على ضوء ما جرى ويجري في غزة من حرب صهيونية إبادية، ومن تدمير شامل ومحو كامل عن وجه الأرض لأحياء كاملة وتهديمها على رؤوس ساكنيها في كافة مدن وبلدات وقرى قطاع غزة تطبيقا لسياسات التطهير العرقي، وعلى ضوء ما كشف النقاب عنه من مخططات تهجير لأهلنا في غزة، وفي ضوء تصاعد حملات الاجتياح والقتل والتدمير والتهجير في مخيمات شمال الضفة الغربية، يمكننا أن نوثق في الجوهر وفي الصميم أن هذه الحرب الاقتلاعية-الترحيلية لأهلنا في غزة وامتدادا الى الضفة الغربية إنما هي محطة اخرى في السياق الارهابي الصهيوني، واننا أمام أكثر من سبعة وسبعين عاما من سياسات التطهير العرقي وجرائم الحرب الصهيونية المفتوحة في فلسطين، ولم يحرك العالم ساكنا، و" لم يظهر العين الحمرا كما يظهرها في أماكن أخرى، "ولم تتحرك الجنائية الدولية أبدا..؟!
نستحضر ذلك ونتساءل على خلفية ما جرى ويجري في غزة وفي جنين ونابلس وطولكرم-نور شمس ومخيم عقبة جبر وغيرها من اجتياحات عسكرية دموية وتدميرية، فمنذ أن بدأت العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا على سبيل المثال، لم نرَ دمارا شاملا أو قتلا جماعيا أو إبادة جماعية للأطفال والنساء والشيوخ، ولم نر حرقا لعائلات كاملة بنسائها وأطفالها كما نشاهد في فلسطين منذ بدايات النكبة والكيان، ولم نرَ تهديما كاملا للمدن والبلدات والقرى والاحياء كما لم نرَ محوا كاملا لحضارة شعب كما يجري في فلسطين وفي غزة على نحو خاص، وكل هذه الجرائم اقترفت وما تزال في فلسطين وتبث بالبث الحي والمباشر على مرأى العالم كله، ولم يحرك هذا العالم ساكنا ولم ترف له عين...!
"إسرائيل" وكلّ هذا الهدم..!..
وفي ضوء الكم الهائل من معطيات سياسة الهدم الإسرائيلية للبنى التحتية الفلسطينية نوثق أولا: أن سياسة هدم البيوت الفلسطينيّة "تشكل أداة من أدوات الاستعمار الاستيطانيّ الصهيونيّ؛ لخدمة مشروعه القائم على فكرة الدولة اليهوديّة العنصريّة؛ ففي حين يشكّل النتاج البنائيّ؛ الشعبيّ والتاريخيّ والتراثيّ، بطابعه المعماريّ الفلسطينيّ، أداة مقاومة فاعلة تُرسّخ ذاكرة المكان وهويّة الجماعة، يوظّف الاستعمار سياسة الهدم لعبرنة الفضاء الفلسطينيّ، وتهويد الأرض، وطمس الهويّة الفلسطينيّة للمشهد العمرانيّ، إضافة إلى كونه إجراء أمنيًّا وعقابيًّا لردع أنماط المقاومة المختلفة-من دراسة لإيمان بديوي نشرت على موقع متراس-12/09/2023". فمنذ مطلع القرن الماضي، تعدّدت أساليب وممارسات الاستعمار الصهيونيّ لتحقيق الهيمنة المكانيّة على الجغرافيا المستعمَرة؛ في محاولة لنفي كلّ مقوّمات السيادة الفلسطينيّة على الأرض؛ فشكّلت "كلٌّ من التقنيّات والممارسات المرتبطة بالحيّز المكانيّ منظومة من السيطرة الكولونياليّة وأداة للفصل- نقلا عن ايمان بدوي عن-إيال وايزمان، أرض جوفاء: الهندسة المعماريّة للاحتلال الإسرائيليّ، ترجمة: باسل وطفه (بيروت: الشبكة العربيّة للأبحاث والنشر ومدارات للأبحاث والنشر، 2017)، بدءًا من النكبة وما رافقها من تهجير للفلسطينيّين، مرورًا بأحداث اجتياح القرى ومحوها، وحرق الممتلكات وسرقتها، وادّعاء يهوديّة بعض النماذج العمرانيّة، وتحويلها إلى مؤسّسات وبيوت إسرائيليّة، وإعادة تسمية بعض الأماكن والمباني الأثريّة بأسماء توراتيّة، كما "ظهرت أنظمة جديدة للترسيم والتمثيل البصريّ، ولعلّ تشويه الأسماء العربيّة للمناطق المحتلّة يُعَدّ أساسًا لخطاب احتلاليّ يبتغي إعادة إنتاج المكان إدراكيًّا بطمس مفاهيم ونحت أخرى"[عبدالله البياري، "معمار الاحتلال وإعادة اختراع المكان"، العربيّ الجديد، 29/3/2015، شوهد في: 3/9/2023: https://www.alaraby.co.uk/%D9%
ويلاحظ أن سياسة الهدم الإداريّ هو الّذي يسعى الاستعمار من خلاله إلى تقييد حركة البناء الفلسطينيّ وتوسيع الاستيطان؛ لتهويد فضاءَي القدس والضفّة الغربيّة... وتتجلّى سياسة الانتقام والسلطة على العمارة الفلسطينيّة في الصور الّتي يهدّم فيها الاستعمار العمران البنائيّ في كلٍّ من القدس والضفّة الغربيّة وقطاع غزّة وأراضي 48، وتتمثّل في:
1- الهدم العسكريّ-الأمنيّ، وهو ما نشاهده من صور قصف المباني والمنشآت باستهدافها جوًّا، في كلّ عدوان إسرائيليّ على غزّة؛ لإضعاف القوى الفلسطينيّة وإنهاكها بتصعيد حجم الخسائر.
2- الهدم الإداريّ أو الجنائيّ (مخالفات البناء)، وهو الّذي يسعى الاستعمار من خلاله إلى تقييد حركة البناء الفلسطينيّ وتوسيع الاستيطان؛ لتهويد الفضاء الفلسطينيّ، وذلك من خلال رفض مَنْح الفلسطينيّين تصاريح بناء على أراضيهم وفي تجمّعاتهم السكنيّة، في مقابل صلاحيّات مفتوحة لليهود في بناء التجمّعات السكّانيّة؛ وهو ما ترتّب عليه هدم الاستعمار لبيوت الفلسطينيّين بحجّة أنّها غير مرخّصة. وفي هذه الحالة، يُجْبَر الفلسطينيّ على هدم بيته بيديه، وإن لم يفعل ذلك تهدم السلطات الإسرائيليّة البيت، وتُلزم أهله بدفع تكلفة ذلك باهظًا.
3- الهدم العقابيّ، وهو استهداف لمنازل الأفراد المتّهمين بتنفيذ عمليّات ضدّ جنود الاستعمار والمستوطنين، ويمثّل أحد أشكال العقوبات الجماعيّة؛ فهو انتهاك مباشر لعائلة المنفّذ الّذي لا يشهد عمليّة الهدم أصلًا؛ فهو إمّا شهيد وإمّا مطارَد وإمّا أسير في سجونهم، وتمارَس عليه كلّ آليّات العقاب. وفضلًا على أنّها سياسة قمع ممنهجة؛ تتّخذ من الهدم وسيلة لردع الفلسطينيّين من تكرار العمليّات الفرديّة، وللسيطرة على حالة التوتّر والتخوّف، الّتي تثيرها العمليّات بين المستوطنين. –إيمان يديوي-المصدر السابق نفسه-.
ويشكل هدم مئات البيوت الفلسطينية كل سنة إحدى أقدم السياسات التي تنتهجها إسرائيل منذ نشأتها، ولا يمكن للفلسطينيين أن يضمنوا في ظل هذه الظروف حقهم في السكن، إذ يبقى البيت بالنسبة لهم، منذ النكبة، رمز السلب المتجدد الذي يتعرضون إليه… في فلسطين، يستخدم الاحتلال الإسرائيلي البيوت كعقاب لأصحابها ويقوم بهدمها من أجل ترحيلهم، أو يقوم بترحيلهم ثم هدمها، أو يهدمها ليعاقبهم على فعل مقاوم، أو يهدمها في حملات تهدف إلى التصفية الجماعية مثل الحروب على غزة، أو ضمن سياسات تهويد واسعة للمكان كما يحدث في القدس والأغوار شرقي الضفة الغربية، أو كوسيلة لتهديد الأسرى في السجون الإسرائيلية أثناء التحقيق: “إما هدم المنزل وتشريد العائلة أو تقديم اعتراف”… وقد دمر الاحتلال الإسرائيلي منذ النكبة أكثر من 500 قرية وبلدة فلسطينية. وقدر عدد المنازل التي هدمها الكيان منذ ذلك الحين بنحو 170 ألف مسكن فلسطيني. وفي النكبة نفسها هُجر نحو مليون فلسطيني من المناطق التي احتلت في العام 1948، والذين أصبحوا الآن حول سبعة ملايين في أنحاء العالم- تقرير خاص – (أوريان 21) 26/10/2021".
وفي هذا السياق المتعلق بإستراتيجيات الهدم والتهديم والتدمير الشامل الصهيونية نتابع بعضا من الوثائق والشهادات الأخرى المتعلقة بالتدمير المنهجي للمجتمع الفلسطيني والتي كنا اشرنا إليها مرارا في دراسات سابقة ونستحضرها هنا ثانية للتذكير دائما..!
إستراتيجية نتنياهو: تدمير المجتمع الفلسطيني...
وفي التوثيق فقد دفعت عملية السابع من أكتوبر/2023 نتنياهو إلى "اتخاذ القرار الأهم في حياته السياسية: تدمير المجتمع الفلسطيني في غزة وتهجيره، عقاباً له على ما حصل في مستوطنات الغلاف، مثلما تُروى النكبة الأولى في السردية الإسرائيلية على أنها عقوبة للفلسطينيين لرفضهم خطة التقسيم وهجومهم على المجتمع اليهودي. التنفيذ متذبذب والتصريحات مربكة، لكن الأفعال واضحة: "الحكومة تندفع نحو محو غزة"، حسبما قال وزير التراث عميحاي إلياهو. هذا هو "النصر الكامل" الذي وعد به نتنياهو- ٱلوف بن-هآرتس-2025-7-31-".
الأهداف الحقيقية الكبيرة غير المعلنة لجيش الاحتلال في غزة..!
مرة أخرى نعود لنذكر من أجل تصويب البوصلة: ما أعلنه نتنياهو وأعضاء المجلس الحربي الصهيوني على مدار الساعة عن أهداف الحرب لديهم وهي: القضاء على قدرات حماس العسكرية وتحرير الرهائن-الأسرى- ما هي إلا أهداف كاذبة واستهلاكية للرأي العام، فالأهداف الحقيقية غير معلنة لديهم هي الإبادة الجماعية للفلسطينيين وخاصة للنساء والاطفال والتدمير الشامل للبنى التحتية بمعنى تسوية كل ما هو فوق الأرض بالأرض، والتهجير الجماعي للفلسطينيين، كي يتحول قطاع غزة بكامله إلى مكان غير صالح للسكن والحياة، وفي ذلك كشف ضابط إسرائيلي خدم في قطاع غزة الجمعة، أن المهام التي ينفذها الجيش هناك تقتصر بشكل شبه كامل على تأمين عمليات هدم واسعة، في إقرار صريح بأن التدمير الشامل للبنية التحتية والمنازل هو أحد الأهداف الرئيسية للحرب، ونقلت صحيفة “هآرتس 2025-7-18 ”، عن الضابط الذي أشير إليه بالحرف الأول من اسمه “أ”، قوله: “على أهالي الجنود أن يفهموا ما يجري هناك. المهمة الأساسية، والوحيدة تقريبًا، للقوات هي تأمين أعمال هدم الجرافات والتدريبات". وأوضح أن العمليات تنفذ تحت تسمية عسكرية تُعرف بـ”السقف على الأرض”، لكنها “ليست مهمة عسكرية بطبيعتها”، وإنما تهدف إلى تدمير الأحياء والمنشآت بشكل ممنهج. وبحسب شهادة الضابط، فإن عمليات الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة تقوم على “هدم هائل للمنازل”، دون امتلاك أي معلومات استخبارية دقيقة عن أهداف محددة. وقال إن “ما يحدث ببساطة هو تدمير واسع النطاق، يُنفّذ وفق خطة ومؤشرات عملياتية مسبقة”.
فيما أكد رونين برغمان معلق الشؤون العسكرية في صحيفة "يديعوت أحرنوت" في وقت سابق، أن "الضغط العسكري لا يؤدي إلى إطلاق سراح المختطفين في غزة والقيادة الإسرائيلية تعلم ذلك جيدًا، ولكنها تستخدمه كمبرر لاستمرار الحرب البرية-الإبادية والتدميرية-". بينما نشرت مجلة "ذي نيشين" مقالا ل"جوشوا فرانك" قال فيه "إن الوحشية بالنسبة لإسرائيل هي الهدف من حملتها ضد غزة". وأكد في مقاله "أن هدف إسرائيل من قصفها للقطاع هو جعله مكانا غير صالح للعيش بنهاية حملتها العسكرية التي لا ترحم- واشنطن-وكالات - الثلاثاء : 16-1- 2024".
وحتى لا يبقى الكثيرون تائهين أو متسائلين عن الأهداف الصهيونية الحقيقية وراء هذه الحرب الإبادية على شعبنا في غزة، وكي نتابع الأحداث في ظل قراءة إستراتيجية لتطورات الميدان والأجندات السياسية الراهنة والمحتملة، نستحضر أيضا ما كان الكاتب الإسرائيلي يوفال أبراهام قد وثقه حول الأهداف المرسومة في المخطط الحربي الاسرائيلي فأوضح: "وفقا للمصادر التي تحدثت إلى فريق البحث المشترك، يمكن تقسيم الأهداف في غزة التي قصفتها الطائرات الإسرائيلية إلى أربع فئات تقريباً:
تتضمن الفئة الأولى ما يعرف بـ “الأهداف التكتيكية”، وتشمل أهدافا عسكرية معيارية مثل الخلايا العسكرية المسلحة، ومستودعات الأسلحة، وقاذفات الصواريخ الأرضية والصواريخ المضادة للدبابات، وحفر الإطلاق، وقذائف الهاون، والمقرات العسكرية، ومراكز المراقبة، وما إلى ذلك.
وتشير الفئة الثانية إلى “الأهداف تحت الأرض”؛ وبشكل أساسي الأنفاق التي حفرتها حماس تحت أحياء غزة، بما فيها الأنفاق تحت منازل المدنيين، ويمكن أن تؤدي الغارات الجوية على هذه الأهداف إلى انهيار المنازل فوق الأنفاق أو بالقرب منها.
أما الفئة الثالثة من الأهداف- وهي الأهم والأخطر-هي “أهداف القوة”، وتشمل المباني الشاهقة والأبراج السكنية في قلب المدن، والمباني العامة مثل الجامعات والبنوك والمكاتب الحكومية، والغاية أو الفكرة وراء القصف والتدميرالمتعمد لمثل هذه الأهداف هي دفع المجتمع الفلسطيني إلى الهجرة.
أما الفئة الأخيرة فتتألف من “منازل العائلات” والغرض المعلن من هذه الهجمات هو تدمير المساكن الخاصة من أجل اغتيال أحد السكان المشتبه في أنه ناشط في حماس أو الجهاد الإسلامي. إلا أن الإفادات الفلسطينية في الحرب الحالية تؤكد أن العائلات التي قتلت لم يكن من بينها أي ناشطين من هذه التنظيمات.
ويلاحظ أن الجيش الإسرائيلي يولى -كما يبرهن على مدار الساعة في غزة ولبنان-اهتماماً خاصاً ورئيسيا بالفئتين الثالثة والرابعة من "أهدافه التكتيكية" كما يزعم مع أنها هي الأهداف الإستراتيجية الكبيرة الحقيقية التي تعني عمليا الإبادة الشاملة لكل شيء فلسطيني فوق أرض قطاع غزة....!
إسرائيليون كلنا مجرمون ومن عائلة الإبادة الجماعية
وتحول المجتمع الصهيوني في أعقاب نتنياهو إلى مجتمع مجرم بالكامل، وفي ذلك أكد المحلل الاسرائيلي ميخائيل سفارد منهجية التدمير الشامل قائلا:"إسرائيل تدمر غزة الآن. سموا هذا تطهيراً عرقياً، سموه محواً، ويمكنكم تسميته إبادة جماعية، سموه ما شئتم. لا شك لدي بأن من وضع مفهوم إبادة جماعية، رجل القانون اليهودي البولندي رفائيل ليمكن، كان سيكتب بدموع الخجل أن دولة اليهود ترتكب إبادة جماعية في غزة. هي تدمر المكان وتصفي المجموعة الإنسانية التي تعيش فيه. إن التدمير المادي لفضاء غزة هو تدمير ممنهج، بيت وراء بيت، مبنى عام وراء مبنى عام، بنية تحتية وراء أخرى.. مكان كان بيتاً لأكثر من مليون شخص، أصبح تحت الصفر. مؤسسات تعليمية، عيادات، حوانيت، بنى تحتية للمياه والكهرباء والمجاري، شوارع وأرصفة، كل ذلك أصبح رماداً. بيانات تم حسابها استناداً إلى صور جوية، فإن 70 في المئة من مباني القطاع تم تدميرها بالكامل أو تضررت بشكل لا يسمح باستخدامها، هذا قبل عملية “عربات جدعون 2” وتنفيذ وعد وزير الدفاع لحاخامات “الصهيونية الدينية” بأن “غزة ستكون مثل بيت حانون- ميخائيل سفارد-هآرتس 29/8/2025".
أين اختفت المدن والقرى الفلسطينية....؟!
وفي سياق نهج التدمير الشامل لفلسطين منذ النكبة كان الدكتور وليد مصطفى وهو باحث متابع متخصص، قد أكد من جهته في دراسته التي نشرت بعنوان "التدمير الجماعي للقرى الفلسطينية": "أن 62.6% من مجموع القرى الفلسطينية التي كانت موجودة في فلسطين قد هدمت على أيدي السلطات الصهيونية، وإذا أخذ بعين الاعتبار أن بعض أقضية فلسطين لم تقع بأكملها تحت سيطرة العدو عام 1948، نجد أن الـ 468 قرية التي هدمت قبل 1967، قد شكلت 78.4% من مجموع القرى الفلسطينية الـ 598 التي خضعت للسيطرة الصهيونية في ذلك العام"، وجاء في جداول الدراسة الموثقة "أن عدد المواقع الفلسطينية التي كانت قائمة في فلسطين حسب التقسيم الإداري لعام 1931، بلغ 755 موقعاً، هدم منها خلال عام 48 (472) موقعاً، وقد بلغ عدد بيوتها آنذاك 52812 بيتاً، وبلغ عدد سكانها حسب إحصاء 338428.1945 نسمة".
وجاء في تقرير للكاتب الإسرائيلي "تسفرير رينات" نشر في هآرتس بعنوان: "أين اختفت القرى العربية":
"إن المؤرخين الناقدين للحركة الصهيونية بصورة خاصة، مثل الدكتور ايلان بابيه، يقولون إن اختفاء القرى الفلسطينية من مواقعها هو جزء من سياسة منهجية مبرمجة لطمس وجودها من أجل بلورة تاريخ جديد يتلاءم مع الرواية الصهيونية التي تدعي أن البلاد كانت فارغة وأنها تحولت إلى أرض خضراء مزدهرة بسبب نشاطات الكيرن كييمت وأمثالها"، ويقول الدكتور ايلان في البحث: أن تاريخ فلسطين يُنقل إلى عهد التلمود القديم".
وجاء في دراسة أخرى أجرتها في السنوات الأخيرة ناغا كيدمون (في إطار دراسات السلام والتطوير بتكليف من جامعة غوتبرغ في السويد وبتوجيه البروفيسور أورن يفتحال من جامعة بن غوريون) وجدت "أن أحراش الكيرن كييمت التي تشمل (86) قرية فلسطينية، وتطلق عليها بأنها "مغربية"، وفي أغلبية المواقع توجد لافتات إرشادية، إلا أن 15 في المئة فقط تتطرق إلى القرية العربية في الموقع، وأغلبية النصوص في الكراسات والصحف والإعلانات لا تتطرق لاسم القرى الفلسطينية إطلاقا، ولا تتطرق إلى كونها عربية".
تدمير لحضارة كاملة!
وفي هذا السياق على نحو حصري كشفت صحيفة "هآرتس العبرية النقاب عن "حملة مبيتة لتفجير المساجد"، حيث أشار مراسل الصحيفة وهو ميرون رفافورت إلى "أن إسرائيل هدمت ما لا يقل عن 120 مسجدا في القرى الفلسطينية التي احتلتها العام 1948، إضافة إلى بعض الكنائس المسيحية، بل إنها هدمت خلال الحملة عدة كنس (أماكن العبادة اليهودية)"، ويوضح "بأن هذا الهدم الذي تم في كثير من الأحيان بعمليات تفجير بالديناميت كان غرضه القضاء على أي أثر عربي في البلاد والعمل بأكبر قدر ممكن للحفاظ فقط على ما تبقى من آثار يهودية فيها ومحو أي أثر عربي فيها، وكأن الإسرائيليون يريدون أن يقولوا إن هذه البلاد لليهود فقط، ولم يكن فيها أي أثر عربي".
ويضيف رفافورت في تقريره الموسع المقتبس من كتاب صدر مؤخرا في لندن لباحث إسرائيلي في علم الآثار يدعى راز كلتر، قوله إنه "لم يفاجأ بما فعله الإسرائيليون ضد الفلسطينيين في ذلك الوقت من ترحيل وتدمير، لأنه "لو كان العرب هم الذين انتصروا، لما فعلوا غير ذلك".
ويقتبس رفافورت من كتاب كلتر: "إن ما حدث تدمير جذري لمدن وقرى، وتدمير لحضارة كاملة، بحاضرها وبماضيها، ومن معالم للحياة خلال 3000 سنة، وحتى الكنس الباقية في الأحياء العربية التي هدمت، فسيفساء وقلاعا، ولولا بعض الناس المجانين في هذا الموضوع أمثال ييفين وغيره لكانوا مسحوا كل شيء على وجه الأرض"، ويؤكد "بأن الهدم كان يهدف إلى القضاء على بقايا الوجود العربي الذي أزعج القادة الإسرائيليين".
دور الجيش في إزالة آثار المدن والقرى!.
وهكذا إذن: تظهر الوثائق المفرج عنها من أرشيف الجيش الإسرائيلي: "أن الجيش الإسرائيلي عمل منذ قيام الدولة العبرية في العام 1948 على إزالة آثار قرى وبلدات عربية تم تهجير سكانها ومحوها من الوجود وتنفيذ حملات غايتها تفجير مساجد وأضرحة أولياء بأوامر صادرة عن قائد الجبهة الجنوبية في حينه موشيه ديّان، الذي حول حسب المؤرخ الإسرائيلي: فلسطين إلى صحراء مدمرة لطمس الحضارة العربية التي كانت قائمة وإقامة إسرائيل عليها".
وإذا ما أضفنا إلى ذلك جملة لا حصر لها من الوثائق الإسرائيلية والفلسطينية والبريطانية، فإنه يمكن التأكيد أن سياسة التهديم الشامل للمدن والقرى الفلسطينية، وسياسة الترحيل الشامل للشعب الفلسطيني اعتبرت ركيزة أساسية من ركائز الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل.
كما اعتبرت هذه السياسة من أشد الأسرار صونا في الحياة الإسرائيلية كما يؤكد البروفسور الإسرائيلي "إسرائيل شاحاك" قائلاً: "قبل العام 1948وضمن نطاق الأراضي المقامة عليها دولة إسرائيل، تعد المسألة من أشد الأسرار صونا في الحياة الإسرائيلية، فلا توجد نشرة أو كتاب أو كراس يتحدث عن عددها أو مواقعها، وهذا أمر مقصود، وذلك من أجل أن تكون الأسطورة الرسمية المقبولة عن بلاد فارغة، قابلة للتعميم في المدارس الإسرائيلية، ولروايتها للزوار والسياح".
ولذلك نقول ربما تكون الوثائق والشهادات العبرية/الصهيونية المتعلقة بالنكبة ومشهد التطهير العرقي والتدمير الشامل لفلسطين على أيدي التنظيمات والدولة الصهيونية، التي يكشف عنها تباعا على مراحل زمنية متباعدة، من أهم الوثائق التي من شأنها إدانة جنرالات تلك التنظيمات والدولة الصهيونية باقتراف جرائم حرب مع سبق التبييت والتخطيط، بل وتجلبهم إلى الجنايات الدولية لو جد جد العالم، ولعل معطيات المشهد الفلسطيني الراهن حيث تقترف دولة الاحتلال المحرقة الشاملة ضد اهلنا في غزة تشكل لائحة اتهام صارخة ضد الجرائم الصهيونية تستدعي تقديم ساساة وجنرالات الاحتلال إلى الجنايات الدولية بلا أي تردد لو جد جد العالم....؟!

