Menu

أمريكا: سيفُ لدولة الكيان من العراق إلى فنزويلا… حروبٌ بالوكالة لا مصلحه للشعب الأميركي

جمال كنج

بوابة الهدف

لم تعد السياسة الخارجية للولايات المتحدة تُدار باعتبارها تعبيرًا عن الإرادة الشعبية أو الالتزام الدستوري، بل باتت تُصاغ داخل دائرة مغلقة من ساسةٍ مُفرغين من أي وزن أخلاقي أو قانوني، يقابلهم فاعلون نافذون يعملون بعقيدة «إسرائيل أولًا». في هذا المشهد، تُختزل القوة الأميركية إلى أداةٍ تُستخدم لتنفيذ أجندات خارجية لا تمتّ بصلةٍ إلى الديمقراطية أو المصالح الوطنية الأميركية. ما يجري ليس ارتباكًا، بل هندسةٌ واعية لانحراف السلطة.

إن ما يُروَّج له كـ«إنفاذٍ لقوانين مكافحة المخدرات» ضد رئيس فنزويلا ليس سوى عدوانٍ مُبيَّت، يُستَخدم فيه القانون غطاءً لعملٍ حربي يخدم مصالح استراتيجية إسرائيلية، ويُرضي شهية شركات نفط عابرة للقارات. نحن أمام عملية اختطاف سياسي مُقنَّعة، تُسخَّر فيها مؤسسات الدولة الأميركية لصالح قوى أجنبية، في انتهاكٍ سافر للقانون الدولي وتهديدٍ مباشر للاستقرار العالمي.

لم تكن الحروب الأميركية الكارثية في العراق و ليبيا وسوريا أخطاءً في التقدير أو نتاج سوء إدارة، بل كانت حروبًا إسرائيلية بالوكالة، جرى تمريرها عبر تلفيق استخباراتي، وضغوط سياسية ممنهجة، ونخبة أميركية متواطئة قبلت أن تكون أداة تنفيذ لا صانعة قرار.

فحرب العراق لم تُشَنّ دفاعًا عن الأمن القومي الأميركي، بل صُمِّمت داخل البنتاغون على أيدي «محافظين جدد» يدينون بولائهم لدوله الكيان، اختلقوا أكذوبة أسلحة الدمار الشامل لجرّ الولايات المتحدة إلى حربٍ صُنعت خصيصًا لتلبية المتطلبات الأمنية الصهيونيه. أما ليبيا فدُمِّرت تحت ستار «التدخل الإنساني»، وسوريا حُوِّلت عمدًا إلى ساحة استنزافٍ إقليمي ودولي. وفي كل هذه الحالات، لم يتحقق وعدٌ واحد من وعود الديمقراطية أو الاستقرار؛ وحده الهدف الإسرائيلي تحقق، ودفع الأميركيون الثمن دمًا ومالًا.

واليوم، يُعاد إنتاج السيناريو ذاته مع إيران. فمشروع الحرب عليها لم ينبثق من تهديدٍ فعلي، بل صاغه مليارديرات يهود أميركيون يعملون بمنطق «إسرائيل أولًا»، وعلى رأسهم ميريام أدلسون، مدعومين بإعلامٍ مُسخَّر وصحافةٍ مُجنَّدة. وقد بلغ التغلغل حدّ الدعوة العلنية لانتهاك الدستور الأميركي عبر الترويج لولايةٍ رئاسية ثالثة، في سابقةٍ تُعرّي حجم النفوذ الذي بات يتجاوز حدود الدولة نفسها.

وفي هذا السياق، يصف دونالد ترامب نيكولاس مادورو بـ«تاجر مخدرات» لتبرير اختطافه، في الوقت ذاته الذي يمنح فيه العفو لخوان أورلاندو هرنانديز، الرئيس الهندوراسي السابق، المُدان أمام القضاء الأميركي كزعيم شبكة كوكايين حوّلت بلاده إلى دولة مخدرات. هذا ليس تناقضًا عابرًا، بل معيارٌ سياسي فاضح: ولاء هرنانديز لده الكيان يمنحه الحصانة، واعتراض مدوور على حرب الاباده يستجلب المحاسبة.

لقد تجرأ مادورو على إدانة الجرائم الصهيونيه في فلسطين، فكان لا بد من معاقبته. لا علاقة لهذا بالعدالة أو بمصلحة الأميركيين. إنها تصفية حسابات صهيونيه بغطاء أميركي. وقد عبّر بنيامين نتنياهو-المطلوب دوليًا بتهم جرائم حرب والذي يتمتع بالأمان داخل البيت الأبيض- عن هذه الرغبة علنًا قبل أيام فقط من خطف رئيس فينزويلا. وليس مفاجئًا أن تكون دوله الاحتلال، على الأرجح، الجهة الوحيدة في العالم التي رحبت علنًا باختطاف رئيس دولة ذات سيادة.

وإذا كانت واشنطن تُنصّب نفسها شرطيًا فوق القانون الدولي، وتمنح ذاتها حق إسقاط الأنظمة في «جوارها»، فما الذي يمنع الصين أو روسيا من انتهاج السلوك ذاته؟ أي نظام دولي سيبقى إذا اصبح اختطاف القادة وتلفيق التهم سياسةً معتمدة؟ إن الصين تملك حججًا تاريخية وجغرافية أقوى تجاه تايوان مما تمتلكه الولايات المتحدة تجاه فنزويلا البعيدة آلاف الأميال عن أراضيها، وكذلك روسيا في محيطها الإقليمي.

إن تحويل القضاء الوطني إلى أداة عدوان خارجي يُقوّض النظام القانونيً الدولي من جذوره. فالمحكمة الجنائية الدولية وحدها تملك صلاحية إصدار مذكرات التوقيف. والادعاء بـ«إنفاذ القانون» لا يمنح الشرعية، خصوصًا حين تُرحّب امريكا بمجرم حرب مطلوب دوليًا، وتفرض العقوبات على المحكمة الجنائية الدولية بدل تنفيذ قراراتها. وما يُقدَّم على أنه دفاع عن الديمقراطية ليس سوى غطاء فجّ للنهب، والهيمنة، وخدمة أجندة «إسرائيل أولًا». هذه ليست قوة عظمى تحمي النظام الدولي، بل قوه تعمل على تقويضه.

للأسف استهداف فنزويلا لم يكن حادثًا معزولًا. فللولايات المتحدة سجلًا دمويًا طويلًا في أميركا اللاتينية من الانقلابات، وتغيير الأنظمة، ودعم الطغاة، وإسقاط حكومات منتخبة ديمقراطيًا، غالبًا عبر عمليات سرية لوكالة الاستخبارات المركزية، من غواتيمالا وتشيلي إلى البرازيل وبوليفيا وغرينادا.

لقد بلغ النفوذ الإسرائيلي على القرار الأميركي حدًّا أصبحت فيه واشنطن ذراع تنفيذ لتصفية الحسابات الصهيونيه. هذا الخلط المتعمّد بين المصالح الأميركية و اجنده دوله الاحتلال لا يقود إلا إلى فوضى دولية، ويخدم دوله الكيان عبر تحويل الأنظار عن جرائمها المستمرة بحق الشعب الفلسطيني.

وفي المحصلة، يدفع دافع الضرائب الأميركي الثمن. فمنذ عام 2001، أنفقت الولايات المتحدة أكثر من ثمانية تريليونات دولار على حروبٍ صُمِّمت لخدمة دوله الاحتلال، بينما تُترك العائلات الأميركية دون رعاية صحية أو تعليم أو سكن كريم.

لسنا هنا في سجال حول نيكولاس مادورو أو طبيعه نظامه؛ فذلك شأنٌ يخص الشعب الفنزويلي وحده. غير أن دولة تُجاهر بإعجابها بديكتاتوريين «أصدقاء»، وتغض الطرف عن غياب الصحافة الحرة والانتخابات، لا تملك أي شرعية أخلاقية لتوزيع شهادات الديمقراطية.

اختطاف رئيس دولة من غرفة نومه ليس دفاعًا عن الديمقراطية، بل هو استعراض وقح للقوة، يُنفَّذ خدمةً لمصالح شركات النفط والأجندة الصهيونيه. الولايات المتحدة لا تنشر الحرية بانتهاك القانون الدولي، ولا تخدم شعبها حين تتحول قوتها العسكرية إلى أداة بيد لوبيات «إسرائيل أولًا».