بكينا بما فيه الكفاية. صرخةٌ غزيةٌ أتعبها النداء؛ لكنها ما تزال تطرق صمم السامعين. هل بتنا إلى هذا الحد؟ مشهد مأساوي يأخذ حيزه من نشرة الأخبار. وأما عن المذلة، فتلك رواية أخرى، وحده الله من يأخذها على محمل الجد. وما بين المأساة والذلّة، حكايةُ أرضٍ لم تكتفِ من لحم الغزي، لكنها تقيأت بكاءه ووجعه، فما عادت تكترث بالخيام التي جرفتها، ولا كمًّا من الآمال التي اقتلعتها رياحها.
لا يؤلمنا خذلان العالم، ولا وجع أن نصبح صورةً لاختبار ضمير الإنسانية فينا. بل تلك المعادلة التي تفرض صمودًا جديدًا بغضب الطبيعة، وكأن السماء استمدّت من الاحتلال طابعها الوحشي لتزيد فتكًا بكل الأجساد الغزية. وحده السخطُ سيّدُ الموقف؛ فالوطن تحوّل إلى خيمة، والبقاءُ صار طلاسمَ تنجرف مع الرمال المتحركة. وفي كل مرة ينزاح فيها وجه الحياة، تُضاف فاجعةٌ جديدة إلى سجلّ الاحتلال.
هاك شهيدًا هناك؛ قتلته طائرةٌ مسيّرة، وآخر استُهدف بصاروخٍ موجَّه. وهنا شهيدٌ من نوعٍ آخر، كان يعانق حلمًا بسيطًا بأن يحيا كأي إنسانٍ عاديٍّ في هذا العالم. غير أن الماء ابتلعه في لحظةٍ قرّر فيها أن العودة إلى الديار تستحق كل هذا العناء، ولو كانت على سطح خيمةٍ متهالِكة تقاذفها الرياح.
أمّا عن الخلاص، فبوابةُ الرحمة عقدت اتفاقًا ضمنيًا، ممزوجًا بدماءٍ مصيرية، مع الإله نو. وكانت الأجساد الغزية — ما بقي منها وما خفي — قربانًا يتجدّد به العالم على إيقاع التبلّد والغربة والاندهاش. فكم مرة سنُستدعى قربانًا لتجديد الجنس البشري؟ وهل تشبَع الآلهة من غضبها التاريخي من الإنسان؟ وما ذنب الغزي من كل هذا؟
انظر كيف نفرغ الغرق من عدّادِ الوقت. هل تتسع الهوية لكل هذه الصفات: الشهيد، والغريق، والجائع، والمكلوم، والمفجوع، والمقهور، والسائل، والساخط، والصامد، والمقاوم؟ نعدُّ التسمياتِ واحدةً تلو الأخرى، ثم نصمت طويلاً. وحين تُقال عبارة «أنا من غزة» — هل نسأل؟ أخيل: كيف يكون الغزي بطلاً أسطورياً؟ مع فارقٍ واحد قاتل: أنه إنسان. أيُّ غباءٍ هذا الذي يغلّف الشعور الإنساني بعباءةٍ فضفاضة من الانتصارات؟ ففي الهزيمة انتصارٌ ما، وفي الانتصار هزائم كثيرة. وبين الاثنين، أجد غزة بكل من فيها تُحاكم بصفةِ الأرض والهوية.
في معادلة الأرض والاحتلال وغزة، تنطلق الإجابة من هول السؤال: ما الذي يعنيه أن تكون موجودًا في روايةٍ صاغت تفاصيلها قوةٌ وحشية تفرض على الغزي إعادة إنتاج نفسه في ظروفٍ قاهرة تحت عنوان الخلاص الفردي وهيمنةِ الأقوى والأشدِّ قسوة؟ ترتجف الأجساد الغزية، لا بفعل البرد وحده، بل من ازدحامِ الرؤى، وما يحمله الغد من تأويلاتٍ أخطأت سياقها التاريخي الأقدم. ليَغدو التعويل والمحاكمة عبئًا يُلقى على عاتق الإنسان الغزي نفسه.
فهل نعي نحن الفلسطينيين حجمَ الكارثة التي لم تعد تصيب الجسد وحده، بل تضرب عمق الوعي، وتعيد إفرازَ مفرداتٍ تتكاتفُ مع ساديةِ الطبيعة تمامًا كما يفعل الاحتلال؟

