محطات نضالية كبرى خاضتها الجبهة الشعبية منذ تأسيسها حتى اليوم أخطأت بالتكتيك هنا واصابت هناك لكنها لم تخطئ بالثوابت،
النشأة والتأسيس
خرجت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من رحم حركة القوميين العرب الفرع الفلسطيني بعد اندماج 3 منظمات فلسطينية هي "شباب الثأر" و"أبطال العودة" و"جبهة التحرير الفلسطينية" ومجموعة من الضباط الناصريين وشخصيات مستقلة.
اندمجت المنظمات الثلاث في تنظيم واحد بعد قراءة سياسية لهزيمة يونيو/حزيران 1967 اعتبرت أن سببها يعود إلى "طبيعة البنية الطبقية والأيديولوجية للأنظمة البرجوازية العربية التي خاضت الحرب، نظام جمال عبد الناصر ، ونظام البعث في سورية ،
وخلصت هذه التنظيمات إلى نتيجة أن الجماهير المنظمة هي الأساس في مواجهة إسرائيل، وأن الكفاح المسلح وحرب الشعب طويلة الأمد هي الأساس في المواجهة، وعدم الاكتفاء بحرب الجيوش العربية النظامية.
تم الإعلان عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في بيانها السياسي الأول يوم 11 ديسمبر/كانون الأول 1967، ومن أبرز مؤسسيها جورج حبش وأبو علي مصطفى ووديع حداد وهاني الهندي ونايف حواتمة وغسان كنفاني.
لم تمضي 10 أشهر على البيان الأول حتى انسحبت جبهة التحرير الفلسطينية بقيادة أحمد جبريل في أكتوبر/تشرين الأول 1968، وشكل ما يعرف باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين( القيادة العامة ) ثم تعرضت الجبهة لانشقاق لاحقا في فبراير/شباط 1969 بقيادة نايف حواتمة. أثر خلافات حول الهوية النظرية للجبهة.
وفي أغسطس/آب 1970 انسحبت من الجبهة مجموعة الضباط الناصريين بقيادة أحمد زعرور وشكلت "منظمة فلسطين العربية"، وانضمت لاحقا إلى حركة (فتح).
وبعد قرابة سنتين انشق عن الجبهة عدد قليل من اليساريين من الجبهة، وشكلوا في مارس/آذار 1972 الجبهة الثورية لتحرير فلسطين، انضمت الجبهة إلى منظمة التحرير الفلسطينية عام 1968.
الفكر والايدولوجيا
انطلقت مكونات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من حركة القوميين العرب، لكن قراءتها لهزيمة الجيوش العربية في يونيو/حزيران 1967 جعلتها تغير توجهها نحو اليسار في مؤتمرها الأول في آب 1968، حيث أعلنت انحيازها إلى( فكر الطبقة العاملة)
وتبنت الجبهة في مؤتمرها الثاني في شباط 1969 الماركسية ال لينين ية وتأثرت أكثر بتوجه الزعيم الصيني ماو تسي تونغ والجنرال الفيتنامي فو نجوين جياب أو ما سميت (الماركسية الآسيوية) التي عُرفت بالتركيز على أولوية الكفاح المسلح بدل النضال السياسي.
وبناء على ذلك اعتبرت الجبهة إسرائيل والحركة الصهيونية العالمية والإمبريالية العالمية والرجعية العربية أعداء للثورة الفلسطينية، واعتبرت نفسها طليعة متقدمة للطبقة العاملة الفلسطينية تسعى مع باقي الفصائل اليسارية والديمقراطية الفلسطينية إلى بناء حزب الطبقة العاملة لـ"تحرير الجماهير الفلسطينية من الاستعباد القومي والطبقي".
وفي مؤتمرها الثالث في آذار 1972 تخلت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عن الماركسية اللينينية بصيغتها الآسيوية، وأزالت مقولات ماو تسي تونغ من وثيقتها التنظيمية، وتبنت الماركسية اللينينية بالصيغة السوفياتية.
ورغم انهيار المعسكر الاشتراكي فإن الجبهة بقيت على خطها اليساري، ولم تتخل عن الفكر الماركسي والمنهج الجدلي التاريخي في تحليل الواقع وقراءته، وأكدت أنها تستحضر كذلك في تحليلها ورؤيتها كل ما هو ديمقراطي وإنساني في التراث الفكري والثقافي للشعب الفلسطيني والأمة العربية وكل الإنسانية.
أبرز المحطات النضالية والسياسية للجبهة
خاضت الجبهة منذ 23 تموز 1968 العمل المسلح عبر "فرع العمليات الخارجية" بقيادة الشهيد وديع حداد، ونفذت سلسلة عمليات تحت شعار "وراء العدو في كل مكان".
واشتهرت الجبهة باختطاف طائرة لشركة طيران العال الإسرائيلية، وفي 6 و9 أيلول 1970اختطفت 3 طائرات أميركية وسويسرية وأنزلتها في الأردن، مما دفع منظمة التحرير الفلسطينية إلى تجميد عضوية الجبهة في لجنتها التنفيذية،
اشتهرت بالعمل العسكري ضد القوات الإسرائيلية في قطاع غزة بقيادة محمد الأسود الذي كان يوصف بـ"غيفارا غزة". مما اضطر موشي ديان آنذاك (لإطلاق جملته الشهيرة يحكمون غزة بالليل ونحكمها في النهار )
بعد خروج قوات المقاومة الفلسطينية من الأردن انتقل الجسم الرئيسي من مقاتلي الجبهة إلى لبنان، وفي هذه المرحلة أدار الشهيد وديع حداد عبر (فرع العمليات الخارجية) شبكة تحالفات مع حركات جذرية مثل "الجيش الأحمر الياباني" و"الألوية الحمراء" الإيطالية و"مجموعة بادر ماينهوف" الألمانية.
أصدرت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1973 وثيقة بعنوان "البديل الثوري ومشروع الدولة التصفوي" دعت فيها إلى مواجهة الدعوة لمؤتمر جنيف الدولي عام 1973 الذي سعى إلى إخراج مصر من الصراع العربي الإسرائيلي، واصفة إياه بالمؤامرة الخطيرة على الشعب الفلسطيني وعلى شعوب الأمة والمنطقة، ودعت إلى مواجهته سياسيا وإعلاميا، كما دعت لتصعيد الكفاح المسلح وتأسيس البديل الثوري الجديد.
سحبت الجبهة في 26 سبتمبر 1974 ممثلها من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بعد تبني دورة المجلس الوطني الفلسطيني الـ12 في يونيو/حزيران 1974 البرنامج المرحلي والدخول في مرحلة الاستعداد لحلول التسوية.
وأسست مع 3 منظمات فلسطينية "جبهة القوى الفلسطينية الرافضة للحلول الاستسلامية" في 15 تشرين الأول 1973.
شاركت الجبهة مع الفصائل الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية بالحرب ضد ، الاجتياحات الإسرائيلية عامي 1978 و1982، وبعد حصار بيروت وخروج الفصائل الفلسطينية من لبنان، توجه التنظيم العسكري للجبهة إلى مناطق أخرى في لبنان، فيما انتقلت القيادة السياسية إلى دمشق.
- أدانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين زيارة الرئيس المصري أنور السادات للقدس في 19 تشرين الثاني 1977، واعتبرتها خيانة حمّلت مسؤوليتها لكل أطراف التسوية السياسية، كما عارضت بشدة اتفاقيات كامب ديفيد.
- انعطفت الجبهة نحو نهج المرحلية بعد انعقاد دورة المجلس الوطني الفلسطيني الـ14 بدمشق في كانون الثاني 1979، وتبنت "البرنامج المرحلي الفلسطيني الذي يدعو إلى حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
- انخرطت الجبهة في الانتفاضة الأولى في ديسمبر/كانون الأول 1987، وكانت من مؤسسي "القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة".
- رحبت بوثيقة "إعلان الاستقلال" التي تضمنت إعلان الدولة الفلسطينية على أساس قرار الجمعية العامة رقم 181 (1947).
- عارضت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مع عدد من الفصائل الفلسطينية مبدأ المشاركة الفلسطينية في مؤتمر مدريد للسلام في أكتوبر/تشرين الأول 1991.
- في أيلول من عام 93 وقفت بحزم ضد توقيع منظمة التحرير الفلسطينية لاتفاق أوسلو وعلى الرغم من ذلك بقيت الجبهة متشبثة بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني.
- شاركت الجبهة في انتفاضة الأقصى عبر تنفيذ سلسلة من العمليات العسكرية والاستشهاديه.
- في 27 آب 2001 اغتالت إسرائيل أبو علي مصطفى بإطلاق صاروخ من مروحية أباتشي استهدف مكتبه في مدينة البيرة، فردت الجبهة باغتيال وزير السياحة الإسرائيلي رحبعام زئيفي.
- انتخبت اللجنة المركزية للجبهة في 3 تشرين الأول 2001 أحمد سعدات أمينا عاما جديدا، لكن أجهزة السلطة الفلسطينية اعتقلته بعد 3 أشهر ونصف من انتخابه، وأودعته في سجن بأريحا بتهمة قتل وزير السياحة الإسرائيلي، وفي آذار 2006 اختطفته قوات إسرائيلية وأدخلته سجن عوفر.
وفي العام نفسه شاركت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في انتخابات المجلس التشريعي بهدف "محاولة ضبط وتعديل ميزان القوى الداخلي للتقليل من عملية التفرد والاستئثار بالقرارات، والاشتباك السياسي مع القيادة المتنفذة التي لم تزل متمسكة بأوسلو وتبعاته على الأرض"، وحصلت على 3 مقاعد.
- في عام 2022 في مؤتمرها الثامن تخلت الجبهة الشعبية عن فكرة البرنامج المرحلي واطلقت شعار تحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني ،
- في السابع من أكتوبر عام 2023 شاركت الجبهة الشعبية إلى جانب عدد من الفصائل الفلسطينية في معركة طوفان الأقصى وقدمت العديد من الشهداء في غزة وفي جبهة الإسناد في لبنان ، حيث استشهد عضو مكتبها السياسي المسؤول العسكري نضال عبد العال ، وثائر عودة عضو اللجنة المركزية ، كما استشهد ابو خليل وشاح عضو اللجنة المركزية نائب مسؤول الدائرة العسكرية ،
- في عام ٢٠٢٤ قدمت الجبهة مبادرة سياسية لتوحيد الصف الفلسطيني في مواجهة العدوان على غزة كان من أهم بنودها تشكيل قيادة طوارئ فلسطينية إلا أنها لم تبصر النور بسبب الخلافات التي تعصف بالحركة الوطنية ،
- استغلت الجبهة مكانتها والتي تحظى باحترام جميع القوى الفلسطينية، حيث قامت باتصالات عبر مكتبها السياسي ونائب أمينها العام جميل مزهر لتقريب وجهات النظر بين مختلف القوى الفلسطينية وخاصة بين حركتي فتح وحماس إلا أنها لم تستطع إحداث أي تغير في مواقف الحركتين.
الدور والوظيفة
لا زالت الجبهة الشعبية تشكل الركن الأساسي في اليسار الفلسطيني وتحظى باحترام كبير في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية والشعب الفلسطيني ، مما يحملها مسؤولية كبرى إن كان على صعيد تشكيل قطب وطني ديمقراطي يساري، أو في مهمة إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة ،
كما يلقي عليها بمسؤولية كبرى باتجاه العمل لإعادة بناء وتفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية ، انطلاقا من هذه المسؤوليات والمكانة لابد للجبهة من تطوير وتعزيز و تجديد ادواتها الداخلية للنهوض ونفض الغبار عنها.

