Menu

عن جدلية المقاومة والثقافة... رؤية في تطوير أدوات المقاومة الثقافية

أحمد علي هلال

نشر في مجلة الهدف العدد (78) (1552)

في زمن مضى كتب غسان كنفاني في مقولة باهرة: (لك شيء في هذا العالم.. فقم وقاوم)، فمن البدهي هنا أن تتكامل هذه المقولة المتجاوزة في أزمنتها وأمكنتها اللحظة، لنذهب إلى سياقاتها الجديدة بل والمتجددة أيضاً، لا سيما على المستوى الفلسطيني، نظراً للخصوصية العميقة التي يشكلها مفهوم المقاومة الثقافية وبشكل أوسع، وهذا ما يمكن أن تشي به مقولة -كنفاني- الذي استشرف وتنبأ ووضع التأسيس النوعي للمقاومة الثقافية، لا بل وقد ذهب إليه متجاوزاً تلك الإطارات النظرية المؤسسة، لينتج أفعاله المقاومة إبداعاً متعدداً، مستأنفاً ما بدأه أدباء وكتاب فلسطينيون بوصفهم آباء الثقافة الفلسطينية المقاومة، وتوصيف المقاومة الثقافية بالمقاومة الناعمة، ذلك ما يعيدنا إلى بداياتها والتي حفرت في الفكر والوجدان، لتنتج ما نصطلح عليه بالوعي الأولي، الذي يراكم داخل تلك السياقات وخارجها، لنطمئن إلى القول بأنه وعي فردي وجمعي بآن... وعي ينبغي له أن يصنع الفارق في لحظة المتغيرات العاصفة، ليستدعي وظيفة الثقافة وآلياتها الجديدة، وتحرير الرؤيا في دلالتها البعيدة القصية، بل في مكوناتها ومركباتها التي ستعني صون الهوية أمام محاولات تهميشها وتمزيقها وتبديدها، ذلك أن الهوية الثقافية والتي ستشكل إحدى ركائز المقاومة الثقافية، سيجلو الدفاع عنها كل أداء إبداعي وفكري دون أن ينفصل عن السياسة، بل سيبدو ملتحماً بها لتتبلور الشخصية الثقافية بحوامل معرفية وفكرية، وهذا ما يجهر بما هو أثير في أدبياتنا الفلسطينية المقاومة، وعلى وجه الخصوص في أدبيات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في انطلاقتها المتجددة، أي تلازم البندقية والكلمة، إذ الكلمة أيضاً وفي فضاءاتها الموازية، ستكون نداً كما حاملها، وباعث صورتها التي تتجاوز التغييرات العاصفة والتحولات الدراماتيكية في المشهد الفلسطيني الراهن، لتعود إلى سياقها المؤسس فكرياً وتنويرياً، وترسم المعادل للفكرة والمعنى اللذين يدلان على حضور القضية بذاتها، ولا مناص من القول أن الايقاعات المتسارعة التي شهدتها القضية الفلسطينية، لا سيما بعد السابع من أكتوبر وما وقر في الأذهان من مآثر طوفان الأقصى، قد فرضت تلك النظرة الجديدة لتغير أدوات المقاومة الثقافية، كما المنهج في قراءتها بحيث تبقى الثوابت جوهراً لا يحول ولا يزول، وأما الأساليب الجديدة ستقف بنا عند أسئلة ذات استحقاق لا بد منها، كيف نقاوم؟ وبم نقاوم؟ معطوفة على سؤال كبير لماذا نقاوم؟، ولعلنا سنشتق من حرب الإبادة على غزة بكل مستوياتها الثقافية والاجتماعية والإنسانية والعمرانية، ما يعيننا على تأمل كل ما كُتب على مستوى الأنواع والأجناس الأدبية كما الفنون، أي تأمل الثقافة الجديدة بما أرسته سواء من خلال اللغة وصولاً إلى الخطاب وليس تخففاً من الثيمات التي حملها ذلك الخطاب، والتي تحيلنا بالبداهة إلى رؤية المتغير وبأفق جديد من مثل ما كتبه (يسري الغول وعاطف أبو سيف وعبد الله تايه، ومحمود شقير) ونظراؤهم على امتداد غزة وفلسطين على سبيل المثال لا الحصر، دون أن نتجاوز أدباء غزة الشهداء، من أمثال (هبة أبو الندى، رفعت العرعير، سليم النفار، عبد الكريم الحشاش) وغيرهم الكثير، أولئك الكتاب والمبدعون الذين أرسوا قواعد جديدة ليس لقراءة الأدب الفلسطيني المقاوم فحسب بيومياتهم وشذراتهم وقصصهم ورواياتهم، بل حرروا المعنى في المقاومة الثقافية والتي ستصبح دالة الثقافة الفلسطينية الجديدة، وبما ترسمه في ظلالها من اتجاهات وتحولات، ستعني الأدب والفكر الفلسطينيين في لحظة متغيرة، وما يمكن أن تأخذنا إليه ونعني الأساليب الجديدة في الكتابة والتفكير، أبعد من مجرد الفقد والحنين إلى وثائق الصمود والمقاومة بالحلم والروح والتوق للانعتاق من الحرب على الذاكرة والأرض والحجر والتاريخ والهوية، سننظر إذن في معنى ودلالة تلك السرديات التي رسمت إيقاع لحظاتهم من مفترق الألم إلى اجتراح الحياة، واجتراح لغة دالة على أرواحهم الصلبة وقناعاتهم الراسخة بأنهم الملتحمون بالأرض، لأنها تاريخ تلك الأرواح، وفي هذا السياق فإن المقاومة الثقافية الفلسطينية بوصفها عقداً مع التاريخ الفلسطيني أولاً، ينبغي قراءتها راهناً بانفتاح دلالي لا يتخفف من سعته المعرفية والمنهجية، ليصوغ من جديد أحد أهم مرتكزات المقاومة الثقافية، فهي الحصن الأخير والمعنى الكلي في وجود مهدد على الدوام، انطلاقاً من سردياتها وعلاماتها ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، ذلك أن الثقافة هنا فعل ارتقائي بامتياز، كان الشهيد باسل الأعرج قد منحه بعداً جديداً ألا وهو ثقافة الاشتباك، ليجدد ما انطوت عليه تلك الثقافة في أبعادها التحررية، لكن تأصيلها اليوم أصبح ضرورة أخلاقية وفكرية، فضلاً عن ضرورتها النضالية والكفاحية، لتعني الكل المشتبك وجداناً وذاكرة وإرادة شعبية لا تتجزأ، ولكنها تتكامل بأفعال الأفراد النوعيين، الذين يمثلون البوصلة للتغيير، وهذا ما يستدعيه أيضاً تجاوز النظرة التقليدية إلى مفهوم الثقافة، إلى ما يعني فهم المعاصرة واستيعاب المتغير، وفهم قواعد الاشتباك الجديدة لجهة الأدوات النوعية، ولجهة الفكر والوعي، والسردية الفلسطينية الجديدة التي باتت تقتضي ذلك التحديث، حتى تكتمل الرؤيا في ما يُنتج على غير صعيد، وبالتأكيد فإن ذلك هو ما يفسر ثقافة الأنساق الجديدة، التي تتجاوز الأنساق القديمة في رؤية الخطاب الثقافي الفلسطيني وحوامله ومرتكزاته وبتلازم الثقافة والسياسة عضوياً، في دلالة السياقات الجديدة، حتى تصبح الثقافة حارسة للوعي الجديد، ودليل ديناميته وحركيته المتجددة.

إن تحليل النصوص المختلفة لا يُقصد منه النظر إليها بوصفها وثيقة فحسب، بل أكثر من ذلك بما يتجاوز راهنيتها إلى قراءة مستقبلية تستدعي أدوار الثقافة ورسائلها وأقانيمها، التي تكثف رحلة الشعب الفلسطيني التراجيدية وملاحمه عبر قرن ونيف من إرادته في الحياة، وصموده على أرضه متجذراً فيها، وحلمه الأزلي من أن يبرأ وطنه من الغزاة، وأن يعيد لتاريخ هذه الأرض ألقها بسرديته هو، محطماً سرديات الغزاة وأوهامهم وزيف متخيلهم، في أرض تلفظهم كل صباح، فالمعنى الأصيل في المقاومة الثقافية هو أن تبقى ضميراً مسلحاً سهرت عليه أجيال غسان كنفاني وماجد أبو شرار وحنا مقبل وعبد الرحيم محمود وسميرة عزام وعبد الكريم الكرمي وخالد أبو خالد وصالح هواري ومحمود درويش وتوفيق زياد وسميح القاسم وتوفيق فياض، مروراً بالأجيال الثقافية اللاحقة، على امتداد عطاءاتها وحضوراتها التي تحمل دلالة المعركة الوجودية الفاصلة.

وحتى نستعيد فلسطين حقاً وصدقاً في الوعي الثقافي العربي، استثماراً لحضوراتها الجسورة في الوعي الإنساني والعالمي.