لم يكن القائد الفلسطيني الجبهاوي عمر النايف أول الشهداء ولا هو آخرهم، ولكن اغتياله بالطريقة وفي المكان الذي وقعت فيه الجريمة، تضع الكل الفلسطيني أمام الحقائق المرة.
ليس لنا أن نستعيد المعزوفة المعروفة عن وحشية الاحتلال فقد باتت من نوافل القول، ولكن ثمة ما يضعنا أمام حقيقة أخرى، وهي أن الاحتلال، غيرَ مؤتمنٍ ولا مجال للثقة به، ولا المراهنة على التزامه بأية اتفاقيات أو أخلاقيات.
بعد ستة وعشرين عاماً من نجاح المناضل عمر النايف من الهروب من سجنه إلى خارج البلاد، وإقامته في بلغاريا، تعود اليد المجرمة لملاحقته، وإعدامه ميدانياً
هكذا تفعل إسرائيل مع معظم المحرَّرين الذين تضطر للإفراج عنهم في صفقات التبادل، حيث يتحولوا إلى مُطاردين، فإما أن تعود لاغتيالهم، أو اعتقالهم أو أقلها التنغيص على حياتهم.
هذا هو العدو الذي يقاتله الشعب الفلسطيني من أجل انتزاع حريته، وهذه هي طبيعته في آخر صورها، طبيعة إرهابية عنصرية، في دولة خارجة عن القانون معتمدة على حماية من أسسوها، ومن ضمنوا استمرارها، وشجعوا إرهابها وجرائمها، ولكن كيف للقتلة أن ينجحوا في تحقيق هدفهم الذي يقيم في سفارة تحظى بحصانة دبلوماسية ويقف على أبوابها ومن حولها حُراس بُلغار وآخرون فلسطينيون؟
كيف لدولة تحترم نفسها، أن تسمح بوقوع مثل هذه الجريمة على أراضيها؟ وأن تسمح بانتهاك سيادتها وكرامتها بدون أن تتخذ إجراءً عقابياً لهذه الدولة التي يقيمون معها علاقات دبلوماسية؟
السلوك البلغاري في مثل هذه الحالات مقروء سلفاً، ولن يخرج عن توجيه الإدانة اللفظية ضد مجهول، والاكتفاء بوعود كاذبة لاجراء تحقيقات لا تنتهي إلى شيء.
إذا لم يكن الأمن البلغاري مشاركاً أو متواطئاً فإنه يعرف بالتأكيد، الجهة التي نفذت الجريمة، وأفلت مرتكبوها من العقاب.
غير أن سؤالاً آخر يعود إلى الفلسطينيين، فالقانون لا يحمي الضعفاء ولا يتوقع أحد في هذا الكون أن يحظى باحترام وتقدير الآخرين، ما لم يحترم ذاته، لا نتوقع ونحن في مثل هذا الحال أن تتخذ السلطة أو منظمة التحرير إجراءً احتجاجياً ضد الدولة البلغارية، ولكن ثمة ما يدعو للشك في أن للسفارة الفلسطينية، أو بعض موظفيها دوراً في وقوع الجريمة.
لا نعلم أن قفلاً قد كسر، أو باباً أو نافذة، ولا نعلم أن أحداً تعرّض للقتلة، فكيف تقع جريمة من هذا المستوى البشع دون أن يشعر بها أحد؟ ومن يصدق أصلاً أن السفارة كانت بلا حراس، تخلو من كاميرات المراقبة؟
الرئيس الفلسطيني الذي شعر بهول الصدمة، أمر بتشكيل لجنة تحقيق فورية، نأمل أن لا يكون مصيرها، كما الكثير من لجان التحقيق التي فقدنا آثارها، ولم نفقد ملفاتها. على أن الأهم هو أن الوضع الفلسطيني المهلهل، يعطي المزيد من الفرص للاحتلال لكي يرتكب المزيد من الجرائم. فهل من يقف بجدية أمام استحقاقات هذه المرحلة التاريخية؟

