Menu

الفنان المسرحي الفلسطيني زيناتي قدسية رائد المونودراما العربية

جوان جان

نشر في مجلة الهدف (76) (1550)

عندما يُذكَر اسمُ الفنان المسرحي الفلسطيني السوري زيناتي قدسية تتداعى صورٌ وذكريات ومراحل مفصلية من تاريخ المسرحِ السوري وهو الذي بدأ مسيرتَه الفنية في مطالع سبعينيات القرن الماضي، وما زالت هذه المسيرة مستمرة حتى يومنا هذا تمثيلاً وإخراجاً، بل وكتابةً عندما يستدعي الأمر ذلك.

 

ألمع نجوم المسرح

عاصرَ زيناتي قدسية قامات مسرحية كبيرة، وكان أحد ألمع نجوم المسرح في العصر الذهبي للمسرح السوري ومشاركاً دائماً في فعاليات مهرجان دمشق المسرحي على مدى دوراته المتعددة، كما كان وما زال مشاركاً في المهرجانات المسرحية المحلية، وخاصة في مهرجانات المسرح في محافظتَي حمص وحماة.

 

المحارب

قبل مجيئه إلى سوريا في مطالع سبعينيات القرن الماضي كان زيناتي قدسية مقيماً في مدينة إربد الأردنية، ولم يكن يخطر بباله أنه سيصبح ممثلاً مسرحياً في يوم من الأيام لأن جهوده كانت منصبّة باتجاه فنون الرسمِ والنحت، كما كان مشغولاً بمهام وظيفية في أحد أندية الشباب الاجتماعية في الأردن، إذ كان مسؤولاً عن المكتب الفني في النادي الذي كان يعجّ بالشباب الطامحين إلى تأسيس حركة فنية مسرحية، فكانوا –بحكم اهتمامه بالرسم والنحت والديكور- يلجأون إليه لتصميم ديكوراتِ أعمالهم المسرحية، وشكّلت حرب حزيران عام 1967 انعطافة مفصلية في حياة قدسية عندما دعاه –فور انتهاء الحرب- أحدُ المخرجين الأردنيين للمشاركة كممثلٍ في عرض مسرحي، لكنه امتنع في البداية مستغرباً هكذا طلب من المخرج الأردني، لكنه وافق فيما بعد فكانت انطلاقة الفنان زيناتي قدسية في عالم المسرح، وبدأ هاجس العمل في المسرح يسيطر على تفكيره وهو الذي لم يفكر يوماً أن يكون ممثلاً مسرحياً، ليكتشف لاحقاً أنه خرج من حرب 67 سالماً ليرى نفسه محارباً في حرب مفتوحة، حرب إثبات نفسه كفنان مسرحي.

 

من الأردن إلى سورية

بعد مغادرة الفنان زيناتي قدسية الأردن متوجهاً إلى سوريا للإقامة فيها التقى بالكاتب المسرحي السوري ممدوح عدوان صاحب النصوص المسرحية المتميزة كـ "سفر برلك-زيارة الملكة-هاملت يستيقظ متأخراً" وكان لقاءً مثمراً نتج عنه تشكيلُ ثنائي مسرحي بين الرجلين اللذين قدما من خلاله في ثمانينيات القرن الماضي عدداً من عروض المونودراما (مسرح الممثل الواحد) مثل "حال الدنيا-الزبال-القيامة-أكلة لحوم البشر" وكان همّهما الأول في مشروعهما المسرحي المونودرامي هو الإنسان العربي، والفلسطيني على وجه الخصوص.

 

المونودراما

عندما أطلق الثنائي قدسية وعدوان مشروعهما المسرحيّ المونودرامي لم يضعا نصب أعينهما إطلاق مشروعٍ طويل الأمد بقدر ما وضعا مشروعاً ذا طابع لحظيّ مرتبط بالواقع العربي في الثمانينيات سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.. ومن جانب آخر يمكن القول أن مشروع المونودراما استهواهما لأنه كان مشروعاً قليل التكاليف من الناحية الإنتاجية ولا يحتاج إلا إلى مسرح صغير قد يكون متاحاً أكثر من المسارح كبيرة الحجم والاتساع، وكان قدسية على يقين وقتذاك من أنه وضع نفسه على مفترق طرق، فإما أن يطلقه مشروعُ المونودراما نحو آفاق مسرحية أكثر رحابة أو يجعله ينكفئ على نفسه ويعيد حساباته كفنان مسرحي أصبح له اسمه اللامع في فضاءات المسرح السوري.

 

تجربة استثنائية

كان زيناتي قدسية مؤمناً أن تجربته في مسرح المونودراما تجربة استثنائية لا في المسرح السوري فحسب بل وفي المسرح العربي أيضاً رغم وجود تجارب عربية مونودرامية محدودة زامنت تجربته كتجربة الفنان المسرحي المغربي عبد الحق الزروالي، ويعود إيمان قدسية بأن تجربته في المونودراما كانت استثنائية إلى كونها افتقدت في ذلك الحين إلى مرجعيات عربية وغربية، وكان يشبّه دخوله هذا العالم بدخول حقل ألغام لا أحد يمكن أن يتكهّن بمصيره فيه، خاصة وأنه وجد نفسه مطالَباً بتقديم رؤى فنية جديدة في المونودراما بعيداً عن أية تجربة عربية قد تكون سبقته، وكان حريصاً مع شريكه الكاتب عدوان على تقديم أعمال مونودرامية تمثل الفكر العربي المعاصر.. يقول قدسية كاشفاً النقاب عن ملابسات إطلاق مشروعه في المونودراما: "في العام 1985 لم يكن لدينا أيّ بحثٍ أو دراسة عربية عن المونودراما، ولم يكن بين أيدينا أية مادة غربية مترجَمة ترصد هذا الموضوع، وكان الكاتب ممدوح عدوان قد قرأ نصوصاً عربية ومترجَمة للممثل الواحد، كما شاهد عروضاً مونودرامية أجنبية، ولم يكن مفتوناً بما قرأ وشاهد في هذا المجال، فأراد أن يقدم مقتَرحاً من زاوية نظر أخرى في الرؤية والموقف الاجتماعي والبعد الجماليّ، معتمداً على خبرته وتجربته المسرحية، فكانت مونودراما "حال الدنيا" الباكورة والمنطلَق.. أما بالنسبة لي وبعد أن أصبح النصّ بين يديّ فقد استندتُ في اشتغالي عليه تمثيلاً وإخراجاً على تجربتي المسرحية العملية التي سبقتْ "حال الدنيا" والتي تمثّلت بعدة أعمال تميزت بأداءات إفرادية أعتقد أنني نجحتُ فيها، فكانت هذه الأعمال بمثابة الإرهاصات الأولى على مستوى الأداء والتقنية التي دفعتني نحو الخطوة الأولى الحاسمة لصناعة عرض مونودراميّ متكامل".

 

علاقة إبداعية

لم يرتبط زيناتي قدسية إبداعياً بممدوح عدوان في مشروع المونودراما في الثمانينيات فقط بل إن علاقتهما الإبداعية تعود زمنياً إلى السبعينيات عندما شارك قدسية كممثل في عدد كبير من الأعمال التي كتبها عدوان للمسرح الجامعيّ، كما أخرج قدسية لعدوان عام 1974 مسرحيته "كيف تركت السيف" لجامعة بيروت العربية وأخرج له إعداده للمسرحية المترجمة "مع الجميع.. على حدة" للمسرح العمالي عام 1984 لتبدأ رحلتهما المونودرامية عام 1985.

أبو شنار الفلسطيني

بعد توقف تجربة زيناتي قدسية المونودرامية المشتركة مع الكاتب ممدوح عدوان لم ينقطع عن عالم المونودراما فقدم مع الكاتب السوري موفق مسعود أكثر من تجربة في هذا الإطار مثل "غوايات البهاء" ويصف قدسية تجربته مع مسعود بأنها كانت تجربة غنية على مستوى البحث أدت إلى الخروج من دائرة الأفكار والمضامين الضيقة إلى دائرة الفكر الإنساني الأشمل، كما لجأ قدسية بنفسه إلى الكتابة كما في مونودراما "أبو شنار" التي قدمت حكاية رجل عجوز من فلسطين يقوم بفضح ممارسات من تاجروا بالقضية الفلسطينية.

 

المخرج

ويدافع زيناتي قدسية بحرارة عن قيامه بنفسه بإخراج أعماله المونودرامية دون اللجوء إلى مخرج آخر بقوله بأنه شعر أنه وبعد خمسة عشر عاماً من قيامه بالتمثيل تحت إدارة مخرجين آخرين فقد آن الأوان لأن يقوم بنفسه بعملية الإخراج، فوجد في المونودراما الفسحة التي تتيح له التعبير عن نفسه كمخرج مسرحي دون أن ينسى زملاءه من الفنانين الذين أعانوه على بلورة مشروعه في الإخراج المسرحي: محمود خليلي-يوسف المقبل-عبد الحميد خليفة-عبد الباري أبو الخير-عبد السلام غبور-خالد كريدي.

 

دون منافس

تلخيصاً لتجربته في المونودراما ولمتابعته لحركة فنّ المونودراما عربياً ينفي الفنان زيناتي قدسية ظهور منافس عربي له في مسرح المونودراما، وهو يعزو السبب في ذلك إلى أن معظم التجارب المونودرامية العربية قصيرة العمر ولا تكاد تبدأ إلا وتنتهي بعد عرض واحد أو عرضين، الأمر الذي يجعل تأثيرها وامتدادها العربي محدوداً. . وبالإضافة إلى مشروعه الإبداعي مع ممدوح عدوان والمسمى "مسرح أحوال" كانت لزيناني قدسية تجارب مع مختلف جهاتِ الإنتاج المسرحي في سورية كالمسرح القومي والمسرحِ الجامعي والمسرح الوطني الفلسطيني، وقد شارك ممثلاً في عروض هذه الفرق إلى جانب نجوم المسرح السوري.

 

المسرح هو الأبقى

يعتبر الفنان زيناتي قدسية استمراره ممثلاً ومخرجاً في المسرح طيلة أكثر من خمسين عاماً ميزة تميزه عن كثير من الفنانين الذين هجروا المسرح وتوجهوا نهائياً نحو التلفزيون، لكن هذا لم يمنعه من المشاركة في بعض الأعمال التلفزيونية النوعية، إلا أنه بقي مخلصاً لقضية المسرح لإيمانه أن المسرح هو الأبقى و بإمكانه أن يصنع نجوماً كما يفعل التلفزيون، ولا أدلّ على ذلك –حسب وجهة نظره- أكثر من ظهور أسماء سورية وعربية بارزة في مجال المسرح لا تقل نجومية عن نجوم التلفزيون، لذلك لم يشعر يوماً بالندم على اختياره المسرح حياةً ومصيراً، ويعتبر أن استمراره بالعمل في المسرح مضمون طالما هناك قضايا عربية مصيرية يمكن تناولها في المسرح فكرياً وفنياً.

 

صاحب كلمة يوم المسرح العربي 2016

اختارته الهيئة العربية للمسرح في الشارقة لإلقاء رسالة (اليوم العربي للمسرح) في مهرجان المسرح العربي بدورته الثامنة عام 2016، والتي أقيمت برعاية الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الرئيس الأعلى للهيئة العربية للمسرح، وقد اعتاد المهرجان في كل عام على استقطاب أحد رموز وقامات المسرح في الوطن العربي لإلقاء رسالة (اليوم العربي للمسرح) وفي رده على سؤال سبب هذا الاختيار، قال الأمين العام للهيئة العربية للمسرح الكاتب إسماعيل عبدالله حينها: "إن الأمانة العامة للهيئة قد اختارت الفنان زيناتي قدسية ليكون صاحب الرسالة التاسعة من رسائل اليوم العربي للمسرح كونه فناناً عربياً متميزاً، ورغم كل الظروف التي يمر بها استطاع بوعيه وفكره أن يؤسس مدرسته في مسرح المونودراما، كما أن له إسهامات فكرية وفنية كبيرة من خلال المسرح الوطني الفلسطيني، سواء على مستوى العروض المسرحية التي قدمها أو على مستوى بناء أجيال ملتزمة لفن المسرح، وما زالت عروضه المسرحية تشكل علامات مهمة في مسيرة المسرح الفلسطيني بوجه خاص والعربي بوجه عام، هو صاحب مشروع مسرحي كبير، كما أنه صاحب مواقف وطنية وقومية تؤكد التزامه وجديته نحو هوية للمسرح العربي، في خضم التحديات الكبيرة التي يواجهها هذا المسرح على الصعد كافة".. وحملت الرسالة عنوان "لم يعد أمامنا خيارات، و لا نملك رفاهية الوقت"، وفيها تحدث قدسية عن قريته :" من رائحة الزيتون والكرمة والزعتر، من العاشق، العائد إلى حيفا مُحمَّلاً ببرقوق نيسان، من روح غسَّان، معلمي الأول، فاتحة وعيي و إدراكي للأشياء و الحياة. من "إجزم" قريتي الهاجعة على كتف حيفا و ظلال الكرمل كفرخ حمام يستدفئ بجناح أمه، حيث الولادة".. ويضيف قائلاً أيضاً :" في كل دول العالم هناك دائماً حضور لافت للمسرح المقاوم و إن اختلفت أساليب التعبير عن روح المقاومة من مسرح لآخر. و ما دام هناك فاشيون وديكتاتوريون، وقابليات لنشوب حروب ثنائية أو كونية، وما دام على الأرض أربابٌ يتمسكون بربوبيتهم ويعملون على تخريب العالم وتدمير أمنه عبر التاريخ، وما دامت الآفة الإنسانية الماثلة أمامنا و المتمثلة في البعض الذي يرى العالم أضيق من أن يتسع له و للآخرين، و يريد أن يعيش وحده جاعلاً نهج حياته: "هذا كله لي"، ما دام كل هؤلاء يعبثون بحياتنا و مصائرنا، فإن المسرح المقاوم يبقى حيَّاً و يعبر عن حرية الإنسان و الشعوب و ثقافاتها، وإذا كان للشعوب برلمانات، فإن المسرح هو برلمان الثقافة الشعبية دون منازع. و لكي يتحول المسرح في بلادنا إلى برلمان للثقافة الشعبية حقاً، فإنني أدعوكم للاندفاع بوعي و جرأة و حكمة نحو مسرحنا الجديد و المقاوم، و أن نحوِّل كل المساحات المتاحة، إلى أمكنة للتعبير عن المقاومة التي تبديها الأفكار التنويرية ضد الأفكار الظلامية، و أن نجعل من مسرحنا مدرسة للأخلاق، و الحرية، ليس شرطاً أن يكون هناك احتلالاً أو غزواً عسكرياً أو مستعمراً لننشئ مسرحاً مقاوماً. ففي فترات السلم العالمي، تبدو حاجة البشر لمسرح مقاوم ماسَّة و ملحة. و كأن هذا الهدوء و الاستقرار الظاهري و الاسترخاء المريب تختفي وراءه نُذُرُ التفجرات المباغتة و الحروب المدمرة. و ما سعي الدول المحموم لامتلاك الأسلحة بمختلف أنواعها، و الصراع المعلن و الخفيّ على حيازة أكثرها فتكاً و تدميراً تحت مسمى التوازن الاستراتيجي، إلا تهيئة و استعداداً لهذه التفجرات المباغتة. و لذلك، فإن المفكرين و المثقفين و العلماء و الشعراء و رجال المسرح في مختلف أنحاء العالم، حين يواجهون القبح بالجمال و اليأس بالأمل، و حين ينتصرون للإنسان من أجل حريته و كرامته الإنسانية و حقه في الماء و الطعام و المسكن اللائق و الصحة و التعليم و الحب و إبداء الرأي و الدفاع عن حقه في الوجود، حين ينتصرون لكل هذا، إنما هم ينتمون بشكل أو بآخر إلى الثقافة المقاومة، العلوم المقاومة، الشعر المقاوم، و المسرح الجديد الحر المقاوم، البعيد عن التقليدية المتزمتة و المرتهنة لمفاهيم لم تعد قادرة على مواكبة متطلبات العصر، مسرح متحرر من ظلامية الغول الذي ينشب أظفاره ليشد التجربة الإنسانية برمتها إلى الكهوف المظلمة، مسرح جديد حر، نقيض للحداثات المزيفة و غير الأصيلة و الطارئة، و التي أحدثت اختراقات مهولة في حياة البشر على كل المستويات".

 

زيناتي قدسية

من مواليد قرية إجزم، في حيفا عام 1948، قدم عدداً من الأعمال تتناول المأساة الفلسطينية وأخرج مجموعة من الأعمال الجماعية للمسرح القومي بسورية كان أبرزها مسرحيته «رأس الغول» التي زاوج فيها بين أعمال الأديبين محمد الماغوط وزكريا تامر.. عيّن مديراً للمسرح التجريبي، أخرج العديد من الأعمال المسرحية الهامة التي قدمها في كلّ من دمشق وحمص وغيرها من المدن السورية مثل: "أخوة الجنون-غاندي-حال الدنيا-القيامة-غوايات البهاء-كأس سقراط الأخير-أبو شنار-التحقيق-الرأس والذنب-حفلة على الخازوق-إكليل الدم-إعدام-قلب العاشق-ابراهيم وصَفيّة"،

في العام 2024 كرّم المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق الفنان زيناتي، تخلل التكريمَ تقديمُ شهادات مسجلة لشخصيات فنية سورية وعربية تحدثت عن تجربة قدسية الإبداعية .