توقفت أمام الفقرات الرئيسة ، التي وردت في بيان الناطق الرسمي الجديد لكتائب القسام بتاريخ 29 ديسمبر/ كانون أول الماضي ، بشأن استشهاد قادتها العسكريين الأربعة ، وهم محمد السنوار - رئيس أركان كتائب القسام - ومحمد شبانة (أبو أنس)، قائد لواء رفح، الذي استشهد برفقة السنوار ، ,حكم العيسى (أبو عمر)، الذي وصفته الكتائب بأنه من القادة الذين راكموا خبرات عسكرية في أكثر من ساحة، قبل أن يستقر في غزة ويتولى مهام قيادية، ورائد سعد (أبو معاذ)- قائد ركن التصنيع- والناطق العسكري باسم كتائب القسام أبو عبيدة (حذيفة الكحلوت).
من يقرأ بدقة هذه الفقرات يلاحظ ما يلي :
- أن المقاومة بعد مرور 26 شهرا على العدوان الصهيو أمريكي، لا تزال تتحدث عن ذات المواقف التي أدلت بها في مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر 2023 حول تداعيات وأبعاد الطوفان، في أنه أدى إلى تصحيح المسار وإعادة روح المقاومة إلى الأمة بعد سنوات من الحصار والتهميش، وأنه أعاد القضية الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام الإقليمي والدولي. وهذا التوصيف لأبعاد وتداعيات الطوفان، يستند إلى الحقائق غير القابلة للنقض ممثلةً بالثورة الشعبية العالمية، وخاصةً في الدول الغربية ضد الكيان الصهيوني وحرب الإبادة الجماعية / وانكشاف زيف رواية معاداة السامية ، وتسيد الرواية العربية في فاسطين ، وتبني ودعم نهج المقاومة.
2- أن وقف إطلاق النار لم يكن منة من ترامب أو إبداء حسن نية منه ، بل جاء في ضوء فشل الولايات المتحدة وحكومة العدو في تحقيق الأهداف الواحدة والمشتركة لكل من الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني، ممثلةً بالقضاء على حركة حماس وتجريد حماس وفصائل المقاومة من السلاح، وتحرير الأسرى الصهاينة بالقوة، وتهجير الشعب الفلسطيني من قطاع غزة، ما يعني أن الرئيس الأمريكي يسعى إلى تحقيق هذه الأهداف عبر خطته التي تحولت إلى قرار من مجلس الأمن بعد أن فشل وشريكه نتنياهو بتحقيقها بالقوة.
- أن المقاومة سبق وأن صرحت بأن عدم لجوء أطراف النظام العربي الرسمي إلى خطوات عملية لفك الحصار عن قطاع غزة ، سيسهل مهمة العدو في طرح العدو مشروع (إسرائيل الكبرى) ، ويسهل مهمته في الضم التدريجي للضفة الغربية من خلال تكثيف الاستيطان ومصادرة الأراضي التي تجاوزت حتى الآن مليون دونم ، حيث جاءت تصريحات نتنياهو مؤخرا لتؤكد ما تحدثت به المقاومة مبكراً.
رسائل لكل من يهمه الأمر
لقد انطوى البيان الذي تلاه الناطق العسكري الجديد لكتائب القسام على عدة رسائل لكل من يهمه الأمر أبرزها :
- رسالة للكيان الصهيوني وللإدارة الأمريكية بأن السلاح لن ينزع طالما ظل الاحتلال قائماً، وهذه الرسالة كانت بمثابة رد مسبق على مخرجات لقاء نتنياهو التي تحدثت عن نزع سلاح حماس بالقوة إذا رفضت نزع سلاحها.
2- رسالة للإدارة الأمريكية عشية لقاء نتنياهو بترامب بأن المقاومة ملتزمة بوقف إطلاق النار من أجل الانتقال للمرحلة الثانية التي تنص على انسحاب قوات الاحتلال من المنطقة الصفراء التي تشكل (53) في المائة من مساحة قطاع غزة إلى الخط الأحمر قرب خط الهدنة، وأن حكومة الاحتلال هي من تعرقل الانتقال للمرحلة الثانية من خلال أكثر من (900) خرقاً ، وتتذرع بعدم تسليم المقاومة آخر جثة إسرائيلية رغم أنها لم تأل جهداً في البحث عنها تحت أطنان الركام . ورفض حماس في بيانها نزع سلاح المقاومة يشي في رسالة غير مباشرة ، أن قيادة حماس قبلت بخطة ترامب لسببين هما : الحد من عمليات الإبادة في قطاع غزة وللحصول على المساعدات الغذائية والطبية وعلى عشرات الآلاف من الخيام والكرافانات / لاستثمار وقف إطلاق النار، لمنح المقاومة فرصة لإعادة بناء نفسها عسكرياً وتنظيمياً ، بعد إجراء مراجعة لتجربتها منذ السابع من أكتوبر 2023.
3- أن ما جاء في البيان بأن وقف اطلاق النار في قطاع غزة لم يكن نتيجة ضغوط سياسية، بل "ثمرة لتضحيات شعبنا وبطولات مقاومته" ، كان بمثابة رسالة مفادها "أن المقاومة لا تزال بخير ، وأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أراد من خطته، أن يحقق بالمفاوضات ما عجز الكيان والإدارات الأمريكية عن تحقيقه بالحرب على مدى أكثر من عامين من العدوان الصهيو أمريكي الأطلسي على قطاع غزة.
4- رسالة للنظام العربي الرسمي الموزع بين شقي التواطؤ والخذلان ، بأن تخلي حكومات هذا النظام عن قطاع غزة ، وعدم استخدامها أوراق القوة لديها في قرارات القمم المتعاقبة مثل ورقة المعاهدات والاتفاقات مع الكيان الصهيوني، وورقة القوة الاقتصادية والمالية لم تشفع لها أمام غطرسة حكومة الائتلاف اليمينية بزعامة نتنياهو ، الذي أعلن بوضوح أن مشروعه في إقامة ( إسرائيل) الكبرى يشمل أجزاء من مصر ولبنان وسورية والأردن والعراق.
5- كما أن الكشف عن أسماء القادة العسكريين الكبار الذين استشهدوا قبل عدة شهور يؤكد على رسالة واضحة مفادها : "أن المقاومة مستمرة رغم استشهادهم ، ما يعني أن كتائب القسام تعمل تنظيمياً في إطار أفقي، ينطوي على مرونة في القيادة ، ما يمكنها من تعويض القادة الشهداء ببدلاء يمتلكون نفس الكفاءة والخبرة .
6- رسالة موجهة للإدارة الأمريكية حول قدرة القيادة على ضبط المقاتلين في الالتزام بوقف إطلاق النار رغم خروقات العدو وارتقاء ما يزيد عن 420 شهيداً منذ وقف إطلاق النار كما أن الرسالة أكدت على حق المقاومة بالرد ، ما يعني امتلاكها القدرة على الرد والجهوزية للرد.
انظر النصين الواردين في البيان :(ورغم كل ما جرى من اعتداءات وخروقات منذ توقف الحرب تجاوزت كل الخطوط الحمراء، أدت المقاومة ما عليها من التزامات وتعاملت بمنتهى المسؤولية مراعاة لمصالح أبناء شعبنا وتفويتا للفرصة على الاحتلال الذي يحاول اختلاق الذرائع الكاذبة للعودة إلى سفك الدماء، مع تأكيدنا على أن حقنا بالرد على جرائمه هو حق أصيل ومكفول ). (أنّ جرائم الاحتلال باغتيال قادة ورموز وأبناء شعبنا لن تفلح بكسر إرادتنا وقوَّة وبسالة مقاومتنا وثنينا عن مواصلة المقاومة).
7- أن المقاومة رغم موافقتها التكتيكية على بعض بنود خطة ترامب ، إلا أنها أكدت في بيانها على رسالة استمرار انتمائها والتزامها بمحور المقاومة رغم ما ألم ببعض أطرافه من جراح، من خلال الإشادة بدور حزب الله وإيران و اليمن بقيادة حركة أنصار الله وبالمقاومة العراقية وبأحرار الشعب الأردني .
8- رسالة لكافة أطراف معسكر العدو بأن المقاومة في صمودها واستمراريتها ، تستند بشكل رئيسي لحاضنتها الشعبية العظيمة التي لم تخذل المقاومة رغم حرب الإبادة والتجويع ، حيث لم يشهد قطاع غزة الذي قدم على مذبح الحرية ما يزيد عن 242 ألف شهيد وجريح ، أية مظاهرة ضد المقاومة ، والمظاهرة الوحيدة التي صفق لها الأعداء والمتربصون من بعض الرسميات العربية ، تبين أنها من صنع كتائب القسام في سياق تمويهي لنقل بعض الأسرى الصهاينة من مكان إلى آخر .
انظر النص التالي في بيان الناطق الرسمي الجديد في كتائب القسام:
"سلام على خيامكم البالية وبيوتكم المتصدعة وأجسادكم المتعبة، لكن إيمانكم ويقينكم أقوى مما يتصوره الأعداء والمتآمرون.... يا له من فخر وشرف أن تختلط دماء المجاهدين مع دماء أهليهم، وأن يتوسط القادة وعائلاتهم صفوف المضحين بكل ما يملكون، فنحن منكم وأنتم منا، قدمنا معاً بنفوس راضية أغلى ما نملك استجابةً لنداء ربنا وطمعاً في ما عنده".
لماذا عم الحزن الكبير على ارتقاء أبو عبيدة شهيداً ؟؟
ويبقى السؤال لماذا انشغلت وسائل التواصل الاجتماعي بخبر استشهاد "أبو عبيدة" ؟ ولماذا انشدت الجماهير الفلسطينية والعربية والإسلامية والجماهير في مختلف دول العالم لخبر استشهاد أبو عبيدة وعمها الحزن الكبير ، بعد أن بنت الأمنيات على احتمال نجاته من عملية القصف الجوي للبناية التي تواجد فيها في مدينة غزة؟
الجواب يكمن في عدة أمور وهي :
- لأنه كان ينقل أخبار المقاومة وانتصاراتها بأسلوب تعبوي شيق ، وصوت إذاعي جذاب يعكس قدرة إعلامية هائلة في مخاطبة الجمهور ، فهذا الملثم الذي أحبه الملايين وانتظروا إطلالته بشغف، نقل إلى العالم مجريات طوفان الأقصى وبطولات مجاهدي غزة".
- لأن خطابه التعبوي كان يستند إلى حقائق ملموسة لدرجة أن المستوطنين كانوا يصدقونه ويكذبون الناطق الإعلامي باسم قوات الاحتلال.
3- لأنه لم يكتف بنقل أخبار المقاومة وانتصاراتها بل كان يكشف أزمات العدو ويبشر بقرب نهاية هذا العدو ، ناهيك أن خطابه كان يتجاوز الجمهور الفلسطيني والعربي باتجاه مخاطبة أحرار العالم ، ما جعل العديد من داعمي القضية والمقاومة في مختلف دول العالم يبكوه كما بكاه الفلسطينيون والعرب .
4- وما عزز من مضمون خطابه التعبوي ثقافته العالية ، فهو يحمل أكثر من شهادة علمية إضافة إلى أنه انتظم مبكراً في صفوف كتائب القسام مقاتلاُ.
وأخيراً لأنه على مدى عقدين من الزمن ، ظهر بصورة الملثم بكوفيته الحمراء ، ورفعت صورته في كافة المسيرات التي عمت العديد من العواصم العربية والعديد من العواصم والمدن الغربية حيث تحول إلى أيقونة ثورية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ، ولم يكشف عن اسمه الحقيقي " حذيفة الكحلوت " إلا بعد صدور بيان الناطق الجديد باسم كتائب القسام .

