بعد عامٍ كامل على سقوط النظام السوري السابق، لم تعد سوريا ذلك الخبر العاجل الذي يتصدر الشاشات، بل تحوّلت إلى ملف تُدار تعقيداته عبر اعتبارات متداخلة، داخلية وخارجية، تشارك فيها أطراف محلية وفاعلون إقليميون ودوليون، فسقوط النظام لم يُنتج انتقالًا سياسيًا تقليديًا بقدر ما أطلق سلسلة تحوّلات عميقة أعادت وضع سوريا على الطاولة الدولية، لا بوصفها قضية عدالة أو انتقال ديمقراطي، بل كمسألة تتصل بتغير طبيعة النظام، والاستقرار الإقليمي، والأمن العابر للحدود، بكل ما يحمله من إرث ثقيل من الأزمات والانقسامات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
عام الانتقال
مع دخول المرحلة الانتقالية عامها الأول،، بدأت تتكشف بشكل أكبر نتائج النزاع الذي استمر 14 عاماً بشكل أكبر، وحجم الانقسام السياسي والاختلاف في الرؤى والتطلعات بين فئات ومكونات وتيارات سياسية واجتماعية واسعة، ومما زاد من حدة هذا الانقسام الانتقادات الواسعة التي طالت الإدارة السورية الجديدة على خلفية انعقاد "مؤتمر الحوار الوطني" في 24-25 فبراير شباط 2025 و "الإعلان الدستوري" في 13 آذار، إذ اعتبرته العديد من الأطراف والمكونات إقصاء لها بما لا يعكس حقيقة تمثيل المجتمع السوري وتنوعه الديني والعرقي والإثني.
ترافق ذلك مع موجات عنف وقتل بدءاً من الساحل السوري مروراً بمحافظة السويداء وصولاً إلى وجود حالة من الانفلات الأمني والقتل بخلفيات طائفية وجنائية نتيجة أسباب متعددة، أهمها مشكلة الفصائلية وانفلات السلاح وهشاشة البنى الأمنية والعسكرية ضمن هيكل الدولة الناشئة، مما أدى إلى تعميق الانقسامات وظهور حالة الانتماءات ما دون الوطنية القائمة على الهويات الضيقة، كما عزز حالة الاغتراب الهوياتي بين أبناء الشعب وما نتج عنه من ضرورة إعادة تعريف الهوية السورية وأسس المواطنة، التي أظهرت بشكل واضح حجم المشكلات الجوهرية داخل بنية الدولة نتيجة تراكم عقود من الإقصاء والتهميش والفوضى المتعددة.
على الجانب الآخر شهدت سوريا انتقالاً لافتاً في مناخ الحريات العامة، إذ اتسعت مساحات التعبير التي كانت محكومة بقبضة أمنية، إذ بدأت تتشكل بيئة مدنية أكثر حيوية بعد عقود من التضييق والرقابة الصارمة، هذا التحوّل يتيح الفرصة أمام عملية بناء المجال العام وترميم الثقة بين المجتمع ومؤسساته إذا ما تم استثمار هذه الفرصة، وبالتالي فتح الأبواب أمام عملية المشاركة السياسية والإعلامية الحقيقية، بعيداً عن نزعات الإقصاء و الاتهامات الجاهزة التي تقوم بها بعض الجماعات كحالة من الاستئثار بما يهدد بإعادة إنتاج انقسامات أوسع بصيغ جديدة تهدد البنية الاجتماعية في صيغة قيد الاختبار.
المشكلة لم تعد في غياب الحرية بل في هشاشتها، حرية بلا قوانين راسخة وبلا قضاء مستقل وبلا مؤسسات قوية قادرة على حمايتها، تتحول سريعًا إلى استثناء مؤقت لا إلى حق دائم، لذلك لم يغادر الخوف المشهد السوري، بل غيّر شكله، إذ لم يعد الخوف من الأجهزة ذاتها، بل من الفوضى ومن السلاح ومن خطوط غير مرئية لا يعرف أحد على وجه الدقة أين تبدأ وأين تنتهي.
معادلة الأمن وتهديداته
تواجه سوريا أحد أعقد تحدياتها منذ عقود، فسقوط النظام أدى إلى إنهاء عقود قديمة من مركزية القرار الأمني، إلّا أنه لم يؤسس بعد لمنظومة أمنية وطنية موحدة، فانتشار السلاح وعدم اندماج جميع الفصائل في المؤسسة العسكرية شكل حالة من إدارة التوازنات المحلية ذات التبعيات الأيديولوجية المتفرقة، الذي يتطلب مساراً مستمراً لمعالجته بما يمنع الانزلاق إلى فوضى وخطر الاحتراب الداخلي، وتُظهر تجارب الدول الخارجة من النزاعات أن ضعف الضبط الأمني يُعد معيارًا أساسيًا لقياس قدرة السلطة الجديدة على تثبيت الاستقرار، إذ إن أي اختلال واسع قد يؤدي إلى انفجار الأوضاع داخليًا، مع انعكاسات مباشرة على الإقليم.
في المقابل أدى الفراغ الأمني إلى صعود أطراف وفواعل استغلت حالة الهشاشة، أهمها إسرائيل التي عملت منذ سقوط النظام على فرض وقائع جديدة في طبيعة التعاطي مع سوريا بعد عقود من تجميد الجبهات واستثمار فائض القوة العسكرية والأمنية، من خلال توغلات مباشرة في الجنوب السوري والسيطرة على مناطق ومرتفعات إستراتيجية أهمها (جبل الشيخ) والتلال المحيطة به، واتباع إستراتيجية القضم التدريجي بما يخلق حزاماً أمنياً تحت حجة منع وصول "تنظيمات إرهابية" إلى المناطق القريبة من إسرائيل، إلّا أن هذا يعكس في الواقع الأهداف الإسرائيلية المتمثلة بما يمكن تسميته " الإخضاع عبر القوة" ومحاولة فرض شروطها في إطار أية عملية تفاوضية تتم مع الجانب السوري، والاعتماد على استراتيجيات أمنية مركبة تتراوح بين تثبيت وقائع أمنية، واستخدام أوراق داخلية (مثل خطاب حماية الأقليات)، وصولاً إلى خلق هوامش حركة واسعة تقيد حركة الإدارة السورية وتحكم تعاطيها مع الوقائع الجديدة ضمن خيارات محددة.
على خط موازٍ، أعاد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" تفعيل نشاطه مستفيدًا من الهشاشة الأمنية وتعدد الجهات المسلحة وغياب القيادة الأمنية الموحدة، ورغم أن هذا الواقع لا يتيح للتنظيم إعادة إنتاج نموذج "الدولة" الذي حاول فرضه سابقًا، فإنه يفتح أمامه مجالًا واسعًا لحرب العصابات، والضربات الخاطفة، والاغتيالات، واستهداف النقاط الرخوة في البنية الأمنية.
عداء التنظيم للسلطة القائمة هو عداء بنيوي لا ظرفي، إذ يرفض أي صيغة حكم لا تنطلق من رؤيته العقائدية المغلقة، ويعتبر السلطة الحالية امتدادًا لما يسميه «أنظمة كافرة». لذلك يضع الأجهزة الأمنية والعسكرية في صدارة أهدافه، سعيًا إلى إنهاك السلطة وتقويض شرعيتها، ودفعها نحو ردود فعل قمعية قد تعيد إنتاج مناخ الفوضى والاحتقان، فضلًا عن محاولات اختراق المؤسسات الأمنية عبر خلايا نائمة، كما ظهر في هجوم تدمر في 13 ديسمبر/كانون الأول.
خرائط النفوذ الجديدة
أدت التحوّلات التي حصلت في المشهد السوري خلال عام إلى إعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمية والدولية، في الوقت الذي تراجع فيه الدوران الإيراني والروسي، صعدت مقاربات أخرى اعتمدت نموذج الانفتاح نحو الولايات المتحدة والدول الغربية إضافة لدور تركي وسعودي و قطر ي محوري، إذ أن خرائط نفوذ القوى وفاعليتها باتت تحكمها مجموعة من الديناميكيات الداخلية والخارجية، ولعلّ هذا التحول هو الأبرز والأكثر تأثيراً في الحالة السورية، نتيجة اتباع الإدارة السورية سياسة خارجية تقوم على الانفتاح المتوازن ورسم حدود التأثير الجديد.
ومع تصاعد الدور الأميركي برزت مقاربة مختلفة في التعامل مع سوريا، لم تعد واشنطن تميل إلى التدخل المباشر، بل إلى إدارة الانتقال وضبط مساراته عبر أدوات سياسية وأمنية، تركز هذه المقاربة على تعزيز السلطة القائمة، ودفعها نحو إنتاج حلول سياسية قابلة للحياة بين مختلف الأطراف، وصولًا إلى صيغة حكم شاملة يمكن التعامل معها دولياً، وتملك حداً أدنى من الشرعية الداخلية والاستقرار الوظيفي.
وتُدرج واشنطن هذا المسار ضمن حزمة أوسع من الأولويات، في مقدمتها الحفاظ على أمن إسرائيل، وإعادة ترتيب العلاقة بينها وبين سوريا عبر بوابة اتفاقيات التطبيع، التي يجري تسويقها باعتبارها ركنًا من أركان الاستقرار الإقليمي لا مجرد خيار سياسي ثانوي، كما تتقاطع هذه المقاربة مع جهود معالجة نزعات التطرف والتشدد، ومنع إعادة إنتاج البيئات الحاضنة للعنف في ظل تصاعد نشاط جماعات مسلحة تستثمر الهشاشة الأمنية والانقسام المجتمعي.
إلى جانب ذلك، تطرأ مسألة تنظيم شبكة مصالح إقليمية ودولية حول هدف مركزي يتمثل في منع انهيار الدولة السورية، وتفادي تحوّل البلاد إلى ساحة تنافس مفتوح بلا قواعد على غرار نماذج فاشلة في الإقليم، ويأتي منع عودة النفوذ الإيراني إلى واجهة المشهد السوري كأحد المحددات الصلبة لهذه الإستراتيجية.
هذا التحول في المقاربة الدولية انعكس بشكل مباشر على سلوك الإدارة السورية الجديدة، التي بدت أكثر ميلاً إلى تبني براغماتية محسوبة، لا سيما في علاقتها مع الولايات المتحدة والدول الغربية، إذ أن عقوداً من القطيعة مع الغرب لم تُنتج سوى مزيد من العزلة والتهميش أسهمت في إضعاف موقع سوريا داخل النظام الدولي، ما دفعها إلى البحث عن إعادة تموضع واقعية، تحاول من خلالها موازنة ضرورات الداخل مع ضغوط الخارج، ضمن هامش ضيق لا يزال محكوماً بتعقيدات المرحلة الانتقالية.
تقف سوريا اليوم أمام سيناريوهات متعددة تتراوح بين احتمالية الذهاب إلى فوضى انعدام الاستقرار وتعقيدات الانقسام السياسي والاجتماعي واستمرارها، في ظل حالة من الاستعصاء السياسي الداخلي والتي تتطلب مقاربات أكثر جدية في بناء الدولة الحديثة، بعيداً عن الاستقطابات الأيديولوجية والتركيز على قضايا الحقوق الدستورية والعدالة الانتقالية والأمن الاجتماعي مع ضمان مشاركة عادلة للجميع، في حين تعكس سيناريوهات أخرى القدرة على تحقيق الانتقال التدريجي نحو نمط أكثر استقراراً من خلال تفكيك المعضلات السياسية والاجتماعية واستثمار مسألة إلغاء العقوبات المفروضة على البلاد في بناء نموذج الدولة الوطنية، في حين الاحتفاظ بعلاقات دولية قائمة على التوازن بعيداً عن محاولات الاصطفاف بما ينعكس إيجاباً على واقع المرحلة الانتقالية.
ما سيحسم هذا المسار ليس حجم الانفتاح الخارجي وحده، ولا كثافة الحضور الدولي، بل قدرة السوريين، سلطةً ومجتمعاً على التعامل مع أسئلة الأمن والهوية والشرعية بوصفها قضايا وجود لا ملفات مؤجلة، فالدولة التي لا تُبنى في لحظات التحوّل الكبرى، غالبًا ما تُبنى لاحقًا على أنقاض الفرص الضائعة.

