عندما أغلقت سلسلة متاجر كارفور آخر محلاتها ب البحرين في سبتمبر/ايلول الماضي، شعر مقاطعوا هذه المتاجر بالفخر والإعتزاز بهذا الانجاز، وإن كان نسبيا، حيث تأكدت أهمية مقاطعة الكيان وداعميه كسلاح يمكنه التأثير في ساحة المعركة، ويكون أكثر فعالية كلما اتسع واستثمر بشكل يوجع داعمي الإحتلال الصهيوني. سبقت البحرين في الاغلاق كل من الأردن وسلطنة عمان وجائت الكويت لتكمل الحلقة بعد البحرين بأيام، حيث اغلقت المجموعة فروعها هناك بعد أن شاهد العالم حافلاتها وهي توزع الوجبات الساخنة على جنود الإحتلال وهم يرتكبون جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. امتدت المقاطعة خارج اقطار الوطن العربي ووصلت إيطاليا التي اجبر شعبها "كارفور" على بيع عملياتها في إيطاليا مقابل مليار دولار، بدعوى "مراجعة إستراتيجية أعمالها بعد تكبدها خسائر تشغيلية بلغت 67 مليون يورو عام 2024". ورغم محاولات التقليل من تأثير المقاطعة بالحملات الاعلانية والتسويقية، إلا أن آثار المقاطعة كانت واضحة في تقارير العديد من الشركات العالمية، بل أن بعضها ادرج كلمة "المقاطعة في تقاريرها المالية السنوية، مصحوبة بتراجع اسعار أسهم العديد منها بمعدل يتراوح ما بين 10 بالمئة و15 بالمئة، الأمر الذي جعل المقاطعة جزء من المشهد الاقتصادي المؤرق لداعمي الكيان.
قضية المقاطعة ليست جديدة، فقد سبق للدول العربية وأن أسست "مكتب مقاطعة إسرائيل" في كل العواصم، وكان قرارا صائبا ساهم في منع تدفق البضائع الصهيونية للأسواق العربية، إلا أن اتفاقات التطبيع بين الكيان وبعض الدول العربية وجهت طعنة في الخاصرة للفعل الرسمي العربي، ما قاد المجتمعات الأهلية والشعبية لأخذ زمام المبادرة والبدء في حملات مقاطعة البضائع الصهيونية وداعمي الكيان برزت بشكل أكثر وضوح بعد اتفاقيات التطبيع وخصوصا في الألفية الثالثة، فقد تشكلت منظمات شعبية لمقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني كما هو الحال في البحرين والكويت مطلع الالفية، وتشكيل تحالفات شعبية خليجية لمقاومة التطبيع اسفرت عن إحداث فارق في التوعية بالقضية الفلسطينية وزيادة أعداد المتضامنين والداعمين لها، لوحظ في المساهمة الأهلية الخليجية في اسطول الصمود العالمي.
وفي فلسطين والشتات تشكل في العام 2005 تحالف مكون من أكثر من 170 منظمة مجتمع مدني "حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها-BDS"، وأخذت امتدادتها العالمية مع إمعان الاحتلال في تنفيذ سياسة الفصل العنصري والتطهير العرقي والإبادة الجماعية الممنهجة.
في هذا الصدد كتبت الأكاديمية الأمريكية والناشطة آنجيلا ديفيس، بعد زيارتها لفلسطين قائلة: "لقد صُعقنا جميعاً – بمن في ذلك أولئك الذين نشأوا في الجنوب [الأمريكي] إبان قوانين جيم كرو وفي جنوب أفريقيا أيام نظام الفصل العنصري وفي المحميات الهندية في الولايات المتحدة – بما شاهدناه. ولذلك نصدر دعوة ملحة لأولئك الذين يشاركون التزامنا بالعدالة العرقية والمساواة والحرية، ونعلن صراحة عن دعمنا لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات BDS".
وأصبحت حركة مقاطعة إسرائيل BDS تحظى بدعم اتحادات ونقابات وأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني الدولي وحركات شعبية وغيرها من الجهات التي تمثل الملايين من الأعضاء عبر كافة قارات العالم، كما تؤيدها شخصيات مؤثرة في الرأي العام، حتى أن رئيس الأساقفة، دزموند توتو، الجنوب افريقي داعما لحركة المقاطعة، كتب: "مثلما كان غير مقبول في فترة نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) بأن يقدم الفنانون العالميون العروض في جنوب إفريقيا في مجتمع قائم على القوانين التمييزية والتفضيل العرقي فإنه من غير المقبول أن تقدم أوبرا كيب تاون العروض في إسرائيل".
فعل الطوفان وجذوره
لم يأت الطوفان من فراغ، ولم يكن السابع من أكتوبر 2023 يوما عاديا كغيره من الأيام في غزة وعموم فلسطين والوطن العربي والعالم. كان طوفانا قلب كل الموازين وكشف الكثير من الحقائق التي كانت مطمورة تحت غبار الصمت والتنكيل والمؤامرات للدرجة التي كادت فيها قضية فلسطين أن تندثر بين ركام المشاريع التصفوية واستهداف كل ما هو فلسطيني وإعلاء كل ما هو صهيوني. مقدمات هذا المشروع ليست جديدة، بل هي قدم المشروع الصهيوني نفسه وبدء تجسيده على الأرض منذ نهاية القرن التاسع عشر مع عقد الحركة الصهيونية مؤتمرها المشؤوم في بازل السويسرية، ثم جاءت معاهدة سايكس بيكو (1916) لتعبد الطريق لوعد بلفور المشؤوم (1917) الذي فتح باب الهجرة اليهودية لفلسطين، ما فجر ثورات اهمها ثورة 1936، حتى جاء التقسيم بمؤامرة اقليمية دولية لتأسيس الدولة الصهيونية في خاصرة الوطن العربي (1948) وإقامة قاعدة عسكرية ثابتة للدول الرأسمالية الكبرى التي كانت بريطانيا تقودها وتمارس الاحتلال تحت يافطة الانتداب التي سهلت سلطاته تهجير اليهود من أصقاع الدنيا لفلسطين، ثم تسلمت الولايات المتحدة دفة قيادة العالم الرأسمالي على انقاض الحرب العالمية الثانية.
كانت حرب الأيام الستة في يونيو 1967 قد انتهت بنكسة المشروع القومي الناصري العربي، حيث تبعتها مجازر إيلول في الأردن بعد ثلاث سنوات. وكانت حرب الاستنزاف التي قادت لحرب أكتوبر (1973) وانتصار العرب فيها عسكريا إحد إنجازات عبدالناصر الذي كان يستعد لها، لكن الوفاة المفاجأة ورحيله لم تمكنه من اتمام المشروع التحرري. كانت الهزيمة السياسية بانتظار الأمة في اتفاقية كامب ديفيد (1978) التي أصلت لتصدع جدار الصد العربي وفتح الباب واسعا لعملية التطبيع وعقد اتفاقيات ومعاهدات مع الكيان الصهيوني فضلا عن اطلاق يده للبطش والقتل والاحتلال، فكان الغزو الأول لجنوب لبنان (1978) بذريعة إبعاد مقاتلي الثورة الفلسطينية عن المستوطنات الصهيونية، ثم جاء الغزو الكبير في صيف 1982 وخروج قوات الثورة من بيروت، وتلاها مجازر صبرا وشاتيلا، لتدخل المنطقة في حقبة مظلمة مع اشتداد مدافع الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) ومن ثم غزو الجيش العراقي للكويت في صيف 1990.
كان مؤتمر مدريد (1991) أحد أهم المحطات المفصلية في عملية الصراع العربي الصهيوني، فقد جمّعت الولايات المتحدة الدول العربية والكيان الصهيوني على طاولة واحدة، وفرضت معادلاتها على الجميع. وهي معادلة كان السادات يروج لها مع بداية المفاوضات منتصف السبعينات ومفادها أن "99 بالمئة من أوراق اللعبة في يد امريكا". تدحرجت كرة ثلج التطبيع وانتجت اتفاق أوسلو الكارثي في 1993، وتبعها اتفاقية وادي عربة مع الأردن، وبالتوازي كانت المكاتب التجارية والتمثيلية تفتح للكيان في العواصم العربية ومنها الخليجية، بل ومشاركة الوفود الصهيونية في المؤاتمرات التي كانت تعقد في هذه العواصم، فضلا عن اللقاءات التي بدأت سرية بين زعامات عربية وبين قادة الكيان ثم تحولت إلى لقاءات علنية يتم التفاخر بها وتترجم في إدخال اليهود في مؤسسات الدول العربية اللاهثة وراء التطبيع مع العدو الصهيوني.
وبينما كان الليل الدامس يخيم على سماء الوطن العربي، كانت المقاومة اللبنانية تخوض معارك كسر عظم مع الكيان. البداية مع انطلاقة جبهة المقاومة اللبنانية (سبتمبر1982) والتي طردت الإحتلال من العاصمة بيروت بعد عمليات بطولية ضد الاحتلال، واستمرت في التسعينات حتى مايو 2000 عندما هرب جنود الاحتلال وعملائهم من الجنوب اللبناني على ضربات المقاومين الذين لم يمهلوا جنود العدو من لبس سراويلهم الداخلية قبل الهروب، وفق توصيف الصحافة الصهيونية. وكان عدوان 2006 على الجنوب وبيروت محطة أخرى قاومت فيه العين المقاومة المخرز الصهيوني وفرضت معادلات ردع سببت ارتياح عام في لبنان.
تفتت وتيه
بعد الربيع العربي بداية العقد الثاني من الالفية الثالثة، تفتت العديد من الدول العربية: العراق الذي خضع لحصار دام 13 عاما ثم الغزو الامريكي لأراضيه، سورية وبدء الحرب عليه وفيه، ليبيا وتفتتها إلى ولايات قبلية ومناطقية، السودان وتشردمه وغرقه في حرب طاحنة لاتزال تحرق الأخضر واليابس، اليمن وعودة تشطيره واقتطاع اراض منه لصالح المخططات الكبرى. ولأن طبيعة العدو توسعية واستئصالية واقتلاعية، فقد واصل عدوانه وحاصر قطاع غزة في 2007 واحكم الحصار عليه بمعاونة اصدقاءه وحلفاءه والخائفين منه واستمر الحصار الخانق واغلاق المعابر، إلا ما نذر، لمدة ستة عشر عاما، حتى بلغ السيل الزبى عند المواطن الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية، فتم إصدار قانون الدولة القومية-الدولة اليهودية الخالصة، وتواصل الاستيطان وتضاعف بعد اتفاق اوسلو وبلغ مداه في الاعتداءات المتكررة على المسجد الاقصى بشكل شبه يومي والتحكم في مداخله ومخارجه وتسارعت عملية تهويد القدس على مرمى ومسمع من لجنة القدس المنبثقة عن الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.
عندما جاء طوفان الاقصى، كانت غزة تموت ببطئ والحياة فيها تتقلص والإعتداءات على الأقصى تتضاعف، ولم يكن أمام الغزيون، وهم الذين واجهوا حروبا لم تتوقف منذ 2009، وفي ظل تراجع القضية الفلسطينية وتمدد التطبيع ليكون هو السائد في السماء العربية بعد أن تم احياءه بما يسمى بالاتفاقات الإبراهيمية (2020) مع أربع دول عربية سبقتها ورشة القرن لتصفية القضية الفلسطينية (2019). لم يكن أمام أهل غزة إلا تلك الضربة التي كشفت وعرت الجميع ووضعتهم على حقيقتهم، بدءا من شركاء الكيان وداعميه وأصدقاءه وحلفاءه والمتواطئين معه، وصولا إلى صمت الحملان الذي يمارسه البعض الآخر دون أن يرف لهم جفن أمام هول المجازر التي لم يكن لها نظير في التاريخ الحديث، اقترفها بدم بارد جيش احتلال استيطاني اقتلاعي لا يتردد عن ارتكاب كل الجرائم ضد الإنسانية، خصوصا بعد أن كشف الطوفان زيف الجيش الذي لايقهر، وأكد مجددا أنه قاعدة لا تستطيع البقاء بذاتها ودون دعم غربي مباشر تمثل في إرسال الأساطيل والساسة ليؤكدوا وقوف واشنطن وكبرى العواصم العالمية معه، وسحبوا معهم وسائل الإعلام العالمية التي تواطئت وروجت الأكاذيب عن أبطال الطوفان، واستمرت تردد الكذبة حتى بعد افتضاح أمرها.
كانت ردة الفعل الصهيونية على الطوفان أكبر بكثير من الفعل، فجاء القرار الصهيوني المشبع بالعنصرية وإلغاء الآخر متمثلا في إزالة قطاع غزة من الوجود والعمل على المشروع الأساس: "إسرائيل" الكبرى التي تشمل كل فلسطين ونسبة كبيرة من أراضي وجبال ومياه سوريا ولبنان و مصر والسعودية، أي من الفرات إلى النيل.
انكشاف فاشية العدو وسّع المقاومة العالمية وخلق حالة من التضامن تجاوزت الحدود وكسرت القيود التي فرضتها لوبيات الكيان في الدول الغربية، فتفجرت حالة الغضب التي عاشتها الجامعات الأمريكية والأوروبية وفي آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية، وتعددت طرق مواجهة حصار غزة وتوجت بأسطول الصمود العالمي الذي شق طريقه في سبتمبر/ايلول نحو البحر بأكثر من 40 سفينة على ظهرها نحو 500 من المتضامنين المتطوعين الذين حملوا أرواحهم على أكفهم ومضوا نحو قبلة الأحرار..غزة.
إن فعل المقاطعة ليس فعلا هامشيا، فهو أصّل التربية والنشأة للجيل الصاعد الذي فاجأ العالم وتجاوز الأحزاب المترهلة والنظم المترددة وخاض معارك شرسة في بلدانه ولدعم فلسطين وكسر حصار غزة. هذا الجيل هو الذي يراهن عليه بعد أن تمكن من تأصيل فكرة المقاطعة لداعمي الكيان، والتي وجهت ضربة لداعمي الكيان، فتمكنت من إغلاق 400 فرع لشركة "ستاربكس" في الولايات المتحدة وحدها، و188 فرعا لمتاجر "زازا" في العالم، وتراجع مبيعات كولا بمعدل 10 بالمئة في الشرق الاوسط. هذا التطور قاد شركات تجارة التجزئة في العالم إلى تجنب البضائع الصهيونية تحسبا لرد فعل الجمهور المقاطع. يضاف إلى كل ذلك تجنب منتجات المستوطنات الصهيونية الزراعية والصناعية، واحجام العديد من شركات السلاح عن تزويد الكيان بالاسلحة وبدء التحسب للتعاقدات المستقبلية، وذلك بعد أن فعل طوفان الأقصى فعله الإستراتيجي الذي أعاد الوهج للقضية الفلسطينية التي كادت أن تُطَمر بين أوراق الاتفاقيات التطبيعية العربية مع الكيان الصهيوني.
الأهم في هذا الصدد هو الاستمرار في المقاطعة.

