تمر الذكرى الثامنة والخمسون لانطلاقة فصيل فلسطيني مقاوم والذي شكل إضافة نوعية لمسيرة النضال الوطني الفلسطيني. إنها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، هذه الجبهة التي تعاقب على قيادتها وحمل لوائها عدد من الرفاق الذين شكلوا بحضورهم قيمة نضالية يصعب تكرارها من خلال العطاء والتضحية والمواقف التي لا مهادنة فيها على الثوابت النضالية. نقف اليوم بإجلال أمام ذكرى القادة الشهداء جورج حبش وأبو علي مصطفى ووديع حداد وأبو ماهر اليماني وغسان كنفاني وأبو أحمد فؤاد ..ومواكب الشهداء الذين قدمتهم الشعبية على طريق النضال والكفاح المسلح.
وفي هذه العجالة سأسمح لنفسي لأقلب في صفحات الذاكرة ولأنبش في التاريخ الغير بعيد، ولأضيء على بعض المواقف واللحظات التي جمعت رفاق السلاح في مسيرتهم النضالية.
القائد الفلسطيني سعيد موسى مراغة (أبو موسى) واحد من المناضلين الوطنيين الفلسطينيين والذي جمعته الكثير من المواقف مع القادة التاريخيين في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. هذه المواقف واللقاءات كان لها وجهان. والوجه الأول شخصي عائلي من خلال رابطة الدم والأخوة، والوجه الآخر العلاقة من خلال ساحات النضال والعمل الوطني الفلسطيني.
فعلى المقلب الأول أتحدث عن القيادي والمناضل الشهيد اسحق موسى مراغة (أبو جمال) شقيق القائد أبو موسى. أبو جمال الذي انضوى مبكراً في صفوف حركة القوميين العرب عام 1959، ومن ثم التحق بصفوف الجبهة الشعبية حال تأسيسها. ومارس من خلالها نضاله ضد الاحتلال بكل دأب ومثابرة، اعتقل للمرة الأولى في العام 1969 ثم أفرج عنه. ثم اعتقل للمرة الثانية في العام 1975 وحكم عليه بالسجن لمدة عشرين عاماً. ومن خلال مدة سجنه كان مناضلاً وقائداً ومثقفاً ومعلماً ومرجعاً ثورياً لكل المناضلين في كل السجون التي تنقل فيها من بيت ليد إلى نفحة ثم بئر السبع. وكان استشهاده في 16/11/1983 نتيجة التعذيب والمرض والإهمال الصحي من قبل قيادة المعتقل الصهيوني.
لقد كانت العلاقة التي جمعت الشقيقين أبو موسى وأبو جمال تسمو فوق أي خلاف في المنهج والأسلوب النضالي، خاصة وأن كل واحد منهما كان ينتمي إلى فصيل فلسطيني مختلف.
وهنا أشير إلى أن الشهيد أبو جمال أرسل من معتقله كلمات إلى شقيقه القائد أبو موسى والذي تولى منصب نائب مدير غرفة العمليات المركزية للثورة الفلسطينية أثناء الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982 والصمود الذي حصل في بيروت أثناء محاصرتها من قبل جيش العدوان الصهيوني وقد جاء في بعض تلك الرسالة:
(أخي الحبيب، بصمودكم في بيروت أعدتم للأمة شرفها وعزتها، وأعدتم إليها الثقة بوجودها وبتحررها، لقد كنتم البؤرة التقدمية والنواة والطليعة. وسطرتم بدمائكم الزكية تاريخاُ سيظل الأغنية التي ينشدها أبناؤكم على مر الأجيال. فالذين راهنوا على هزيمتكم هزموا أنفسهم، وإن ظلوا على عروشهم ومراكز قيادتهم يتربعون، إنهم ساقطون لا محالة).
وعن العلاقات الرفاقية التي جمعت القائد الشهيد أبو موسى مع رفاقه في قيادة الجبهة الشعبية، أشير إلى أنه (أبو موسى) كان أثناء خدمته في صفوف الجيش الأردني قبل العام (1970) قائدا لكتيبة متمركزة في منطقة ناعور في غور الأردن بمحاذاة النهر. وفي تلك الأثناء كان القائد المرحوم (أبو أحمد فؤاد) قائداً للقطاع الأوسط .
وخلال تواجد القائدين (أبناء العم) في نفس المنطقة، كانت تجري بينهما بعض اللقاءات السرية. في ذلك الوقت كان الجيش الأردني يعتز ويفتخر بالتعرف على الفدائيين، لأن الوحدات المتواجدة في الجيش الأردني متواجدة وقريبة من مواقع الفدائيين.
حتى أن الدوريات الفدائية التي كانت تذهب في عملياتها إلى داخل الأرض المحتلة وتعبر نهر الأردن كانت تجد كل دعم ومساندة ومساعدة من قوات الحجاب في الجيش الأردني.
وقد كان الرفيق الشهيد د. جورج حبش، يزور تلك المنطقة لتفقد المقاتلين. وفي إحدى المرات عرض الرفيق أبو أحمد فؤاد على الدكتور حبش زيارة بعض وحدات الجيش الأردني (في ذلك الوقت لم يكن الدكتور معروفاً بالشكل بل بالاسم فقط) وفعلاً ذهب الاثنان ولأول مرة لزيارة مقر كتيبة القائد أبو موسى. في تلك الجلسة كان الرفيق أبو أحمد هو المتحدث، والرفيق حبش صامتأ ومستمعاً، وبعد انتهاء الزيارة غادر الاثنان خيمة القيادة في الكتيبة...
وبعد أيام يعود الرفيق أبو أحمد فؤاد وبمفرده لزيارة أبو موسى الذي بادره بالسؤال عن الشخص الذي كان معه في الزيارة السابقة، فقال أبو أحمد أنه أحد أعضاء القيادة السياسية للجبهة. فسأل أبو موسى: وما اسمه؟ يتردد أبو أحمد فؤاد في الإفصاح على الاسم حتى لا يتضرر أبو موسى إن شاع الخبر وعم. ولكن إصرار أبو موسى أجبر الرفيق أبو أحمد للإفصاح عن اسم ذلك القيادي الدكتور جورج حبش.
في هذه اللحظة قال القائد أبو موسى: توقعت أن يكون هذا الشخص قائداً بارزاً ولكني لم أتوقع أن يكون أمامي وبزيارتي في موقعي هذا القائد الكبير وبهذا التواضع وبدون حراسات. وبعد ذلك اللقاء يطلب أبو موسى من الرفيق أبو أحمد فؤاد أن يرتب له لقاء آخر. وفعلاً تم ترتيب اللقاء وتعارفا على بعض بشكل أكثر وقد تكررت اللقاءات بعد ذلك.
العلاقة التي جمعت قائدين مناضلين في الثورة الفلسطينية أبو موسى وأبو أحمد فؤاد تعمقت وتوثقت في جنوب لبنان حيث انتشرت قوات الثورة الفلسطينية لمختلف الفصائل، وجمع الميدان النضالي والكفاح المسلح أبناء العم والقائدين العسكريين، أبو موسى من خلال قيادته الكتيبة الأولى في قوات اليرموك، وبعدها قائداً لقوات العاصفة في جنوب لبنان، ومن ثم كقائد للقوات المشتركة الفلسطينية والوطنية اللبنانية، وأبو أحمد فؤاد كقائد عسكري في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين واجتمعا أيضاً في المجلس العسكري الأعلى لقوات الثورة الفلسطينية وكثيراً ما كان يحتد النقاش في هكذا اجتماعات بين أعضاء المجلس العسكري، ولكن الاثنان كانا يغلبان الانتماء لفلسطين ولقربى الدم فوق أي انتماء.
إضافة إلى علاقة المرحوم القائد أبو موسى بالرفاق القادة في الجبهة الشعبية، كان له مواقف يعتز بها وصرح بها الرفاق في الجبهة ومنها، على أثر التوتر السياسي الذي وقع بين الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحركة فتح في سبعينيات القرن الماضي أثناء تواجد الثورة الفلسطينية في لبنان. حيث عقد اجتماع للمجلس الثوري لحركة فتح وطرح البعض توجيه ضربة للجبهة الشعبية. وفي ذلك الاجتماع وقف أبو موسى على رأس من تصدى لهذا الطرح ومنعوا أي اعتداء على مواقع ومكاتب الجبهة.
وقد جمعت الظروف والمواقف المرحوم القائد أبو موسى مع رفاق اخرين في قيادة الجبهة وهنا أتذكر المرحوم القائد ضمير فلسطين الرفيق أبو ماهر اليماني، حيث كانت تجمع الاثنين صفات البساطة والتواضع والأخلاق الثورية النبيلة..
والتقى الاثنان اكثر من مرة في رحلات ومهمات وطنية وأشهرها في زيارتهما المتكررة إلى الجماهيرية الليبية حيث كانا يشاركان في احتفالات الفاتح التي كانت تقام كل سنة بهذه المناسبة...
ومن حسن طالعي شخصيا ان شاركت في إحدى تلك المهمات في وفد صحفي للفصائل الفلسطينية .وقد شهدت حادثة جميلة بين ابو موسى وأبو ماهر..حيث كانت الوفود حينها تقيم في فندق واحد ....وكان الأخوة والرفاق يلتقون مساء في بهو الفندق..
وذات مساء والقوم جلوس سمعت الرفيق ابو ماهر يوجه كلامه إلى ابو موسى وبقول:..
هل انت جاهز وجنودك للنزال؟.
اريد ان اثأر للمعركة التي خسرتها امامك في رحلة سابقة...فعرفت ان رفيقنا ابو ماهر كان يقصد نزالا في لعبة الشطرنج.....
فرد عليه المرحوم ابو موسى :
انا جاهز...وسألاعبك وسأغلبك من جديد وسأثبت لك أنني ابن فتح ما هتفت لغيرها.....
وفي تلك اللحظة انفجر الاثنان في نوبة ضحك طفولي جميل ..شاركهم فبها جميع الحاضرين..
وفي هذه العجالة لا أستطيع أن أغض الطرف عن العلاقة الطيبة التي جمعت القائد أبو موسى من موقعه كأمين سر حركة فتح الانتفاضة والرفيق الشهيد أبو علي مصطفى أمين عام الجبهة الشعبية في فترة سابقة. إضافة إلى اللقاءات السياسية والعلاقات النضالية التي جمعت الرجلين. أشير إلى موقف اجتماعي جميل، جمع القائدين، حيث كان الاثنان على رأس الجاهة التي ذهبت إلى آل موعد في مخيم اليرموك لطلب يد إحدى بنات مختار ال موعد كزوجة للرفيق القائد أبو أحمد فؤاد رحمه الله
وفي ذكرى انطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي لا زالت قابضة على جمر المباديء أمينة لقياداتها التاريخية، ولكل الشهداء من ابناءها وحافظة للعهد لكل القادة الوطنيين مهما اختلفت مشاربهم السياسية ما دام إخلاصهم لفلسطين. ورايتهم راية الوحدة الوطنية على الأسس التي اجتمعنا عليها أن فلسطين هي البوصلة والتحرير هدفنا مهما طال الزمن وعظمت التضحيات.

