ضمن ما يعرف بمشروع القدس الكبرى، وضم مستوطنات جنوب غرب القدس إليها، مجمع " غوش عتصيون" الإستيطاني، جنوب غرب الخليل، ومجمع مستوطنات" افرات" ،جنوب غرب بيت لحم، والمستوطنات المقامة على أرض قرية الولجة المقدسية، وصولاً إلى مستوطنات مدينة القدس وحتى شمال شرق المدينة، حيث مجمع مستوطنات "معاليه ادوميم"، لكي تصبح مساحة مدينة القدس 10% من مساحة الضفة الغربية، بحيث يؤدي ذلك إلى قلب الواقعين الديمغرافي والجغرافي في المدينة لصالح المستوطنين، ضمن مخططات استراتيجية، تجعل الفلسطينيين العرب المتبقين في المدينة ، أقلية معزولين في جزر متناثرة في محيط " اسرائيلي" واسع، 88% مستوطنين و 12% سكان القدس الأصليين.
شيئاً فشيئاً مع تصاعد الإستيطان وتنامي وتائره بشكل غير مسبوق في الضفة الغربية والقدس، نشهد هجمة استيطانية مكثفة على المدينة، تعزلها جغرافياً وديمغرافياً عن محيطها الفلسطيني، حزام استيطاني جنوب غربها مستوطنة "هار حوماه" ،جبل ابو غنيم، والقناة السفلى و"جفعات همتوس" و" جفعات هتحمتيس" و"جفعات شاكيد" وصولا الى مستوطنة "جيلو و" هار جيلو" بما يعزل قرى جنوب شرق المدينة عن جنوب الضفة الغربية، مدن بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور و الخليل في حين المشروع الإستيطاني المنوي إقامته على أرض مطار القدس والذي كان يفترض أن يكون مطار الدولة الفلسطينية القادمة، وأحد رموز السيادة الفلسطينية، وطريقها لربطها بالعالم الخارجي ستقام عليه 9000 وحدة استيطانية، تغلق البوابة الشمالية لمدينة القدس وتعزلها عن مدينة رام الله ومدن شمال الضفة الغربية.
والآن جاء دور البوابة الشرقية لمدينة القدس ، حيث أبلغت الإدارة المدنية محامية بلدية العيزرية والتجمعات البدوية هناك، تجمع جبل البابا ووادي الجمل، بأنه بعد انتهاء مهلة ال 45 يوم الصادرة عن النيابة العسكرية، سيتم العمل بشكل فعلي على تنفيذ شارع" نسيج الحياة" الإستيطاني .
هذا المشروع يمثل تنفيذاً عملياً لخطة الضم الإسرائيلية للمنطقة المصنفة "E1"، حيث يهدف لتحقيق تواصل جغرافي كامل بين مستوطنة "معالي أدوميم" والقدس المحتلة، مما يؤدي إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها وابتلاع ما يقارب 3% من مساحة الضفة الغربية لضمها رسمياً ضمن مخطط "القدس الكبرى".
المشروع كذلك يستكمل إغلاق البوابة الشرقية لمدينة القدس، ومنع التواصل الجغرافي والديمغرافي مع محطيها الفلسطيني، وبذلك يقضي على أي بارقة أمل بإقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً وديمغرافيا، وقابلة للحياة ناهيك عن التداعيات الكارثية الأخرى للمشروع تتمثل في تكريس نظام "أبارتهايد" مروري، حيث سيُمنع الفلسطينيون من استخدام الطريق رقم "1" الرئيسي ويُحشرون في نفق تحت الأرض بالقرب من حاجز الزعيم، بينما يُخصص الطريق السطحي حصرياً للمستوطنين. هذا المخطط سيعزل تجمعات جبل البابا ووادي الجمل وبلدة العيزرية، ويهدد بهدم وإخلاء عشرات المنشآت التي تلقت مؤخراً ما لا يقل عن 43 إخطاراً تمهيداً لتوسعة المشروع.
والأنكى من ذلك وللدلالة على عنجهية وغطرسة الإحتلال ووقاحته، ممارسة هذا الإحتلال للقرصنة المالية لتمويل هذا المشروع الاستعماري؛ إذ أقر وزير مالية الاحتلال المتطرف بتسلئيل سموتريتش تمويل الطريق الذي تبلغ تكلفته 98 مليون دولار من أموال المقاصة الفلسطينية المحتجزة، في محاولة لتضليل المجتمع الدولي بادعاء أن الطريق يخدم الفلسطينيين، بينما تظهر المخططات الهندسية المرفقة بالإخطار أنه يهدف لتسهيل حركة المستوطنين وإزالة الحواجز الظاهرة أمامهم على حساب الوجود الفلسطيني.
الحرب على الوجود الفلسطيني لا تتوقف في ظل حكومة مغرقة في العنصرية والتطرف تعتمد الحلول الأمنية والعسكرية في التعامل مع الشعب الفلسطيني، وتغلق أي نافذة لأي حل سياسي، حيث رؤيتها ومنهجها وفكرها وعقيدتها التلمودية والتوراتية، تقوم على نفي وجود الشعب الفلسطيني، وبلغتهم يقولون بأنه لا يوجد شيء اسمه شعب فلسطيني بل هذا اختراع عمره أقل من مئة عام، وكذلك يعتبرون بأن الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس ضيف يجب التخلص منه وأن قطاع غزة ملكاً لهم.
ومشروع ما يعرف بنسيج الحياة الإستيطاني، لن يكون المشروع الأخير في إطار السعي لحسم السيادة والسيطرة على المدينة، حيث المستوطنات والبؤر الإستيطانية، باتت تقام في قلب الأحياء المقدسية مستوطنة " نوف تسيون" المستوطنة الأكبر في قلب قرية جبل المكبر (550) وحدة استيطانية، ومستوطنة " معاليه هزيتيم" في قلب حي رأس العامود، والمستوطنات والبؤر الإستيطانية في قلب بلدة سلوان ، ومستوطنة "ريخس شعفاط" في قلب بلدة شعفاط، ناهيك عن المستوطنات التي يجري زرعها بين القرى والبلدات المقدسية، لمنع تواصلها الجغرافي والديمغرافي، وتحويلها وحدات اجتماعية متناثرة في محيط " اسرائيلي" واسع وبما يجعلها تفكر وتهتم بهمومها الذاتية على حساب الهم الوطني العام .
الشعارات وبيانات الشجب والإستنكار ومقولات " القدس خط أحمر" و" القدس عاصمة الدولة الفلسطينية المستقبلية" وغيرها من الشعارات والمقولات الأخرى، والخطب الرنانة، لن تحمي القدس، ولن تمنع تهويدها وأسرلتها، فالإحتلال عدا استخدامه للقوة الخشنة ،فهو يستخدم القوة الناعمة لتحقيق أهدافه ومشاريعه ومخططاته، ويضخ مئات مليارات الدولارات من أجل ذلك، ولا يكتفي لا بالشعارات ولا بالبيانات، فوزير مالية الإحتلال سموتريتش قال " السيادة تحسم بالأفعال وليس بالأقوال".
وكذلك القدس عدا حاجتها للمواقف السياسية الواضحة، فهي تحتاج دعم وإسناد مالي حقيقي ،دعم يحافظ على الوجود العربي الفلسطيني فيها، دعم لمشاريع إسكانها ولمؤسساتها الصحية والسيادية ،دعم لمدارسها وللعملية التعليمية، التي يتعرض منهاجها لعملية أسرلة كاملة ودعم للحفاظ على هويتها وثقافتها، والتي يجري تزويرها والسعي لمحوها وشطبها.
وختاماً نقول وكما نقول دائماً ، رغم ثقتنا بأن المؤسسات الدولية عاجزة ومسطي عليها وعلى قراراتها من قبل امريكا ،التي توفر الحماية القانونية والسياسية لدولة الإحتلال وتبقيها فوق القانون الدولي فإننا ندعو المجتمع الدولي لاتخاذ مواقف فعلية تتجاوز الشجب لوقف عملية التطهير العرقي والضم الزاحف التي تستهدف الوجود الفلسطيني في شرقي القدس ومحيطها.

