مع إعلان وقف إطلاق النار واستئناف عملية تبادل الأسرى، دخل المشهد الفلسطيني مرحلة حرجة، تنتقل فيها الجبهة من الاشتباك العسكري إلى الاشتباك السياسي والتفاوض غير المباشر. هذه المرحلة لا يمكن أن تنجح إلا بالاستناد إلى العمل الوطني المشترك، وإرادة الشعب المقاوم المتجذرة في أرضه.
ما جرى في القاهرة لم يكن مجرد نقاش حول ترتيبات ما بعد الحرب، بل امتحانًا حقيقيًا لقدرة القوى الفلسطينية على التعامل مع نتائج الحرب بما يحافظ على المشروع الوطني. للأسف، تحوّلت القضية الفلسطينية في كثير من الأحيان من مشروع تحرري جامع إلى إدارة أزمة مستمرة تُدار من خارجها، تتصارع فيها ذهنيتان: منطق التحرر الذي يرى في المقاومة نواة الفعل السياسي، ومنطق الإدارة الذي يختزل الصراع في ترتيبات إجرائية وأمنية، أو نزاعات سلطوية على الفراغ.
برزت محاولات إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني وفق شروط إقليمية ودولية، ربطت الإعمار بشروط أمنية صارمة، وفرضت صيغًا مؤقتة تحت إشراف لجان دولية، لتبقى السيطرة على القرار الوطني مرتهنة بالمصالح الخارجية، فيما رأس السلطة ينأى بنفسه يعرقل استعادة المشروع الوطني ووحدة مؤسسات المنظمة ويتعامل معها كحق حصري له.
الاحتجاج على غياب منظمة التحرير الفلسطينية عن هذه اللقاءات امر مشروع ولكنه يفضح مأزقًا أعمق: غياب المرجعية الوطنية الجامعة. المنظمة، التي تعامل مع سنتين من الحرب، من موقع الحياد واحيانا العجز، بينما المنظمة تجسد في تجربتها الطويلة الرمز لكفاح شعبنا وقضيته وعليه نالت الشرعية وحملت المشروع التحرري، ولكنها تحوّلت إلى إطار شكلي، بينما السلطة استولت على القرار دون مقومات الشرعية، لتصبح إدارة بلا مشروع ودولة بلا سيادة.
في هذا السياق، تقدمت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في مقدمة فصائل المقاومة بموقف متماسك يرتكز على رؤية واضحة: الحل السياسي لا يمكن أن ينفصل عن منطق التحرر. الإعمار دون سيادة وانسحاب هو إعادة بناء للسجن والحصار، والمصالحة دون مشروع وطني ليست سوى هدنة بين سلطتين متنازعتين على الفراغ. ربطت الجبهة بين إعادة بناء النظام السياسي وإعادة تعريف الشرعية، بحيث تكون المقاومة ركيزة المؤسسة الوطنية، وتصبح المنظمة إطارًا جامعًا لا مجرد واجهة رمزية.
تجربة المقاومة تثبت أن الإنجاز يظل نسبياً والنصر مؤجلاً، ويكون قريباً أو بعيدًا ، بالقياس إلى قدرة حركة التحرر ان تحشد طاقاتها وتبني عناصر القوة ، ولا تهدر الإنجاز مهما كان بسيطاً ولا التضحيات وهي عظيمة وثمينة، ولكن ان تستمر لتجعل مشروع العدو خاسرًا، وتحقيق كرامة وحقوق الشعب الفلسطيني الغير قابلة للمناقصة. الخطة الأخيرة، التي أدت الى وقف اطلاق النار وتثبيته ورغم سياق العدو العدواني، يؤكد ان ثبات المقاومة والتزامها بالثوابت: وقف العدوان، انسحاب كامل، تبادل عادل للأسرى، فتح المعابر، وإعادة الإعمار.
اليوم، الرهان على المسار الوطني الفلسطيني، الذي يقوم على أساس الوحدة الوطنية، لأنها ليست خيارًا بل ضرورة حتمية. ورص الصفوف، توحيد الجهود، واستكمال الحوار الوطني هي شروط حماية الحقوق وإنجاز الاستحقاقات، وهي الضمانة الحقيقية لمستقبل فلسطيني حر، مقاوم، ومتمسك بأرضه ومشروعه الوطني.

