التي تواجهها إسرائيل في جوارها. قام بتعليمها بعلامة بارزة. وكان يرتدي دبوسًا عليه رمز QR يؤدي إلى موقع إلكتروني عن هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، الذي أشعل الحرب وعن الرهائن الإسرائيليين الذين احتجزتهم الحركة.
وفي ما وصفه بمحاولة للوصول إلى الأسرى المحتجزين في غزة، نصبت الحكومة الإسرائيلية مكبرات صوت لبث الخطاب داخل القطاع، رغم أن الجيش دفع الفلسطينيين بعيدًا عن حدوده. كما ادعى مكتب رئيس الوزراء أن الجيش الإسرائيلي استولى على الهواتف المحمولة في غزة لبثّ رسالته، إلا أن صحفيي "أسوشيتد برس" داخل غزة لم يرصدوا أي دليل فوري على ذلك.
وفي وادي غزة – قرب مدينة غزة حيث شنّت إسرائيل عملية برية كبرى أخرى مطلع الشهر – تابع الفلسطينيون الخطاب بمزيج من الإنهاك والتشبث بأملهم القديم في إقامة دولتهم.
قال منير طالب، النازح من مدينة غزة: "سواء أعجبه ذلك أم لا، عاجلاً أم آجلاً سيحصل الشعب الفلسطيني على استقلاله."
وعبّر أمجد عبد الدايم عن مشاعر مماثلة لكنه أضاف: "نحن منهكون نفسيًا وجسديًا وأخلاقيًا وماليًا من كل شيء... عندما يقول إنه يريد مواصلة الحرب للقضاء على أفراد حماس أو حركة حماس أو حكومة حماس، لا أرى سوى أن الحرب مستمرة ضد فقراء مثلنا."
بدورها، اتهمت حماس نتنياهو بتلفيق ذرائع لمواصلة الحرب، وقالت في بيان على موقعها: "لو كان حقًا مهتمًا بأسراه، لكان أوقف قصفه الوحشي ومجازره الإبادية وتدميره لمدينة غزة. لكنه بدلاً من ذلك يكذب ويواصل تعريض حياتهم للخطر."
خطاب تحت المجهر
لطالما كان خطاب نتنياهو السنوي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة محل متابعة لصيقة، واعتراضات متكررة، ونبرة حادة، وأحيانًا ساحة لاتهامات دراماتيكية. لكن هذه المرة، كانت الرهانات أعلى من أي وقت مضى بالنسبة له.
ففي الأيام الأخيرة، أعلنت أستراليا وكندا وفرنسا والمملكة المتحدة ودول أخرى اعترافها بدولة فلسطينية مستقلة. والاتحاد الأوروبي يدرس فرض رسوم جمركية وعقوبات على إسرائيل. كما صوّتت الجمعية العامة هذا الشهر على قرار غير ملزم يحث إسرائيل على الالتزام بإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وهو ما رفضه نتنياهو تمامًا.
وأصدر المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف تتهم نتنياهو بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وهو ينفي ذلك. كما تنظر أعلى محكمة في الأمم المتحدة في اتهام جنوب أفريقيا لإسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة، وهو ما ترفضه تل أبيب بشدة.
وفي الوقت الذي كان نتنياهو يلقي كلمته يوم الجمعة، تجمع مئات المتظاهرين المؤيدين ل فلسطين على بُعد بضعة شوارع من مقر الأمم المتحدة الخاضع لإجراءات أمنية مشددة.
قالت نداء لافي، إحدى منظّمات حركة الشباب الفلسطيني: "لقد اختارت إسرائيل حربًا ضد كل إنسان صاحب ضمير في هذا العالم"، ما أثار هتافات "عار" من الحشد المتزايد.
أما منظمة "UN Watch"، الداعمة لإسرائيل منذ زمن طويل، فقد رحبت بخطاب نتنياهو. وقال مديرها التنفيذي، هيليل نوير: "لقد حمل خطابه نغمتين متوازيتين: التحدي في مواجهة الإرهاب، لكن أيضًا رؤية للسلام مع الجيران العرب، وحتى مع إيران حرّة يومًا ما."
تزايد المعارضة لنهج نتنياهو
في جلسة خاصة لمجلس الأمن هذا الأسبوع، أعربت دولة تلو الأخرى عن فزعها من هجوم حماس عام 2023 الذي أودى بحياة نحو 1,200 شخص في إسرائيل، وأسفر عن خطف 251 شخصًا، وأشعل الحرب. لكن كثيرًا من المندوبين انتقدوا لاحقًا الرد الإسرائيلي ودعوا إلى وقف فوري لإطلاق النار في غزة وإدخال المساعدات.
وقد أودى الهجوم الإسرائيلي الواسع بحياة أكثر من 65 ألف فلسطيني في غزة وشرّد 90% من سكانها، مع ازدياد عدد من يواجهون خطر المجاعة.
في الوقت نفسه، تعترف أكثر من 150 دولة الآن بدولة فلسطين، بينما لم تفعل الولايات المتحدة ذلك بعد، مقدمة دعمًا قويًا لإسرائيل. ومع ذلك، أشار ترامب يوم الخميس إلى وجود حدود لهذا الدعم، قائلًا للصحفيين في واشنطن إنه لن يسمح لإسرائيل بضم الضفة الغربية المحتلة.
ولم تعلن إسرائيل عن مثل هذه الخطوة، لكن عدة شخصيات بارزة في حكومة نتنياهو دعت إلى تنفيذها. وقد وافق المسؤولون مؤخرًا على مشروع استيطاني مثير للجدل من شأنه فعليًا تقسيم الضفة الغربية إلى نصفين، وهي خطوة يقول منتقدوها إنها قد تقضي على فرص إقامة دولة فلسطينية. ومن المقرر أن يلتقي ترامب ونتنياهو يوم الاثنين، وقد كتب ترامب على وسائل التواصل يوم الجمعة أن "مناقشات ملهمة ومثمرة" و"مفاوضات مكثفة" بشأن غزة جارية مع دول في المنطقة.
وفي وقت لاحق من الجمعة، اجتمع نتنياهو مع وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان. وقد أشارت الإمارات إلى أن أي ضم إسرائيلي للضفة الغربية قد يؤثر على اتفاق الاعتراف الدبلوماسي بين البلدين المعروف بـ "اتفاقيات إبراهام."
أما الرئيس الفلسطيني محمود عباس فقد ألقى خطابًا عبر الفيديو أمام الجمعية العامة يوم الخميس، رحب فيه بالاعترافات الأخيرة بدولة فلسطين لكنه دعا العالم إلى بذل المزيد. عباس يقود السلطة الفلسطينية المعترف بها دوليًا، والتي تدير أجزاء من الضفة الغربية.
وكانت إسرائيل قد احتلت الضفة الغربية و القدس الشرقية وقطاع غزة في حرب الشرق الأوسط عام 1967، ثم انسحبت من غزة عام 2005. ويطالب الفلسطينيون بهذه الأراضي الثلاثة لتشكيل دولتهم المنشودة – فيما يُعرف بـ "حل الدولتين." لكن نتنياهو يؤكد أن إقامة دولة فلسطينية ستعني مكافأة حركة حماس.
وفي ختام خطابه، شدّد نتنياهو على أن إسرائيل تخوض حربًا ضد "الإسلام الراديكالي" نيابة عن جميع الأمم.
وقال: "أنتم تعلمون في قرارة أنفسكم أن إسرائيل تقاتل معركتكم."

