Menu

غزة بين الإبادة والإرادة

حاتم استانبولي

كنت اشاهد الفيلم النرويجي (الرقم 24) والذي يتناول سيرة قائد المقاومة النرويجية ضد النازية غونارسون تسيبي هذه المقاومة التي دعمتها لندن وشكلت عمقا لها في حين أن المقاومة الفلسطينية المشروعة محاصرة من اقرب الاقرباء.

تداخلت العديد من الأفكار والمشاهد و القرارات والتصريحات المتناقضة عن مشروعية المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني الإحلالي الذي يشكل الوجه العصري للفاشية والنازية.

وحضر أمامي مشاهد التهريج السياسي وبَطَلِهِ ترامب في كل من الكنيست وشرم الشيخ  في مشهدين يؤكد في الأول عن دوره وإدارته في قيادة حرب الإبادة على الشعوب ومقاومتها في كل الميادين خاصة في غزة وشارك في الاستعراض المجرم نتنياهو قائد عمليات الإبادة الإجرامية في الشرق الأوسط  الذي تباهى بالدعم الغير محدود المالي والعسكري والسياسي في المحافل الدولية ليكرمه بأعلى وسام في دولة الاحتلال الإسرائيلي الإحلالي الصهيوني.

أما في شرم الشيخ فقد اجتمع خليط من التابعين ينتظرون حضور المهرج الذي تأخر أربع ساعات عن حفلة التهريج تحت يافطة مؤتمر السلام في شرم الشيخ ليعلن عن تكريم ترامب بوسام النيل اعلى وسام في مصر.

مؤتمر شرم الشيخ جاء انقلابا للصورة التي ظهرت في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة  التي أكدت على الحق الفلسطيني في تقرير مصيره وأحقيته في إقامة دولته الفلسطينية.

مؤتمر شرم الشيخ أسقط هذا الحق بل اكد على ان السلام بالمفهوم الأمريكي الاسرائيلي هو عبر القوة التي تفاخر في ممارستها كل من ترامب ووكيل اعماله الاجرامية في الشرق الاوسط المجرم نتنياهو وعصاباته الصهيونية.

مؤتمر شرم الشيخ هو في الجوهر جلسة احتفالية للانتهاء من الأعمال التمهيدية للمشروع العقاري الترامبي ولا يحمل اية معاني لمفهوم السلام بل هو ترويج لاتفاق وقف إطلاق نار باتجاه واحد لذر الرماد في العيون لتهدئة الميادين الغاضبة من حجم التآمر والإبادة التي أعلن ترامب وبشكل لا لبس فيه عن دوره المباشر في عمليات القتل الاجرامي خارج إطار وأسس القانون الدولي والإنساني وافتخر بمنظومة أسلحته التي استخدمها بكل حرفية جيش الاحتلال الإحلالي الإسرائيلي في عمليات الابادة الجماعية في غزة إضافة الى العدوان على كل من لبنان والعراق و اليمن وسوريا وإيران.

هذين المشهدين قابلهما المشهد الشعبي الفلسطيني في عودته الى غزة المدينة وشمالها في زحف معاكس للهجرة القسرية التي فرضتها حرب الإبادة في تكرار لذات المشهد في التبادل الاول للأسرى.

هذا المشهد الذي فرض ايقاع اليوم التالي للحرب على غزة انه يوما شعبيا فلسطينيا بامتياز.

هذا المشهد الذي تكرر رافضاً النزوح وإعادة التوطين أو الخروج من غزة وأرضها وأكد أن المواجهة هي بين الإبادة والإرادة.

بين مشهد الكنيست وشرم الشيخ ومشهد العودة إلى الشمال يوضح جوهر التناقض بين مرتكبي الإبادة الجماعية وداعميهم علنا وسرا وبين ارادة مقاومة الشعب الفلسطيني بكل أطيافه ليعيد تأكيد أن جوهر الصراع يتمحور حول الحق الفلسطيني في العودة لاسترداد حقوقه الوطنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ويضع كل المجتمعين في شرم كنيست الشيخ امام حقيقية لا يمكن الغائها مهما ألقوا من قنابل أو اختطفوا او أسروا أو حاولوا تدمير رمزية المخيم في الضفة والشتات فإن عدالة المخيم بكل جوانبها ستتحقق بعد السقوط المدوي للسردية الصهيونية التي عملت على فرضها المنظومة الرأسمالية الصهيونية وأدواتها السياسية الاقليمية والمحلية على مدى مائة عام.

هذا المشهد للنهر الشعبي الهادر الذي ركب سفينة العودة التي بنيت من جثامين الشهداء  وحملها سيل من دمائهم وكتب على جدرانها أسماء المفقودين والمخطوفين والأسرى في تحدي صارخ معلن لكل أنواع ووسائل وأشكال وأدوات الإبادة الجماعية  اعطى رسالة أن الشعب الفلسطيني يؤكد وقوفه مع مقاومته بكل انجازاتها واخطائها.

هذا المشهد اربك ترامب ومجموعته ووضع خطته التي يريد منها تحقيق جوهر مشروعه الذي كان وضعه في صفقة القرن بما يخص غزة ومقاومتها أمام خيارين إما يوعز لوكيل اعماله الاجرامية بالعودة لحرب الإبادة ولكن على الطريقة اللبنانية من خلال إعادة استخدام الماء والغذاء والدواء كوسيلة للضغط مترافقة مع حملة إعلامية في وسائل الإعلام العربية المتصهينة  لتحميل المقاومة أسباب استمرار المعاناة الإنسانية والترويج بأن إعادة الإعمار لن تتم إلا بالمشاركة في تصفية المقاومة عبر دعم وحماية أية مجموعات تبدي استعدادا لمحاربة المقاومة.

أما الخيار الثاني الأخطر هو الضغط على بعض الدول من أجل فتح ممر للتهجير في عودة إلى رؤيته الأولى في بداية الحرب وسيعيد الترويج للخطة عبر مستشاريه الذين سوف يطرحون ان استمرار العيش لن يكون ممكنا في ظل إعادة الإعمار الذي يتطلب تفريغ المكان المدمر من البشر.

وسيعمل على الضغط على الحكومات من أجل استقبال مؤقت للفلسطينيين حتى يتسنى إعادة الإعمار والعودة في تكرار للصورة التي روجت في جريمة النكبة الاولى عام ١٩٤٨.

هذا يفرض على المقاومة الفلسطينية أن تسرع في تشكيل رؤية مستقبلية واضحة المعالم حول إعادة الإعمار التي تفرض أول خطوة قانونية حقوقية في توثيق الحقوق المدنية لكل فرد وعائلة بالعودة الى السجلات العقارية والتجارية وحصرها.

العمل على اعطاء ارقام حول المفقودين والشهداء والأسرى  وتشكيل لجنة قانونية حقوقية تتضمن أطباء وحقوقيون ومهندسين وصحفيين وإعلاميين مختصين في علم الاجتماع بكل فروعه من اطفال ونساء ومعاقين لكي يقوموا بالتواصل مع المنظمات الدولية القانونية لتوثيق كل الانتهاكات التي يمارسها جيش الاحتلال الصهيوني وحكومته وكل من شارك في دعم وإسناد حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني.

أهمية التعليم تتطلب إنشاء مراكز  تعليمية مؤقتة للاطفال والطلب من المنظمات الدولية للمساعدة في تسجيل الطلبة الفلسطينيين في دورات تعليمية وجامعية للمساعدة في إتمام تعليمهم من غزة في إطار الحفاظ على المكان.

الجانب السياسي يتطلب رفع وتيرة المطالبة في محاسبة حكومة الاحتلال وجيشها أمام المحاكم الدولية تنفيذا لمذكرات التوقيف والمطالبة بإدراج قادة الجيش والوزراء جميعا كمجرمي حرب يجب تسليمهم للعدالة الدولية.

أما على المستوى الداخلي فإن توسيع المشاركة السياسية في اتخاذ القرارات السياسية والميدانية لتعميق الوحدة من أجل حماية المقاومة وظهرها يعتبر من الأولويات الملحة من أجل مجابهة واسعة للحملة الشرسة التي تتصاعد ضد المقاومة وجدواها في عملية التحرير الوطني.

اهمية الحفاظ على الزخم الشعبي الدولي المساند للحق الفلسطيني وتطويره وتنظيمه في أطر قانونية تحمل اسماء الاطفال والنساء الشهداء في إطار الدفاع عن حقوقهم والمطالبة في تحميل الاحتلال وداعميه تكاليف عدوانه من خلال رفع دعاوى لمعالجة المتضررين جسديا من حرب الإبادة.

أبرزت التجربة أن حملة المقاطعة للاحتلال والشركات الداعمة له كانت فعالة بحيث جعلت الشركات في مأزق اقتصادي واخلاقي ووضع الحكومات تحت ضغوط من أجل مقاطعة المنتجات الصهيونية.

إن دعم وتطوير وسائل المقاطعة الشعبية والرسمية تعتبر من أهم المعارك التي يجب أن يستمر في خوضها ضد المنظومة الرأسمالية الصهيونية التي تجمع ثرواتها من المواطنين العاديين أن الإنسان والتوجه إليه بشكل فردي وجمعي هو أهم سلاح للمقاطعة عبر التوضيح أن كل ثمن يدفعه للشركات الداعمة للكيان هو مساهمة في حرب الابادة.

المواجهة الأصعب الآن هي كشف كل الخطوات التي تغلف بالانسانية والتي سوف تستثمر في الحاجيات الانسانية المعيشية للفلسطينيين التي جوهرها هو التهجير والترحيل والاستيلاء على المكان عبر الزمان.

مؤتمر كنيست الشيخ كشف أن جوهر أسباب الحرب ليس السابع من أكتوبر بل هو إنجاز البند المتعلق بغزة في مشروع ترامب للاستثمار والسلام والذي أطلق عليه صفقة القرن التي أعلن عنها في زيارته الاولى الى الرياض أمام ٥٥ دولة عربية وإسلامية اجتمعت للترحيب بنجاحه في الدورة الانتخابية الأولى.