Menu

أحمد سعدات… حين تتحوّل الزنزانة إلى منبر ويُحاكَم الاحتلال أمام التاريخ

نشر في مجلة الهدف العدد (78) (1552)

في الخامس والعشرين من كانون الأول/ديسمبر، مرّت سبعة عشر عاماً على الحكم الجائر وغير الشرعي الذي أصدرته محكمة الاحتلال العسكرية بالسجن ثلاثين عاماً بحق الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، القائد الوطني الكبير الرفيق أحمد سعدات "أبو غسان"، بذريعة "قيادة تنظيم محظور" وممارسة النشاط السياسي.

جاء هذا الحكم ضمن منظومة قمع متكاملة انتهجها الاحتلال عبر سنوات طويلة لتجريم النضال الفلسطيني، وتحويل الحق الطبيعي في المقاومة إلى تهمة، والانتماء الوطني إلى جريمة، والعمل السياسي المشروع إلى فعلٍ يُعاقب عليه.

القوة التي ظنت أنها تستطيع إخضاع الشعب الفلسطيني بهذا الحكم، تجاهلت حقيقة أساسية: من يرفع رأسه لن ينكسر، وأن الزنزانة مهما علت أسوارها لا تستطيع إسكات إرادة الحرية.

 القائد سعدات يعرف هذا جيداً، وجعل من قاعة المحكمة منصة صرخة سياسية، ومنبر دفاع عن شعب بأكمله. كما قال بنفسه: "في البداية أنا لا أقف لأدافع عن نفسي أمام محكمتكم فقد سبق وأكدت أنني لا أعترف بشرعية هذه المحكمة باعتبارها امتداداً للاحتلال غير الشرعي وفق القانون الدولي إضافة لمشروعية حق شعبنا في مقاومة الاحتلال، وهذا الموقف أعيد التأكيد عليه".

يضع القائد سعدات في مداخلته التاريخية قضية فلسطين كلها في قلب الخطاب، مؤكداً أن مقاومة الاحتلال مشروعة لا تحتاج إلى إذن من محاكم الظلم، وأن ما يفعله الاحتلال عبر هذه المحاكم هو محاولة لتغطية عجزه عن مواجهة إرادة شعب مصمم على الحرية.

وليؤكد أن القضية أكبر من أي شخص، وأن الحق الفلسطيني ثابت عند قوله: "أنا أقف لأدافع عن شعبي وحقه المشروع في الاستقلال الوطني وحق تقرير المصير والعودة… هذا الحق كفلته الشرعية الدولية والقوانين الإنسانية ومثبت بقرارات صادرة عن مؤسسات الأمم المتحدة، وآخرها توصيات محكمة لاهاي بشأن الجدار".

هذه الكلمات تُظهر أن النضال الفلسطيني هو حق تاريخي وإنساني، وأن الاحتلال عاجز عن إلغاء هذا الحق بالقوانين المزيفة أو السجون الطويلة.

ويكشف سعدات كذلك هشاشة محاكم الاحتلال عندما يقول: "هذه المحكمة التي أقف أمامها مجدداً اليوم كأحد أدوات قمع شعبنا وقهره وكسر مقاومته مثال لعجز الاحتلال وسياساته عن فرض الأمر الواقع على الشعوب… وستبقى في وجهه مقاومة شعبنا ما دام الاحتلال قائماً".

هنا يصبح واضحاً أن الهدف من هذه المحاكم هو القمع والتهديد النفسي للشعب الفلسطيني، وأنها أحد أشد أدوات الاستعمار الصهيوني الكولنيالي إجراماً. ويظن الاحتلال أنه يستطيع تحويل الصمود الأسطوري للأسرى إلى خضوع، لكن الحقيقة أن كل اعتقال وكل حكم قاسٍ يزيد من قوة الإرادة ويعمّق جذور المقاومة.

يضيف القائد سعدات تأكيداً على أن القوة وحدها لن تخلق الأمن: "إن السياسة القائمة على الاحتلال ومنطق فرض الأمر بالقوة لن تحقق الأمن لإسرائيل أو لغيرها من دول الاحتلال… المدخل الرئيسي لتحقيق الأمن والاستقرار والسلام هو إنهاء الاحتلال وتطبيق قرارات الشرعية الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية".

إن هذه الكلمات ترسم مسار التحرير الحتمي تحت مظلة الحق التاريخي، محطمةً غطرسة القوة وأوهام الاحتلال؛ وليعلم العالم أن شلال الدم لن يتوقف، وبركان الغضب لن يهدأ، إلا باقتلاع هذا الكيان الغاصب من جذوره واستعادة كامل الحقوق المغتصبة بحدّ الإرادة الشعبية.

كما عبّر القائد عن عزيمته الشخصية وصلابة موقفه رغم كل الصعوبات في قوله: "ورغم أي حكم يمكن أن تصدروه وتستطيعون تنفيذه لامتلاككم القوة، لكنكم لن تستطيعوا وقف نضالي إلى جانب أبناء شعبي مهما ضيقتم علي مساحات الحركة".

تُظهر هذه العبارة أن الأسرى والقيادات الوطنية هم رموز صمود ومقاتلون من أجل الحرية، لا يمكن لأي حكم أو سجن أن يوقفهم.

اليوم، وبعد سبعة عشر عاماً، يظل صوت "أبو غسان" حيّاً في الزنازين والميادين، في غزة والضفة و القدس وفي كامل ربوع الوطن المحتل، حيث تستمر حرب الإبادة واستهداف الوجود الفلسطيني في أبشع صورها؛ ففي غزة المكلومة، لا يتوقف القصف الذي يحيل البيوت ركاماً فوق رؤوس ساكنيها، وتستمر مجازر القتل الممنهج التي لا تستثني طفلاً أو امرأة أو شيخاً. هناك، حيث يواجه أهلنا حياة النزوح وعذاباتها المُرّة، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء في ظل فصل الشتاء ببرده القارس الذي ينهش أجساد الأطفال النازحين في خيام مهترئة غرقاً بالطين والماء، وفي ظل حصارٍ يمنع حتى قطرة الدواء. وفي الضفة الصامدة، تُستباح المدن والمخيمات بالاقتحامات اليومية وجرائم عصابات المستوطنين، وتُقطع أوصال الأرض بالحواجز والجدران، وتنال الحركة الأسيرة النصيب الأكبر من القمع والتجويع، والإهمال الطبي، والاعتقالات الإدارية، والتنكيل الجسدي المتكرر، خاصة للرموز الوطنية مثل القادة سعدات، ومروان البرغوثي، وحسن سلامة، وعاهد أبو غلمى وأسرى غزة وقائمة طويلة من الأسرى.

كل هذه الانتهاكات تهدف إلى كسر الروح. وكما نطقت شواهد المرافعة، تظل إرادة الفلسطيني هي المتغير الوحيد الذي لا يمكن للاحتلال احتواؤه. هي نبضٌ يرفض التوقف، وعنادٌ مقدس ينمو فوق الأنقاض. ولقد أثبت الفلسطيني أن اللجوء لم يورثه الانكسار، وأن الحصار لم يورثه الاستسلام، بل إن كل محاولة لإخضاعه كانت وقوداً جديداً لشعلة المقاومة التي ترفض الانطفاء حتى استرداد آخر ذرة تراب.

سبعة عشر عاماً مرت، ولم تنتهِ المرافعة؛ بل تَحولّت من خطاب قانوني سياسي إلى نهجٍ ثوري عابر للزمن. أحمد سعدات ما زال في الزنزانة، يقبض على جمر المبدأ، لكن صوته هدم الجدران ليكون حاضراً في كل خندق، وفكرته صارت مناراً للأجيال، ومعركته مستمرة لا تهدأ.

 إننا اليوم، وأمام هذا الصمود الأسطوري، مدعوون ومطالبون أكثر من أي وقت مضى إلى الانتصار للقائد سعدات ولكافة أسرانا البواسل، عبر تعزيز كل أشكال الإسناد الشعبي والكفاحي، وتصعيد العمل النضالي والسياسي والميداني لكسر القيد عن معاصمهم؛ فالزنازين مهما طال ليلها هي عابرة وزائلة، ولن يكون إلا الحرية مصيراً حتمياً لهم؛ لأن الحرية حقيقة لا تُسجن، ولأن إرادة من نذروا حياتهم للوطن أقوى من قضبان السجان.

 إن الوفاء لهؤلاء القادة لا يكون إلا باستكمال مسيرتهم، والإيمان بأن فجر الخلاص آتٍ لا محالة مهما عظمت التضحيات، وأن القيد الذي أرادوه سجناً سيكون بإرادتنا جسراً نحو التحرير الشامل.