Menu

الفاسد .. محاكمات نتنياهو والتداعيات ..!

أكرم عطا الله

نشر في مجلة الهدف العدد (77) (1551)

 

لم تشهد إسرائيل على امتداد تاريخها رئيس وزراء فاسداً إلى هذا الحد وللغرابة لقد تجاوز بنيامين نتنياهو كرئيس حكومة الرقم القياسي الذي كان يتمتع به مؤسس إسرائيل دافيد بن غوريون ليصبح اكثر رؤساء إسرائيل في الحكم وأكثرهم فساداً وتلك مفارقة لم تكن تستوي مع دولة يلعب القانون والقضاء فيها دوراً مركزياً وضع كثيراً من المسؤولين في السجن .

 

كان آخر المسؤولين الذين تم إيداعهم رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت والذي خلفه بنيامين نتنياهو لرئاسة الحكومة حينها بدا أن نتنياهو يعود بسيرة شخصية نظيفة خالية من أية شبهة قبل أن تنفجر الملفات في وجهه تباعاً عام 2016 عندما بدأت الشرطة أول تحقيق معه بتهمة الفساد والعلاقات المشبوهة والمصالح الخاصة وخلط السياسة بشبكة من المنافع بين الصحافة ورجال الأعمال ورئاسة الحكومة .

 

تتم محاكمة نتنياهو بأربع قضايا والتي تتخذ كل منها رقماً محدداً وهي كالتالي : القضية رقم 1000 والتي بموجبها تلقى نتنياهو هدايا بمئات آلاف الدولارات من صديقه الثري أرنون ملتشين وفي المقابل ساعد نتنياهو ميلتشين بالحصول على تسهيلات ضريبية لتوصي الشرطة بمحاكمة نتنياهو بخرق الأمانة ، أما القضية الثانية المسماة بالقضية رقم 2000 التي وجهت لنتنياهو خلالها تهمة خيانة الأمانة وخرق الثقة مؤادها أن نتنياهو أجرى مفاوضات مع مالك صحيفة يديعوت أحرونوت نوني موزيس كي تكون الصحيفة ودية في تغطياتها عنه مقابل أن يسعى نتنياهو لسن قانون يحد من انتشار صحيفة إسرائيل هيوم المنافسة التي توزع مجاناً رغم أن صحيفة إسرائيل هيوم معروفة بتغطياتها لصالح نتنياهو وهي التي أسسها صديقه الملياردير اليهودي الأميركي شيلدون أدلسون .

 

أما القضية رقم 3000 وهي التي اعتبرت الأكثر خطورة على الدولة هي قضية الفساد التي تتعلق بشراء غواصات وسفن حربية من ألمانيا اتهم فيها نتنياهو وآخرون بالاستفادة من صفقاتها التجارية لتحال إلى المحاكم وشملت اتهامات بالرشوة وغسيل الأموال وخرق قوانين الخدمة العامة ، أما القضية رقم 4000 التي يواجه فيها نتنياهو أيضاً تهمة تلقي الرشوة وخيانة الأمانة وهي تتعلق بالتسهيلات الضريبية التي سعى لها نتنياهو لصالح الثري شاؤول ألوفيتش الذي كان صاحب السيطرة بالأسهم على شركة الاتصالات الأرضية بيزك مقابل أن يحصل نتنياهو على تغطية ودية في موقع واللا الإخباري الذي كان يملكه ألوفيتش .

 

خلال حرب الإبادة على غزة استمرت محاكمات نتنياهو وعادت المسألة تتصدر عناوين الصحف ووسائل الإعلام سواء لجهة المحاكمة ومحاولات نتنياهو بالتملص واصطناع الأحداث أو تزامن لقاءات هامة ليتهرب من جلساتها أو على شكل مسرحيات كأن يدخل له سكرتيره العسكري قصاصة يمررها للقضاة لفض الجلسة أو لجهة التدخل السافر للرئيس الأميركي .

 

صحيح أن تشكيل المؤسسة في إسرائيل يقلص من دور الفرد لكن هذا بدأ يتضاءل في السنوات الأخيرة لجهة إعادة هندستها بعد الإنزياح نحو التدين واليمين وما يحمله من قيم وثقافة نقيضة لأية قيم ديمقراطية حيث يحيط بنيامين نتنياهو نفسه بكتلة أحزاب دينية منذ سنوات وتلك لا تحتمل القيم العلمانية أو الليبرالية التي تأسست عليها الدولة ليصبح الفرد أكثر قدرة على التأثير في المؤسسة لذا لا يمكن استبعاد ملفات القضاء والفساد وخيانة الأمانة عن مسارات سياسية أو عسكرية وخصوصاً في العامين الأخيرين للإبادة .

 

لنتنياهو مصلحة كبيرة في إدامة الحرب لأسباب انتخابية هذا ما أشار له كثير من المحللين ، ولنتنياهو أيضاً بسبب ملفات الفساد مصلحة بتعميق هذه الإبادة والبحث عما كان يطلق عليه في بدايات الحرب “ بالنصر " ففي الحرب تصبح ملاحقة القضاء لمن يقود هذه الحرب شكلاً من أشكال إجهاضها أو إشغال الدولة في قضايا جانبية صغيرة على حساب الأمن القومي وهكذا يتم تحقير القضاء وهو ما غمز باتجاهه دونالد ترامب في حديثه عن القضاء الإسرائيلي الذي يحاكم صديقه .

 

هل ستتم محاكمة نتنياهو وإيداعه السجن ؟ هذا السؤال الذي تحدد إجابته مسار إسرائيل القادم والمنطقة إلى حد ما فرئيس حزب الليكود الذي يحكم منذ عام 2009 يعتبر من أكثر الشخصيات تأثيراً في الداخل الإسرائيلي حيث تمكن خلال سنوات حكمه من إعادة هندسة المجتمع الإسرائيلي بإتجاه يهودية خالصة وتمكن من إضعاف اليسار الذي أسس الدولة .

 

هناك سيناريوهان أمام محاكمة الرجل الأكثر فساداً قياساً برؤساء وزراء إسرائيل إما أن تخضع إسرائيل بقضائها ورئيسها للضغوطات الأميركية بإصدار عفو عن نتنياهو وهذا ممكن في ظل سابقة عفو والده الذي كان رئيساً لإسرائيل أثناء قضية الباص 300 وإصداره عفو دون أن يضطر المجرمون لتقديم اعتذار كحل تريده كل الأطراف فنتنياهو يريد الخروج دون الاعتراف بالذنب لأن في ذلك ما يجرح مستقبله السياسي بعد كل رحلة الإنكار والرئيس الأميركي يرمي بكل ثقله والرئيس الإسرائيلي لا يحتمل ضغوطات والقضاء الإسرائيلي يريد أن يتخلص من هذه القضية التي أشغلته لسنوات بعد أن أصبح هدفاً من قبل جزء من الشارع الإسرائيلي اليميني الذي يهاجم المحكمة لارتباطات سياسية بعد أن كان القضاء مقدساً فوق النقد .

 

أما السيناريو الثاني وهو أن تصمد المحكمة أمام كل تلك الضغوطات وتستمر بمحاكمته حد إدانته ففي كثير من القضايا المتهم بها تمكنت الشرطة من تحويل المشاركين إلى شهود عيان من خلال صفقات مخففة وبالتالي إذا ما تمت محاكمته ستكون إسرائيل والمنطقة قد أسدلت الستار على شخصية هي الأكثر إشكالية على امتداد العقود الماضية منذ أن وصل رئاسة الحكومة منتصف تسعينات القرن الماضي كأصغر رئيس وزراء .