يُعدّ السابع من أكتوبر 2023، نقطة تحوّل فعليّة في الصراع مع الصهيونية، على المستوى العسكري والمستوى الرمزي، الثقافي والإعلامي، فلم يكن "طوفان الأقصى" حدثاً عابراً بل واقعة أفرزت تداعيات كبيرة في الوعي الشعبي، وفي الخطاب العربي والإسلامي، وفي موازين القوى السياسية والإعلامية وحتى الثقافية. مع هذا، لم تكن الكتابة الإبداعية بمنأى عن هذه التحولات؛ فقد تغيّرت مرجعياتها وأدواتها، وأهدافها، وحتى نمطها اللغويّ والتعبيريّ.
ولكي ندرك عمق التحوّل، من المفيد المقارنة بما كانت عليه الكتابة الإبداعيّة قبل هذا الحدث، فقد كانت الكتابة المقاوِمة موجودة دائماً في الأدب العربي والفلسطيني، لكنها غالباً ما تُوضع في إطار شعبي أو وطني أو تاريخي بعيد، أو تتداخل مع السياسة، لكن ليس بالدرجة نفسها من التفاصيل المباشرة والصورة العاطفية الحيّة، كما هو الآن. وإن المنصّات الرقمية كانت موجودة، لكن الآن أصبح "الشارع الرقمي" جزءاً فعّالاً من العملية الإبداعية؛ فالمبدع لا ينشئ النص فقط، بل يرى كيف يُستقبل، كيف يُقاطَع، كيف يُعاد نشره، كيف يُعاد تحويره. والقارئ نفسه تغيّر فلم يعد قارئاً سلبيّاً بل مشاركاً، متفاعلاً، ناقلاً ومعدّلاً للنص، يطلب "الأصالة" والصدق، ويربط بين ما يُقرأ وما يُشاهَد وما يُعاش.
التحوّلات في الكتابة الإبداعية:
من أبرز التحوّلات التي يمكن رصدها في هذا السياق، هي:
- التعبير الموضوعي الموحَّد: أصبحت الروايات والقصص والنصوص الأدبية تركز بشكل واضح على موضوعات محددة: المقاومة، الصمود، الانتهاكات، التضحيات، الحصار، العدوان. وهذا يعبّر عن رغبة في توثيق الحدث، في جعل الأدب شاهداً حيًاً؛ أي أن الأدب لا يُكتب من فراغ، بل من مشاركة وجدانية بالمأساة. وهذا يوحّد الموضوع، ويضيق الهوامش الإبداعية من حيث الموضوعات، لكنه يوسعها من حيث التفاصيل واللغة العاطفية والتوثيق الواقعي.
- اللغة والأسلوب: استخدام اللغة العاطفية الشديدة، الصور الرمزية، الاستعارات القوية، البوح، الشعرية التي تمزج الحزن بالأمل، لغة المقاومة. فاللغة تلتقط الصوت الجماعي؛ فيصبح الأسلوب أكثر انفعالية، ولكن مع ذلك تحاول النصوص الحفاظ على وضوح الرسالة: أن الحقّ، الصمود، الكرامة هي مركز أي سرد. كذلك، هناك ميل إلى الواقعية الموصوفة بكل تفاصيلها، وربما تصوير للموت والمعاناة من مسافة قريبة جداً.
- تعدد الأصوات: شهادات يوميات الحرب، نصوص فردية من داخل غزة، نصوص من المنفى، من الخارج، من الإعلام البديل، من وسائل التواصل الاجتماعي. هذا التنوع خلق سرداً أكثر إثراءً؛ فالأدب لا يأتي فقط من الوعاء الرسمي أو الأقلام الكبيرة، بل من كل من عاين، عاش، تألم وكتَب. وهذا يعطي مصداقية، كما يُحفر في الذاكرة الجماعية بصيغ متعددة.
- وظيفة التوثيق والذاكرة: الكتابة أصبح لها دور "توثيقيّ": حفظ الأحداث، شهادات الناجين، يوميات تحت القصف، يكتبها أهل غزة وغيرهم، وتتضمن مسؤولية: أن لا يُمحى ما وقع، أن تبقى الصورة واضحة أمام الأجيال القادمة، وأن الأدب يصبح وسيلة مقاومة نفسية وثقافية بجانب كونه فناً. كذلك الكتابة كمقاومة للنسيان، للظلم، للمحو.
- التزام أخلاقي وفعل مقاوم بالكلمة: الكثير من الأدباء لا يكتفون بالسرد، بل يتحوّلون إلى نقد، إلى مقاومة فكرية، إلى استنكار، إلى دعوة لإيقاظ الضمير، وأحياناً إلى الفعل الحقيقي: المشاركة، التضامن، النقد. الكتابة هنا ليست تجميلاً أو ترفاً؛ هي جزء من الموقف، والكلمة تصبح بندقية.
- تأثر المنصّات الجديدة ووسائل التواصل: الكتابة على مواقع التواصل الاجتماعي، المحتوى المُصوَّر، الرسوم الكاريكاتيرية، البث الحي، التدوين الرقمي، الصور والفيديو أيضاً كنصوص تُروى. هذه الوسائل تتيح سرعة الانتشار، القدرة على التأثير العابر للحدود، خلق جمهور فوري، تعزيز تأثّر النصوص بصوت الشارع؛ لكنها أيضاً تُدخل تحديات: التفاعل سريع، وربما المضغوط، الأسواق الرقمية تحدد ما يُنشر وما لا يُنشر، وضغط المشاعر قد يؤدي للتكرار أو المبالغة.
- تحديات جديدة أمام المبدعين: الصدمة النفسية، الخوف، التوتر، المراقبة، القصف، الانقطاع، ضياع المقومات المادية للكتابة (مكان آمن، أدوات، هدوء)؛ كما تحدي تقديم نصّ يكون جذابًا ومعبرًا، دون أن يفرّط في الحقيقة أو يختزلها. المبدع يُثقل بمسؤوليات؛ وهناك موازنة بين التعبير الفني والنزعة التوثيقية. كذلك بين التدهور المادي (الدمار، التشريد، الفقد) وتأثيره على قدرة الكتابة وكيان الفرد الذي يكتب.
أولاً: الشعر - عودة القصيدة المقاومة بروح جديدة
لم يعد الشعر في زمن الطوفان يكتفي بالرمز، بل أصبح شهادة حيّة. ففي إحدى قصائد الشاعر الغزّي إياد شماسنة التي نُشرت على وسائل التواصل قال:
تحت الركام
أعدُّ أصابعَ أمّي
واحدٌ اثنانِ ثلاثة
ثم أغني:
نامي حبيبتي
كأنّي أكتب سِفرَ القيامة
من ذاكرةِ الرملِ وحدي.
وفي أحد التسجيلات التي انتشرت على إنستغرام للشاعرة الشهيدة هبة المدهون، نقلت كلماتها وسط القصف:
سأكتب
ولو بظلِّ الحائطِ المتصدّع،
ولو على صفحةِ غبارٍ
أو في هواءٍ رماديّ،
لأنّ الكتابةَ الآن
ليست ترفاً
بل آخرَ شكلٍ من أشكالِ التنفّس.
ثانياً: القصة القصيرة - من البناء الفني إلى "اليومي الحارق"
- قصة "الملجأ رقم " – الكاتبة هبة أبو ندى من غزة (2024)
القصة تروي حياة عائلة في ملجأ مدرسي، بأسلوبٍ بسيط متقطع:
لم أعد أميزُ بين الليلِ والكهرباءِ،
كلاهما غائب.
أختي الصغيرة تنامُ على حقيبتي المدرسية،
وأبي يتحدثُ عن شجرةِ الزيتون التي احترقتْ.
فقط أمي لا تتحدث.
ربما لأنها صارت هي الأخرى رماداً في القصص.
- القصة الرقمية أو "النص المشتعل"
في أحد المنشورات الفيسبوكية بعنوان "آخر بطارية في هاتفي" كتب شاب محمد عاشور من خان يونس:
كلّ دقيقةٍ تساوي عمراً.
البطارية 3%.
كتبتُ:
"أنا بخير".
ثمّ انطفأ الهاتف.
لكنني لم أكن بخير أبداً
ثالثاً: اليوميات والشهادات - ولادة أدب "الكتابة تحت القصف"
- من يوميات الطبيب الغزي د. محمود جاد منشور على X في نوفمبر 2023:
كتبتُ بيدي الملطخةِ بالدماء
اسمَ طفلٍ فقدَ ذراعيه على دفترِ المناوبة.
لم يكن لديّ ورقٌ آخر.
وفي الهامش كتبت:
ربما يعود ليكمل رسمَه في الجنة.
- من "دفاتر الناجين" - كتبت هبة زقوت مدونة إلكترونية (2024):
في الليلةِ التي نجونا فيها،
لم نجد خبزاً،
لكننا وجدنا ورقةً لم تحترق،
فكتبنا عليها أسماءَ أصدقائنا الذين لم ينجوا.
ومنذ ذلك اليوم
صارت الكتابةُ طقوسَ دفنٍ أخرى.
رابعاً: الكتابة الرقمية الجديدة - الأدب كصوت جمعي
- من منشورات الإنستغرام الأدبي
كتب حسام معروف في تعليق على صورة لطفلة من رفح تبتسم في خيمة:
هي تضحك لأنّ الحكاية لم تنتهِ بعد،
ونحن نكتب لأننا نخاف أن تنتهي الحكاية بدوننا
- من قصيدة مصوّرة – الشاعر الشاب علاء الشرفا
نشرت في مارس 2024 على يوتيوب بعنوان "الكلمة بندقية"
ما عاد الشعرُ ينفعُ كالأمس،
صار الطينُ يكتبُ،
والجدارُ يصرخُ،
والهواءُ يُدوّنُ بأصواتِ المآذنِ:
هنا
لا تموتُ القصيدة،
بل تتكاثرُ مع كلِّ انفجار.
دلالات من هذه الأمثلة:
- التوازن بين الأسماء الشهيرة والصامتين: بعض الكتابات تجمع أسماء قد تكون معروفة (روائيّون، شعراء)، وأخرى تضمّ مساهمات من أصحاب تجربة ميدانيّة، من لم يكن معروفاً من قبل، لكنه يعيش الواقعة ويكتبها. هذا يُعطي مصداقية وثراء لأدب يقاوم الزمن والمكان.
- الوصية كنمط أدبي جديد: يتحوّل النص إلى وصية: فكرة كتابة شيء لا بدّ أن يُبقى إذا لم يبقَ الكاتب. إنها الكتابة في ظلّ احتمال الرحيل — يموت الكاتب لكنه يترك الكلمة، الذكرى، الرسالة.
- اليوميات والمنافي والتوثيق الحي: كثير من الكتابات تستعمل السرد اليوميّ، ما تشعر به الإنسانية من جوع، خوف، انتظار، نزوح، محاولات البقاء. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تجعل النصّ أقوى من التقرير الخبري.
- التوزّع المكاني: الكتابة ليست من مركز واحد فقط، بل من كلّ أجزاء غزة: الأحياء المختلفة، المخيمات، المراكز والمدن. هذا يُظهِر أن التجربة ليست موحدة، بل متعددة التفاصيل والمآزق، ومع ذلك موحّدة بشعور الصمود.
الآثار المحتملة والمستقبلية:
من أبرز الآثار المستقبلية التي يمكن رصدها في هذا السياق، هي:
- إعادة تشكيل الذاكرة الجماعي: الأدب سيلعب دوراً أساسياً في حفظ صورة ما حدث، ومن ثم في بناء سردية تاريخية معاكسة للسرديات التي قد تُعيد صياغة الحقائق أو تنفيها أو تُقلّل منها.
- ولادة نوع أدبي مختلط / هجين: مزيج بين الشعر والوثيقة واليوميات والمقالة والنصوص القصيرة، بل وحتى الميديا المختلطة (فيديو- نص- صورة). النصوص تُزاوج بين الشكل الفني والمضمون الوثائقي.
- تغيير في مواضيع الأمل والمقاومة: من مجرد بنية الرفض للأذى إلى رؤى أملية، مع بعض التنبّؤات بخروج من الظلام، مع أن الأمل لا يعني التجاهل للمعاناة، بل اعتراف بها والعمل من خلالها.
- تأثير ثقافي واسع: اللغة العربية تحوّلت في بعض النصوص إلى سلاح ثقافي، تتصدّى للأعراف المقلّلة، وتستعيد مفردات مثل الكرامة، الحقّ، المقاومة، الشهادة، التضامن بصخب واضح.
- تحديات الاستمرارية: هل سيستمر هذا الحماس الإبداعي بعد أن تهدأ الإثارة أو يقل الزخم الإعلامي؟ هل سيجد الأدب دعماً؛ ماديّاً وثقافيّاً؟ هل ستُوثّق النصوص بصورة تحفظها من النسيان أو الرقابة أو التجاهل؟
الإشكالات:
من دون إنكار الجليّ في التحوّلات، هناك مآخذ وإشكالات يُفترض الانتباه إليها:
- خطر الانفعالية المفرطة: قد تُغرق بعض النصوص في المشاهد العاطفية دون أن تقدم رؤى تأملية أو نقدية توازن بين العاطفة والمعنى.
- الرسالة مقابل الجمال الفني: في بعض الأحيان، تُقدّم الرسالة أو الهدف الأخلاقي والسياسي على حساب البناء الفني أو اللغة؛ وقد يصير النص أقرب إلى البيان أو النص الصحفي أو الإعلان.
- الاستسهال في التقليد: بعد أحداث كبيرة، هناك ميل لإعادة إنتاج الصور نفسها (الدمّ، الأشلاء، البكاء، الصمت...)، مما قد يجعل كثيراً من النصوص تبدو مكرّرة أو ذات صيغة متشابهة.
- الضغط الزمني والإعلامي: رغبة في أن تكون النصوص مباشرة، في اللحظة، ربما تُخلّ بعمق التأمل، بفراغ التعبير، بتمهّل اللغة.
- الرقابة الذاتية والخارجية: قد يتعرض الكتّاب للتهديد أو الملاحقة، أو يجدون أنفسهم يُعدّلون من نصوصهم خوفاً على العوائل أو سلامة النفس، أو انسداد لبعض المنابر التي تملك حرية أقل.
- تفاوت الصوت والمكانة: الأصوات ذات الإمكانيات المادية، أو التي تملك منصات قوية، أو التي تتكلم من أماكن خارج الخطر، تكون أكثر وصولاً وانتشاراً من النصوص التي تُكتب من داخل المواجهة مباشرة، أو من داخل غزة مثلاً، حيث الظروف أصعب.
نخلص إلى القول إنّ الكتابة بعد "طوفان الأقصى" ليست كما كانت قبله لا من حيث الشكل، ولا من حيث المضمون، ولا من حيث موقع الكاتب من التجربة ذاتها.

