أولا : مقدمة - السمات الأخلاقية
استجابة لأهداف التحرر الكبرى، بشموليتها وأبعادها، كان لا بد للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ومنذ نشأتها، أن ترتاد المسلك الصعب وكثير من دروبه وعرة ومكلفة، كان هدف تحرير فلسطين - كل فلسطين - يمثل غاية سياسية تستجيب لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، وكان تحدياً متعدد الأعداء والخصوم، وكان التحول إلى فكر يساري تحدياً آخر، علاوة على جملة من التحديات تبدأ بتأمين قواعد ارتكاز للمقاومة، وأدوات نضالية ولا تنتهي بتطبيق مبدأ (كل سياسي مقاتل، وكل مقاتل سياسي). وإذ مضت الجبهة الشعبية في شق طريقها بثقة وروح وثابة، وإرادة صلبة في مواجهة التحديات المتربصة بها، عمدت إلى بناء منظومة قيمية - أخلاقية - مسلكية مترابطة وفرت لها مصداقية عالية في أوساط الشعب الفلسطيني ولدى الجماهير العربية وحتى عند أحزاب سياسية يسارية عالمية. لقد دُرست أدوار الجبهة الشعبية تاريخياً من الكفاح السياسي والعسكري والفكري والجماهيري والنقابي، وتأثيراتها في الساحة العربية والعالمية على مختلف الصعد، لكن هذه المقالة تطمح في أن ترصد بعض ملامح البنية الأخلاقية التي شكلت قاعدة قيمية لأدائها، ومواقفها، وبرامجها، وسلوك قادتها وكوادرها وأعضائها. ولعلنا نستطيع أن نستخلص بثقة عالية وضمير صادق أن أحد المرتكزات الأساسية لصورة الجبهة الشعبية في أذهان الجماهير والقوى والفصائل هو هذا الاستناد الراسخ إلى المنظومة الأخلاقية التي مثلت أسساً رفيعة القيمة لبقاء الجبهة وتطورها وتميزها واحترامها. وقد لا يجد الباحث كتاباً أو كتيباً صادراً عن مؤسسات الجبهة مخصصاً للبناء الأخلاقي للكوادر والأعضاء، لأن السلوك القيمي لا يبدأ ولا ينتهي بمجموعة من التعليمات والنصائح، بل إن محك هذه القيم والسلوكيات الأخلاقية يكمن في الممارسة التنظيمية والجماهيرية والمالية والدروس المستفادة من الخبرات والتجارب العملية التي تَعقُل سلوك المنتمين لهذا الفصيل الفلسطيني - العربي الرائد والطليعي. وكباحث مراقب أستطيع رصد ثلاثة أنماط من المنظومات الأخلاقية تطورت عبر السنين وعن طريق الجهود والتضحية، وأول هذه الأنماط التي لا تنفصم عراها إلا لحاجة الدراسة:
1- الأخلاق الفروسية، وهذه تأسست وتعمقت من أجل بناء الصورة العامة للجبهة الشعبية في أذهان الشعب والجماهير والعالم، وكان عمادها: الشجاعة العسكرية والسياسية، والوفاء للأهداف الكبرى، والزهد في المكاسب الشخصية، والنزاهة بما تعنيه من ترابط القول بالفعل.
2- القيم الإنسانية العامة، وهذه موجهات تحكم سلوك الكوادر والأعضاء، وتترجم طبيعة أفكارهم وأدائهم وتعاملهم بما تشتمل عليه من صدق، وأمانة، واحترام الذات، والإيثار والعطاء، وغير ذلك.
3- الأخلاق في إطارها الجماعي والذي يخص المجتمع والجماعات والناس العامة حيث يتجلى دعم العدالة للجميع، واحترام الآخرين والمبادرات المجتمعية، والتآزر والتضامن بأشكاله كافة.
وتؤكد أن هذه المنظومات الأخلاقية والقيمية والسلوكية متكاملة ومترابطة وقد تتوافر لدى الكثير من القادة والكوادر والأعضاء.
ثانيا: مصادر البناء الأخلاقي للجبهة الشعبية
لا يمكن عزو التميز الأخلاقي للجبهة الشعبية إلى عامل واحد أو اثنين فقط، إذ يتطور السلوك من خلال التفاعل مع الإنسان والمجتمع والبيئة، وفي حالة الجبهة الشعبية التي تُقرَأ هنا كنموذج للبناء الأخلاقي المتميز، أستطيع أن أعزو هذا البناء إلى عدد من العوامل:
1- القيادة القدوة / القيادة المثال: تمثل قيادة الجبهة الشعبية دائماً مرتكزاً مهماً من مرتكزات الصورة الأخلاقية العامة للجبهة (علاوة على المرتكزات السياسية الفكرية بالطبع) ولا يمكن الحديث هنا من دون التوقف أمام التأثير الشديد للقائد جورج حبش كقائد تاريخي ومعاصر بما مثله من فكر مستنير ومتطور، وشجاعة سياسية وجماهيرية قوية التأثير، ومهارات قيادية نموذجية، وثقافة واسعة، وقدرة على الإلهام والتأثير، والتواضع وميزة الإصغاء للآخرين والتقاط القادة الواعدين تطبيقاً للمبدأ القائل (أن القائد يخلق قادة، لا تابعين)؛ ولا يمكن تجاهل أثر الحكيم الطبيب في نفوس الأطباء الفلسطينيين والعرب. وهنا يحضر الدكتور وديع حداد رفيق الدرب والمؤسس والمخطط صاحب الذكاء الحاد والملتزم بالأهداف الكبرى للشعب الفلسطيني والملهم لكثير من الشباب والشابات في مجال العمل الوطني؛ ولا شك في أن الدور الذي لعبته المناضلة ليلى خالد قدم نموذجاً حياً للمرأة والفتاة الفلسطينية في سياق العمل الوطني بأشكاله كافة وبدورها الواضح في الأطر القيادية للجبهة حتى صارت رمزاً كبيراً لفخر المرأة الفلسطينية والمناضل الفلسطيني بعامة. أما الشهيد أبو علي مصطفى، هذا القائد الموثوق المتعدد المواهب، ضمير الانضباط والالتزام والبناء التنظيمي والسياسي، فقد علم من حوله كيف يكون الإنسان عضواً فاعلاً ملتزماً صادقاً ومخلصاً. وهذا غسان كنفاني الذي علم الكتاب كيف يكتبون لفلسطين بدمائهم، وكيف تكون تضحيات المثقف ومدى التزامه وصدقه وإنتاجه وإبداعه. وما من متابع يستطيع تجاوز القائد العسكري التاريخي أبو أحمد فواد، ولا المناضل التاريخي (النقابي) والجماهيري الزاهد والأمين أبو ماهر اليماني، ولا القائد الجماهيري (والنقابي) التاريخي تيسير قبعة أحد مؤسسي الاتحاد العام لطلبة فلسطين، وكان تأثيره (النقابي) أوسع من أن تعرف حدوداً. هذه العينة من قيادة الجبهة الشعبية لا تمثل جميع القادة، لكنها عينة انتقائية لأن معظم الجماهير والقوى والفصائل الفلسطينية عرفتها بصورة أو بأخرى، ومن لم نُشِر إليه هنا ربما كان أعظم أثراً وأكبر دوراً.
2- اختيار الأعضاء المتميزين من بحر الجماهير الواسع.
3- دور الجبهة في الممارسة العملية والمصداقية العالية.
4- وجود برامج حزبية تثقيفية متطورة وعميقة التأثير والبناء.
5- دور الجبهة والكوادر والأعضاء في النقابات والأنشطة الجماهيرية.
6- ودور مهم داخلي لعبه بند النقد والنقد الذاتي بما يعنيه من تنظيف للبيت أولاً بأول، والصدق، والصراحة، وغاية التحسين والتطوير لا الإحباط والتدمير، وتغليب المصلحة الوطنية على الجانب الشخصي في العلاقات.
7- من المؤكد أننا لا نغفل الدور الأخلاقي للأسرة والمدرسة والبيئة المجتمعية في وضع المداميك الأولى للتربية الأخلاقية في الحياة الفلسطينية.
8- تحميل الكوادر والأعضاء مسؤوليات نظرية وعملية تصقل سلوكهم وتعزز قيمهم، وتنمي مهارات الاتصال وإدارة الوقت، والوعي الأمني، وإدارة الذات، والالتزام، والحرص على صورة الجبهة في كل المواقع والمناسبات.
9- التطبيق الحقيقي والصادق والأمين لمبدأ المحاسبة والمساءلة بصرف النظر عن المرتبة التنظيمية للعضو.
ثالثا: سجون العدو ... من أقفاص وقضبان إلى مدارس للبحث والإبداع
أبدع سجناء فلسطين، سجناء الحرية والضمير والنضال بأشكاله كافة في تحويل سجونهم إلى مؤسسات للصمود والتحدي، لكنهم نجحوا بشكل كبير وعجيب في أن يحولوا تلك الأقفاص إلى مدارس رحبة للتعلم ونيل المؤهلات العلمية وإعداد البحوث الأكاديمية، بل وارتادوا ميدان الإبداع الأدبي من شعر وقصة ورواية، وبرزت بينهم أسماء كبيرة لا يتسع المجال هنا لسرد إنجازاتهم ونضالاتهم. عندما نتحدث هنا عن السجون والسجناء نعني كل الأسرى من كل القوى والفصائل، فلسطينية وعربية، ولا نقصر حديثنا على أبناء الجبهة الشعبية، قيادات وكوادر، شابات وشباباً، فالكل في المعتقلات مشاعل حرية، وصاروا بالإرادة والعزم والتصميم، منارات علم ومعرفة وإبداع. إنهم تجربة العالم الفريدة في قهر الجلاد بالعلم والمعرفة.
خلاصة (الأبعاد)
حين نرصد المنظومة القيمية - الأخلاقية - السلوكية ودورها في بناء وبقاء وتميز الجبهة الشعبية على أسس التربية الأخلاقية - فهذا لا يعني أن الفصائل الأخرى أقل اهتماماً بهذه البنية الإنسانية الأساسية. كما أننا لا نعني أن الجبهة الشعبية كيان تنظيمي - سياسي - جماهيري من الملائكة، بالقطع لا، فقد برزت وتبرز مع الزمن سلوكيات خاطئة، منها ما يعالج بالتربية ومنها ما لا تنفع التربية في حل مشكلته.

