منذ اعتقاله عام 2006 عقب اقتحام سجن أريحا، يواجه أحمد سعدات، الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، واحدة من أكثر التجارب الاعتقالية تعقيدًا في تاريخ الحركة الأسيرة. ورغم أن آلاف الفلسطينيين مرّوا بتجربة السجن الإسرائيلية، فإن حالة سعدات تستحق قراءة خاصة، لأنها تجمع بين الاعتقال السياسي المباشر، والحرب النفسية، وتقنيات السيطرة الحديثة التي تُمارس عليه باعتباره قائدًا فكريًا يتجاوز نفوذه حدود الزنزانة. هذه الحالة تنتج سؤالًا جوهريًا: هل تتعامل إسرائيل معه كسجين أم كمركز خطر رمزي يجب تفكيكه؟
للإجابة، لا يمكن الاكتفاء بوصف ما يتعرض له سعدات من تنكيل ومعاقبة؛ بل ينبغي النظر إلى التجربة بعين نقدية تستند إلى نظريات السلطة الحديثة، وعلى رأسها تحليل ميشيل فوكو للسجن كأداة لإنتاج الطاعة وإعادة تشكيل الوعي، لا كوسيلة لحبس الجسد فقط.
يرى فوكو في كتابه "المراقبة والمعاقبة" أن الدولة الحديثة لم تعد تمارس العقاب عبر التعذيب الجسدي المباشر كما كان شائعًا في القرون السابقة، بل انتقلت إلى شكل أكثر دهاءً يقوم على التحكم في الزمن، والعزلة، والانضباط، والمراقبة، وإعادة هندسة الحركة داخل الفضاء المغلق. السجن بالنسبة لفوكو ليس مكانًا لمعاقبة الأفعال، بل مختبرًا لإعادة صياغة الفرد، عبر تحويله إلى "جسد مطوّع" خاضع للسلطة. عندما تُطبَّق هذه النظرية على تجربة أحمد سعدات، يصبح واضحًا أن "إسرائيل" لا تتعامل معه بوصفه شخصية سياسية فقط، بل كظاهرة يجب إخضاعها وإعادة تشكيلها أو على الأقل عزل تأثيرها.
العزل الانفرادي الذي تعرض له سعدات مرارًا هو أكثر الأدوات التي تعكس هذا المنظور الفوكوي. ففي حين يتم تبرير العزل أمنيًا، إلا أن ممارسته في حالة سعدات تبدو أقرب إلى ما يصفه فوكو بـ"تفكيك الفرد". العزل هنا لا يستهدف تهديدًا أمنيًا مباشرًا، بل يستهدف البنية الداخلية للوعي، إذ يُقطع السجين عن الزمن الاجتماعي، ويُحرم من التواصل مع رفاقه ومن اللحظة التي تمنحه معنىً للحياة داخل السجن.
أظهرت دراسات علمية حديثة من جامعة هارفارد أن العزل المطوّل يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات معرفية وتراجع في القدرات الذهنية، لكن في حالة سعدات، تحاول إسرائيل استخدام العزل ليس لإضعافه فقط، بل لقطع الصلة بينه وبين الحركة الأسيرة التي ترى فيه قائدًا فكريًا، ومنظّرًا سياسيًا، ورمزًا يحافظ على تماسك السجن كمؤسسة مقاومة داخلية.
ولم يقتصر الأمر على العزل كأداة للعقاب، بل يدخل النقل المتكرر بين السجون في إطار ما يسميه فوكو "إعادة ترتيب الجسد داخل الفضاء" كوسيلة لتفكيك الروتين وإعادة ضبط العلاقات الاجتماعية.
سعدات يتعرض منذ سنوات لسلسلة من عمليات النقل المفاجئ، غالبًا دون أسباب معلنة. هذه التنقلات ليست عقابًا فرديًا بالمعنى التقليدي، بل وسيلة لإنتاج حالة دائمة من عدم الاستقرار، تمنع السجين من تأسيس شبكة علاقات ثابتة أو بناء بيئة مقاومة مستمرة. وهنا يتجلى المعنى الأعمق لفوكو عندما يقول إن السلطة لا تحتاج إلى القوة المباشرة لتفكيك الفرد، بل يكفيها أن تعيد تشكيل عالمه الصغير باستمرار.
المراقبة داخل السجون، بما تتضمنه من الكاميرات والضباط والسياسات الداخلية، ليست مجرد رقابة إدارية. سعدات، كما يروي أسرى رافقوه، يخضع لنمط مراقبة أعلى من المستوى المعتاد، بما يجعل جسده ذاته جزءًا من "النظام البانوبتيكي" الذي تحدث عنه فوكو، حيث يصبح السجين مراقَبًا دائمًا حتى عندما لا ينظر إليه أحد. هذا الشكل من المراقبة يُنتج سلوكًا "منضبطًا" يُفترض أنه يحقق هدفين: ضمان الخضوع الفردي، ومنع انتقال الرمزية السياسية إلى الأسرى الآخرين. بالنسبة للاحتلال، ليس المهم ما يقوله سعدات فقط، بل كيف يتحرك، ومن يلتقي، وما يبثه حضوره من تأثير.
إلى جانب ذلك، يبرز الحرمان كصيغة عقابية تسعى لإعادة تشكيل السجين. فمنع الزيارة، والكتب، والعلاج، أو فرض قيود على إدخال الملابس، ليست مجرد قيود إدارية، بل تعبير عن رؤية تعتبر الجسد الفلسطيني كيانًا قابلاً للضبط والتحكم. فوكو يرى أن هذه الممارسات تحوّل الجسد إلى "هدف للقوة" و"موضوع للمعرفة". في حالة سعدات، تتضاعف هذه الممارسات لأنها تستهدف تفكيك دوره القيادي داخل السجن وخارجه، عبر محاولات مستمرة لإضعاف الروابط الإنسانية التي تمنحه القوة المعنوية.
مع ذلك، يقدّم سعدات نموذجًا مهمًا لفشل هذه التقنيات الاستعمارية في تحقيق هدفها النهائي. فبدل أن يتحول السجن إلى مكان لكسر الإرادة، صار لدى الحركة الأسيرة عامة ولسعدات بخاصة مساحة لإعادة إنتاج الوعي والتنظيم. السجن لم يصنع جسدًا خاضعًا، بل ساهم في خلق قائد أكثر صلابة. إعادة انتخابه أمينًا عامًا للجبهة الشعبية وهو داخل المعتقل، واستمرار تأثيره على الجيل السياسي الفلسطيني، يكشفان عن نموذج معكوس لما تحدث عنه فوكو: سلطة السجن لم تنجح في تحويله إلى "موضوع طيع"، بل أصبحت جزءًا من السردية التي تؤكد فشل أدوات القمع في مواجهة الوعي السياسي المتجذّر.
تجربة أحمد سعدات اليوم تجاوزت حدود الفرد لتصبح مرآة تكشف بنية العقاب داخل السجون الإسرائيلية. فعندما يتحول السجن إلى مساحة سياسية واعية، وتتحول الممارسات العقابية إلى محركات جديدة للخطاب، يصبح السجين ليس فقط مستهدفًا، بل شاهدًا على فشل السلطة في إعادة إنتاج الإنسان بالشكل الذي تريده.
ما يتعرض له سعدات ليس مجرد انتهاك لحقوق الأسير، بل هو جزء من مشروع عقابي يحاول التلاعب بالوعي وتفكيك الرمزية السياسية. ومع ذلك، تبدو السلطة، على الرغم من امتلاكها أدوات العزل، والمراقبة، والسيطرة، عاجزة عن كسر الإرادة التي تتجاوز حدود الزنزانة. وهكذا، فإن قصة سعدات ليست فقط قصة سجين سياسي، بل قصة الوعي الذي يفلت من بين يدي السلطة، مهما بلغت قوة منظومتها العقابية.

