Menu

التحولات البنيوية في الكيان الصهيوني وإفرازاتها الأيديولوجية والسياسية

إبراهيم أبوليل

نشر في مجلة الهدف العدد (78) (1552)

منذ صعود تيار الصهيونية الدينية إلى سدة الحكم في الكيان الصهيوني وسيطرته على قرارات الحكومة الإسرائيلية، يشهد الكيان الصهيوني تغيّرات اجتماعية واقتصادية على الصعيد الداخلي، تلعب من خلالها قوى أيديولوجية متطرفة؛ وفئات اجتماعية من المتدينين اليهود المتشددين، دوراً فاعلاً في رسم المشهد السياسي والثقافي السائد في الكيان الصهيوني. فقد ازدادت النزعة العنصرية والفاشية رسوخاً في الحياة الإسرائيلية، في ظل الدعم المطلق للقرارات والمواقف التي تُتخذ على الصعيد الرسمي، وخصوصاً في المؤسستين الأمنية والعسكرية. وقد ظهرت تجليات هذه السياسة في جميع الممارسات اليومية داخلياً وخارجياً، وكان أبرزها تلك التي طالت الأسرى الفلسطينيين في السجون والمعتقلات الإسرائيلية.

 

تحولات اجتماعية في الجمهور الإسرائيلي

أظهرت دراسات وأبحاث إسرائيلية عديدة حجم التحولات الديموغرافية والاجتماعية العميقة التي شهدها الكيان الصهيوني منذ تسعينيات القرن الماضي، في ظل تدفق موجات من اليهود المتدينين "الحريديم" وتوجههم نحو التجمعات الاستيطانية، بتشجيع وإشراف الأحزاب والمنظمات اليهودية المتطرفة، ما جعل الجمهور الإسرائيلي يتحول تدريجياً إلى تجمع مهاجرين يهود أكثر تديناً ويمينية، وتشير الدراسات إلى أن هناك ازدياداً مضطرداً في عدد اليهود الحريديم، في مقابل انخفاض عدد العلمانيين، وتراجع مستمر لقوة التيارات الصهيونية العلمانية "الأشكنازية" التي قادت تاريخياً الكيان الصهيوني وحكمته حتى عام 1977.

وتشير معطيات كتاب "الإحصاء السنوي للمجتمع الحريدي"، الذي نشره "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية"، في 14 كانون الأول/ديسمبر الجاري، إلى أن عدد السكان الحريديم في عام 2025 بلغ نحو 1,452,350 نسمة، أي ما يقارب 14.3 في المئة من إجمالي سكان الكيان الصهيوني، ونحو 20 في المئة من السكان اليهود، في مقابل نسبة أقل من الثلث هم من العلمانيين. وهذه الأخيرة آخذة بالانخفاض في ظل حكومة نتنياهو التي يسيطر عليها تيار الصهيونية الدينية ويدعم بقوة العدوان على الفلسطينيين وحرب الإبادة على قطاع غزة. في هذا السياق تندرج نتائج استطلاع المعهد الإسرائيلي للديمقراطية الذي كشف أن 39% من اليهود العلمانيين عموما، وبشكل خاص الأكاديميون يفكرون بالهجرة من الكيان الصهيوني، بسبب الوضع الأمني وعدم الثقة بالمنظومة السياسية، حيث إن المعطيات التي ميزت فترة العدوان وجرائم الإبادة في قطاع غزة و"الانقلاب القضائي" على الصعيد الداخلي، تعكس بالأصل توجهاً آخذاً في الازدياد.

وتتوقع الدراسات أن تنخفض نسبة العلمانيين في الكيان الصهيوني أكثر في العقود المقبلة، إذ أظهرت الإحصائيات أن نسبة الخصوبة بين المستوطنين اليهود في الأراضي المحتلة منذ 1967 تزيد عن معدلها داخل أراضي 1948 بكثير. وتنفذ الحكومة الإسرائيلية سياسات تهدف إلى تشجيع الانتقال للعيش في المستعمرات، وزيادة أعداد المستوطنين فيها بشكل مستمر. ويعيش الحريديم في 16 مستعمرة فقط في الضفة الغربية (من بين الـ 167 مستعمرة)، حيث يعيش في 9 منها 94 في المئة من الحريديم الذين يشكلون أغلبية مطلقة في مستعمراتهم. فلم يعد تجمع اليهود الحريديم مجرد جزء من الاستيطان الصهيوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل تحول الى قلبه النابض ومحرك النمو الاستيطاني الكبير.

 

سيطرة التيارات الدينية على مركز القرار الإسرائيلي

شكل صعود الصهيونية الدينية اليهودية المتطرفة (تكوما وعوتسما يهوديت ونوعم) لأول مرة إلى سدة الحكم في الكيان الصهيوني في انتخابات الكنيست الإسرائيلي عام 2022، انقلاباً في السياسة الداخلية الإسرائيلية، إذ احتلت مناصب وزارية حساسة في الحكومة الإسرائيلية التي تعد الأشد تطرفاً في تاريخ الكيان الصهيوني، بدعم من حزب الليكود وزعيمه بنيامين نتنياهو مقابل دعمها له وتقويض الإجراءات القضائية ضده. فقد حصلت كتلة الصهيونية الدينية على وزارتي المالية والأمن الداخلي، ما وفر لها صلاحيات في الإشراف على الشرطة الإسرائيلية وحرس الحدود، وازداد نفوذها على الجيش، كما تولت المسؤولية عن الإدارة المدنية ومكتب منسق شؤون الحكومة في الضفة الغربيّة.

ويتزعم الصهيونية الدينية وزير المالية ورئيس حزب تكوما بتسليئيل سموترتش الذي يدير "جمعية رغافيم" اليمينية المتطرّفة التي تلاحق الفلسطينيين في الضفة الغربية وأراضي عام 1948. وتدعو الصهيونية الدينية إلى تطبيق التعاليم الدينية اليهودية وبناء الهيكل مكان المسجد الأقصى. وتتعهّد في برنامجها السياسي بالالتزام بـ"مبدأ أرض إسرائيل، وشعب إسرائيل، وفقاً للتوراة". وتدعم الاستيطان وإضفاء الشرعية على "البؤر الاستيطانية غير القانونية"؛ وتنادي ب القدس عاصمة لإسرائيل. وتعمل بالاتفاق مع نتنياهو على توسيع الشوارع التي يستخدمها المستوطنون في الضفة الغربية، تنفيذاً لمخطط الحكومة الإسرائيلية الذي يهدف إلى توسيع الاستيطان وزيادة عدد المستوطنين، ما يهدّد بمصادرة الأراضي الفلسطينية، فيما يقوم بن غفير وزير الأمن الداخلي ورئيس حزب عوتسما يهوديت بملاحقة المعلمين الذين يعارضون سياسته، ومنع توظيف أشخاص في جهاز التربية والتعليم؛ في حال انتقادهم للاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، أو شاركوا في احتجاج ضد ممارسات الحريديم. ويتعامل بن غفير مع الشعب الفلسطيني بقسوة بالغة مع تحريض المستوطنين وتشجيعهم على حمل السلاح وإطلاق النار والقتل العمد، وممارسة القبضة الحديدية على أبناء الضفة الغربية.

ويتلقى عناصر الحريديم الذين يشكلون المحرك الديموغرافي الرئيسي للمستوطنين، دعماً كبيراً من تيار الصهيونية الدينية الذي يعتبر عماد الاستيطان الأساسي، ويشكل 35 في المئة من المستوطنين، ويتمثل بـ14 عضواً في الكنيست، بينما تعتبر أحزابهم بمثابة الأركان الرئيسية التي تقوم عليها حكومة نتنياهو الذي يتماهى مع التوجهات الدينية الاستيطانية، بعد أن فقد طابعه اليميني الليبرالي؛ ونقل حزب الليكود إلى أقصى اليمين الإسرائيلي.

 

تأثير الخطاب الأيديولوجي المتطرف وتجلياته العنصرية

تركز الأحزاب المتطرفة المسيطرة في الكيان الصهيوني على المخاوف الأمنية وخطرها الوجودي، ما يثير حالة من القلق الدائم وعدم الاطمئنان في الأوساط الإسرائيلية، كشفت عنها نتائج استطلاع أجراه معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي في نهاية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، تناول مستوى الشعور بالأمن لدى الجمهور الإسرائيلي الذي يعبّر، إلى جانب شعوره بالقلق من التهديدات الأمنية الخارجية، عن قلق شديد إزاء التوتّرات والتصدّعات الاجتماعية الداخلية. فالخوف في حياة الإسرائيليين هو النمط المعروف الذي يولد شعوراً مستداماً، يسري من خلال تلاعبات قادة الكيان الصهيوني، وهو جزء من البيئة السياسية الإسرائيلية؛ لا يرتبط بالمعطيات الأمنية وحدها، بل يتأثر أيضاً بالانتماء الحزبي والموقع السياسي. وتوفّر هذه الحالة قدراً واسعاً من الشرعية، لاستمرار تفضيل الخيارات العسكرية والأمنية، وتفشي النزعة العدوانية العنصرية داخل الجمهور الإسرائيلي. وما يفعله نتنياهو من إثارة للمخاوف الأمنية بشكل مستمر في ظاهرة استيطانية عمياء، استمرأت الظلم السياسي والأخلاقي للسيطرة بالقوة على الأرض الفلسطينية، يجسد الفهم العدائي للتاريخ ويبرر السياسة العدوانية للسلطة القائمة على الخوف، متكئاً على السرديات الزائفة وأوامر التاريخ اليهودي، التي تجسدها الممارسات العنصرية ضد الشعب الفلسطيني.

ومنذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 تتم ترجمة الخطاب الذي أطلقه القادة الإسرائيليون إلى واقع ملموس وبشكل دقيق، كما حددته اتفاقية الأمم المتحدة للإبادة الجماعية للعام 1948، حيث إن الجيش الإسرائيلي يتصرف نازعاً الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين، لتحقيق غاية لا حدود لها عن طريق القتل والتدمير، وإبادة كل شيء في الحياة الفلسطينية.‏ فبعد يومين من بدء العدوان على قطاع غزة أعلن وزير الحرب الإسرائيلي، يوآف غالانت: "نحن نقاتل حيوانات بشرية، ويجب أن نتصرف وفقًا لذلك"، وأضاف "إن إسرائيل تدمّر حياً تلو الآخر في قطاع غزة". ومنذ سنوات طويلة مارست سلطات الاحتلال وما زالت تمارس جرائم الاغتيالات والقتل المتعمد والإعدام الميداني بحق الفلسطينيين، وجعلت من الإعدام بديلاً للاعتقال في أوقات عدة وأزمنة متباعدة، من دون قانون يمكن أن يحرجها أمام العالم، إذ تَعالت أصوات إسرائيلية، رسمية وشعبية، تُطالب بتنفيذ عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين. وقد لوحت المحاكم كثيراً وهددّت مراراً باللجوء إلى الإعدام، وطالبت النيابة الإسرائيلية مرات عديدة بفرض عقوبة الإعدام بحق أسرى ينحدرون من الأراضي المحتلة عام 1967، إرضاءً للتيار الصهيوني المتطرف الذي يزداد نفوذاً وتأثيراً في الجمهور الإسرائيلي. وفي 7 نوفمبر 2025 أصدرت منظمات إسرائيلية تعنى بحقوق الإنسان، تقريراً وجهته إلى لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة، وذكر أن سلطات الاحتلال فككت قواعد وشروط حماية السجناء العرب التي كانت موجودة سابقاً. وتمارس اليوم عمليات تعذيب وإساءة معاملة خلال جميع مراحل الاعتقال؛ على يد جميع القوى الأمنية المسؤولة عن الاحتجاز، وذلك بموافقة المستويات العليا؛ من دون رقابة أو تدخل سلطات وآليات عمل قضائية أو إدارية، وبمشاركة طواقم طبية. وفي تاريخ 11 نوفمبر الماضي، صادقت الهيئة العامة للكنيست الإسرائيلي، بالقراءة الأولى على مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين. وتعمل سلطات الاحتلال على تحقيق هذا الهدف من خلال الموت البطيء للأسرى الفلسطينيين عن طريق "التجويع المنهج" وتطبيق ما يطلق عليه "حمية بن غفير"، وخصوصاً ضد الأسرى القادة الذين يتمتعون بصفة مميزة لدى الفلسطينيين؛ ولهم تأثير كبير في المسيرة الكفاحية للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتهم الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أحمد سعدات الذي يشهد تدهوراً حاداً في وضعه الصحي؛ ويحرم من العلاج اللازم.

إن الممارسات العنصرية والفاشية هي سياسة راسخة في المؤسسة الصهيونية، تستند على موروث ديني يهيمن على كل التشريعات الرسمية الإسرائيلية، ويزخر بالنصوص التي تحض على أقصى درجات القسوة والوحشية، ويدفع إلى قتل الفلسطينيين وإبادتهم من أجل إخراجهم من التاريخ. وقد وصلت جرائم الاحتلال الصهيوني إلى مستوى غير مسبوق في ظل سيطرة الصهيونية الدينية التي عززتها التحولات الاجتماعية، والميول المتطرفة للجماعات الاستيطانية التي تشكل البناء الأساسي والذخر الاستراتيجي للكيان الصهيوني.