Menu

فلسفة العقلانية والتنوير في فكر عبد الله النديم

د. سامي الشيخ محمد

نشر في مجلة الهدف العدد (76) (1550)

 

عقلانيّة التّفكير :

 

يعتقد عبد الله النّديم* (1844-1896) بضرورة إعمال العقل في الأفكار المتوارثة والجديدة، بحيث يجري القيام بفحصها فحصاً علميّاً دقيقاً يهدف للكشف عن العناصر التّركيبيّة المكوّنة لها الضّارة منها و النّافعة، فيتمّ إقصاء كلّ ما هو ضار والتّمسّك بكلّ ما هو نافع منها . بهذهِ الرّوح النّقديّة يُمكن لشعوب الشّرق الارتقاء بفكرها وأحوالها، والشّروع في تأسيس منظومةٍ معرفيّة علميّة من الأفكار تُشَكّلُ أساساً صالحاً لبناء دولةٍ حداثيّة تستجيب لروح العصر ومتطلّباته ، فتتحقّقُ نهضةً حقيقيّة في جوانب الحياة كافّة .

 

إنَّ آليّة فحص الأفكار الاجتماعيّة والسّياسيّة والثّقافيّة تتحدّد باشتراك مُمثّلي الشّعب على مختلف انتماءاتِهِم السّياسيّة والمذهبيّة والعرقيّة ، فاختلاف الآراء والأفكار، أداةٌ مُهمّةٌ لكشف الجوانب الخاطئة وغير النّافعة فيها . الأفكار وإن كانت صّادرةً عن إنسانٍ يتّصفُ بسلوكٍ أخلاقيٍّ رفيعٍ وينطلق في رؤيته للأمور من نيّةٍ صادقةٍ وإخلاصٍ غير مشكوكٍ فيه ، ينبغي أن تخضع لفحصٍ عقليٍّ دقيق، ذلك أنَّ درب النّوايا الصّادقة مليءٌ بالعَثَرات والأخطار . وبطبيعة الحال لم تصدر دعوة عبد الله نديم للأخذ بأحكام العقل واعتمادهِ مقياساً لقياس الأفكار السّائدة في زمانه، لولا أنّهُ كان على يقين بأنَّ العديد من الأفكار والآراء المتوارثة والسّائدة تنطوي على قدْرٍ ليس بالقليل من الخطأ والضّرر، ناهيك عن توفّر الاعتقاد لديه بأنَّ الأمم الغربيّة النّاهضة ما كان لها أن تنهضَ لولا أنّها نفضت عنها غبار الجهل واتّبعت سبيل النّظر العقليّ في أفكارها تحت تأثير الفلسفات العقليّة النّقديّة فيها :" نحن معاشر الشّرقيّين في حاجةٍ إلى نقد الأفكار وتفتيش الآراء حتّى فيما يصدر منّا في الشّؤون الأهليّة، لنبذ الضّار والأخذ بالنّافع . فقد يصدر الرّأي من إنسان عن الإخلاص ويكون قد تلوّت عليهِ المطالب، فيخرج الرّأي فطيراً يضرّنا الأخذ به وإن كان صاحبهُ لم يقصد الضّرر .. وقد درست الأمم الغربيّة هذهِ المقدّمات .. فاعتمدت على مجالس شوراها لتستخلص من تضارب الأفكار واختلاف الأحزاب قواعد لا تنقضها الحوادث وقوانين تلائم التّابع والمتبوع وتبقى بها دعائم الدّولة قائمة على أساسٍ متين ." ( الفكر العربي الحديث ، ص 202،203) . لقد أيقن عبد الله النّديم أنَّ نهضة بلاده وتقدّمها رهنٌ بالقضاء على الجهل والأوهام ، وإظهار الاحترام والتّقدير للعلماء بوصفهم رُسل التّنوير الحقيقيّين في المجتمع :" إنَّ " التّنكيت " _ أي الجريدة _ تدين الجهل والأوهام " و" إنَّ إهانة العلماء هي أوَّل علامات انحطاط البلاد . والجهلُ هو سبب كلّ الرّزايا " ( الفكر الاجتماعي والسّياسي الحديث [في لبنان و سوريا ومصر] ، ص 199) .

 

الإرادة المنفعلة :

 

لم يبعث الحال العربي أدنى قدْرٍ من التفاؤل والأمل في عقلِ ونفس عبد الله نديم، فبينما أفلحت المجتمعات الغربيّة في النّهوض والتّقدّم في حقول الحياة المختلفة، لم تتمكّن المجتمعات العربيّة من تجاوز حالة الكسل والجهل والتّخلّف والانحطاط الّتي تُسيطر عليها . وأسباب ذلك : هجرةُ العقول للعلم وأهلهِ، وانكفاء الإرادة عن العمل، والتّقاعس والتّهاون واللاّمبالاة حيال المصالح الوطنيّة المختلفة . فلا وجود للإرادة الفاعلة في الحياة الاجتماعيّة والسّياسيّة المختلف، في ظلّ جهل العوام تحت مظلّة الاستبداد السّياسيّ وفساد السّلطان وجوره .

 

: " .. توالت الأعوام والجرائدُ تنقلُ لنا معاشر الشّرقيّين، أخبار أولئك الفائزين وتشرح لنا من أعمالِهِم الّتي حيّرت الأفكار وأدهشت العقول ما ساعدهم عليه تمحيص الرّأي وتوحيد الكلمة وتمحيص المتشاورين . ونحن قعودٌ على قارعة الكسل والتّهاون نكتفي بالتفرّج على الأمم العاملة ونفرحُ بما نراه من فوزها ونغضب إذا تأخّر فريقٌ منها . وقد انصرفنا عن مصالح أوطاننا وعمينا عن طريق تقدّمنا وحيل بيننا وبين مجاراة هؤلاء العقلاء بسور الأنفة من استشارة الفقراء . ومفاوضة الضّعفاء ، وإن كانوا قد امتلأوا علماً وكسبوا نباهة .."( الفكر العربي الحديث ص 203).

 

يأخذُ النّديم على سكّان الشّرق الّذي ينتمي إليه، وعلى المحتلّين الإنكليز والنّخبة المصريّة، مسؤوليّة التّخلّف والجهل والانحطاط والمعاناة الّتي يُكابدها الشّعب، ويدعو إلى تهيئة العقول والنّفوس قبل القيام بأيّ ثورةٍ مسلّحة، حتّى لا تنحرف عن أهدافِها وتنقلب إلى وبالٍ يُكلّف الشّعب ثمناً باهظاً : " إنَّ سُكّان الشّرق عبيد : إنَّهُم يزرعون ويحصدون ويُبدِعون ، لكي يُغذّوا التّجارة الأوروبيّة ، ويزيدوا ثراء أوروبّا .. كما لو كانوا قد خُلِقوا لِخدمَتِها .. ما دام الشّعبُ خاضعاً للجهلِ ويعوزهُ الاستعداد للنّضال، فإنَّهُ لن يتمكّن من التّوصّل إلى أيّ شيء .. إنَّ الانتفاضة لن تجلب النّجاح إذا لم يحُز الشّعب على المعارف وإذا ما انصرفَ النّاسُ عن المشروعات الصّناعيّة ، وإذا لم يعرفوا كيفَ يستعملونَ التّقنيّة " ( الفكر الاجتماعي والسّياسي الحديث [في لبنان وسوريا ومصر] ، ص 199، ص 200 ) . وفي السّياق ذاتهِ يأخذ عبد الله النّديم على تهميش دَور الخطابة في الحياة الاجتماعيّة والشّؤون العامّة للبلاد ، من خلالِ قصرها على خُطب المساجد الدّينيّة دون الالتفات للمشكلات الواقعيّة الّتي يحتاج إليها السّكّان في حياتِهم اليوميّة والمصيريّة ، ولا غرو في ذلك إذا عرفنا أنَّ النّديم مارس الخطابة في أكثر من ميدان ، كخطيبٍ اجتماعيٍّ وسياسيٍّ وتربويٍّ ، استطاع بخطبهِ الحماسيّة البلاغيّة التّأثير في المشاعر الوطنيّة والقوميّة بشكلٍ لافتٍ وكبير . لذا يقترح أن يعتلي منابر المساجد خطباءٌ أكفاء ، حتّى يكونوا قادرين على التّأثير الحيّ والمُباشر في النّاس ، بالإضافة إلى ضرورة طبع خُطب المساجد وتداوُلِها بين النّاس :".. من أهمّ أسباب غفلة الشّرق ضعف الخطابة، واقتصارها _ تقريباً _ على خُطَب المساجِد، وهي خُطبٌ لا تمسُّ الحياة الواقعة بحالٍ من الأحوال، وإنّما هي عباراتٌ دينيّةٌ محفوظة، ومعانٍ مُتكرّرةٍ مألوفة، لا تُحرّك قلباً ولا تضيء حياة " (أمين، أحمد، زعماء الإصلاح في العصر الحديث ، دار الكاتب العربي، بيروت، 1979، ص 218)، وقد أبدى استعدادُ للاشتراكِ في إعدادِها ،بحيث تتضمّن الدّعوة لـ "..المُحافظة على حقوق البلاد، والنّهي عن الظّلم والغي، والدّعوة إلى الائتلاف لمواجهة الأخطار الّتي تظهرُ دلائلها في الأفق والاتّحاد مع المواطنين من غير نظر إلى اختلاف الدّين ، والتّذكير بمجد مصر السّابق .. والتّحذير من تمكين الأجنبي من وضع يدهِ على سياسةِ البلاد .. ومعاملة الأجانب بالحُسنى، من حِفظِ حقوق تجارَتِهِم ، وعدم الإساءةِ إليِهِم " ( المرجع نفسه ، ص218) .

 

موقف العوام من السّلطان :

 

ينتقد عبد الله النّديم عوام الشّعب انتقاداً لاذِعاً، نتيجة تمكّن الجهل منهم ،" العوام هم قوت المستبدّ وقوته، بهم عليهم يصول وبهم على غيرهم يطول، يأسرهم فيتهلّلون لشوكته ، ويغصب أموالهم فيحمدونه على إبقاء الحياة، ويهينهم فيثنون على رفعته، ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته ، وإذا أسرف بأموالهم يقولون عنه أنّهُ كريم، وإذا قُتِلَ ولم يمثّل يعتبرونه رحيماً ، ويسوقهم إلى خطر الموت فيطيعونه حذر التّأديب، وإن نقم عليه منهم بعض الأباة قاتلوهم كأنَّهُم بغاة . والحاصل أنَّ العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل، فإذا ارتفع الجهل زال الخوف وانقلب الوضع أيّ : انقلب المستبدّ رغم طبعه إلى وكيلٍ أمين يهاب الحساب ورئيس عادل يخشى الانتقام وأب حليم يتلذّذ بالتّحابب ." (الفكر العربي الحديث 208).

 

* _ عبد الله النّديم (1844-1896) أديبٌ اجتماعيٌّ منوّرٌ وخطيبٌ مصريٌّ مرموق، انضمّ إلى جماعة " مصر الفتاة " السّريّة في العام، 1879، شارك في تأسيس أوّل جمعيّة تنويريّة في مصر " الجمعيّة الخيريّة الإسلاميّة " بهدف نشر التّعليم وتعزيز روح التّضامن الإسلامي بين الشّعب ، وغرس المشاعر الوطنيّة بين الجماهير الشّعبيّة، أصدر ثلاثة صُحُف : صحيفة " التّنكيت والتّبكيت" سنة 1881، صحيفة " الطّائف " أثناء انتفاضة أحمد عرابي، وصحيفة " الأستاذ " الأسبوعيّة بعد اختفائهِ عشر سنوات إثرَ هزيمة العرابيّين ،وصدور عفوّ الخديوي عبّاس الثّاني سنة 1892 "(ز.ل .ليفين، الفكر الاجتماعي والسّياسي الحديث في لبنان وسوريا ومصر، ترجمة بشير السّباعي، دار ابن خلدون، بيروت ،1978، ( ز.ل .ليفين، الفكر الاجتماعي والسّياسي الحديث في لبنان وسوريا ومصر، ترجمة بشير السّباعي، دار ابن خلدون، بيروت ،1978، ص199، ص200).