من المؤكد أن إصرار العدو الصهيوني وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على نزع سلاح المقاومة الفلسطينية للبدء في المرحلة الثانية من اتفاق غزة ، يدلل على أن جوهر الاحتلال والسيطرة والهيمنة سيبقى قائما تحت عنوان براق هو "شروق الشمس" الذي يمثل شكلا جديدا من الاستعمار، يغلف بالحداثة والتكنولوجيا. مقابل صمت كامل عن الانسحاب الصهيوني أو إنهاء الاحتلال والعدوان .
فالمرحلة الثانية من الخطة، التي تشمل "إنشاء قوة دولية لتحقيق الاستقرار وتشكيل مجلس السلام وحكومة من التكنوقراط وملف الإعمار، وانسحاب إضافي للجيش الإسرائيلي من القطاع"، لن تكون ممكنة من وجهة النظر الصهيونية دون تجريد المقاومة الفلسطينية فعلياً من سلاحها.
نتساءل الآن وفي كل آن :
لماذا الإصرار على هذا السيناريو وهل المقاومة خيار عابر وهل يمكن تحقيق السلام والتعايش مع الاحتلال ؟
لا شك أن خلف اللغة الناعمة عن الإعمار والحداثة في خطة "شروق الشمس"، تتبدّى مقاربة تتعامل مع غزة كمساحة قابلة لإعادة التشكيل، لا كأرض لشعب يملك حقوقاً وطنية وسياسية غير قابلة للتصرف وأن الخطة تعيد تعريف السكان من أصحاب أرض إلى مقيمين أومستأجرين، في نموذج اقتصادي يقوم على الجباية والعمل المأجور، لا على الملكية والاستقرار والسيادة.
كما أن الخطة تتعامل مع غزة على أنها "أرض بلا شعب"، وتنكر ملكية سكانها للأرض وتاريخهم، بما يعكس منطق "غنيمة الحرب"، وهو ما يشبه تجربة الولايات المتحدة في نشأتها على حساب السكان الأصليين من الهنود الحمر.
تاريخيا راكم الشعب الفلسطيني في مقاومته الاستعمار بكل أشكاله وتمسك بالحقيقة الوطنية الجامعة حول وحدة الأرض والشعب والقضية مؤمنا بأن المقاومة كفكرومنهج هي تعبير عن إرادة شعبية عامة تمتد عبر محطات مسيرة حركته الوطنية وعلى اتساع مختلف مكوناتها بهدف دحر العدو ومن أجل الحرية والاستقلال الوطني.
وفي العصر الحديث مرت المقاومة الفلسطينية بعدة مراحل وتطورات ما بين السلاح والوسائل الشعبية والإضرابات والعصيان المدني ضد الاستعمار البريطاني والاحتلال الصهيوني، في محاولات مستميتة كان يقوم بها الفلسطينيون للمحافظة على أرضهم ووطنهم فلسطين التاريخية. ومنذ العام 1948، تأثرت هذه المقاومة بالعامل العربي والتفاعلات الدولية سلبا وإيجابا، مجسدة بذلك منعطفا حادًّا امتزج فيه البعد الفلسطيني مع العربي، وانتزع من سياقه الفردي إلى روحه القومية مع بدء مرحلة الصراع العربي الصهيوني، حيث جاءت انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة العام 1965 في هذا السياق وشهدت الساحة الفلسطينية ولادة العديد من الفصائل والحركات الثورية التي نادى غالبيتها باعتماد الكفاح المسلح طريقا وحيدا لمواجهة المشروع الصهيوني الاستعماري الرجعي ، مرورا بانتفاضات الحجر والسكين، ووصولا إلى انطلاقة فصائل مقاومة حديثة مثل حماس والجهاد الإسلامي وغيرهما ، في تأكيد أن المقاومة لم تمت، بل تتجدد بأشكال مختلفة، وتُثبت أن القضية الفلسطينية ستظل حيّة مهما تعددت التحديات وتكالبت عليها المؤامرات التي تتجلى خطورتها اليوم بما تسمى خطة شروق الشمس الامريكية .والشمس خلقها الله لخدمة مخلوقاته (نورا ودفئا و حياة ) بينما شمس ترامب جاءت لتحابي (وهذا ديدن السياسة الخارجية الأمريكية ) أهداف الاحتلال الصهيوني في إبادة الشعب الفلسطيني .
ما يريده الأمريكان والصهاينة وكثير من الرسميات الغربية والعربية اليوم هدفه وضع القضية الفلسطينية في سياق المقايضات والمصالح الاقتصادية والسياسية مستغلين حالة الانقسام السياسي داخل الساحة الفلسطينية وهجمة التطبيع مع الاحتلال الصهيوني من قبل بعض الرسميات العربية
وبعد ..
معلوم أن عشرات القرارات صدرت عن الجمعية العامة للأمم المتحدة لدعم حركات التحرر الوطني في نضالها من أجل الاستقلال وتقرير المصير، بما في ذلك الكفاح المسلح. وعلى سبيل المثال وليس الحصر، حظر إعلان العلاقات الودية (القرار 2625 لعام 1970)، الذي يعكس القانون العرفي، استخدام القوة ضد الشعوب المستعمرة واعترف بحق المقاومة ضد العمل القسري الأجنبي الذي يحرم الشعب من حقه في تقرير المصير (الأمم المتحدة اعترفت للشعب الفلسطيني بحق تقرير المصير). وذكر أن "على كل دولة واجب الامتناع عن أي عمل قسري يحرم الشعوب من حقها في تقرير المصير والحرية والاستقلال".
كما أكد القرار 37/43 للجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في العام 1982، على شرعية نضال الشعوب من أجل الاستقلال والسلامة الإقليمية والوحدة الوطنية والتحرر من السيطرة الاستعمارية والأجنبية والاحتلال الأجنبي بجميع الوسائل المتاحة "بما في ذلك الكفاح المسلح". واعترف هذا القرار صراحة بالحق في استخدام القوة ضد الاحتلال الأجنبي غير الشرعي والذي اعتبره أيضا تهديدا خطيرا للسلم والأمن الدوليين، وذكر حالتي ناميبيا وفلسطين.
كما أن محكمة العدل الدولية أكدت في فتواها بشأن بناء جدار الفصل العنصري 2004 ردا على الادعاء الصهيوني بأن بناء الجدار يأتي دفاعاً عن النفس بالقول "إن هذا الحق لا أهمية له استناداً إلى حقيقة أن إسرائيل تمارس سيطرة فعلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة".
بناء على ما سلف يصر الشعب الفلسطيني ومقاومته على الاحتفاظ بالسلاح كخيار إستراتيجي للدفاع عن الأرض والكرامة، في مواجهة احتلال متفوق عسكريا وسياسيا لأن تسليمه يعني تنازلا يطيح بالقضية الفلسطينية.

