لا يمكن التعامل مع الانتخابات الإسرائيلية المقبلة بوصفها استحقاقًا ديمقراطيًا اعتياديًا، لأن الاجتماع السياسي الذي تُجرى في إطاره يعكس أزمة أعمق من مسألة تداول السلطة. ما يجري اليوم هو محاولة لإعادة تثبيت نظام سياسي مأزوم، في لحظة إقليمية ودولية لم تعد تمنحه الشرعية السهلة التي اعتاد عليها، وإن استمر في التمتع بالحماية السياسية والعسكرية.
الانتخابات، في هذا السياق، لا تُطرح كمدخل لمراجعة الخيارات، بل كآلية لإدارة انسداد تاريخي، وتأجيل مواجهة الأسئلة التي باتت تضغط على الداخل الإسرائيلي من أكثر من جهة.
نتنياهو: السلطة في زمن تآكل الغطاء
لم يعد بنيامين نتنياهو مجرد فاعل داخلي، بل بات جزءًا من مشهد دولي يتسم بصعود اليمين الشعبوي وتراجع الخطاب الليبرالي الغربي. غير أن هذا الارتباط، الذي وفّر له دعمًا سياسيًا في مراحل سابقة، بات اليوم مصدر إحراج متزايد لإسرائيل، خصوصًا في ظل أزماتها القضائية الداخلية، ومحاولات إعادة تشكيل النظام بما يخدم بقاء السلطة.
القضية لم تعد متعلقة بشخص نتنياهو بقدر ما أصبحت اختبارًا لقدرة النظام السياسي الإسرائيلي على ضبط السلطة حين تتقاطع مع المشروع الاستعماري ومع مصالح النخب الحاكمة. وهنا، تتحول الانتخابات إلى استفتاء غير معلن على حدود الدولة، لا على برامج الحكم.
معارضة بلا مراجعة
في المقابل، لا تقدّم المعارضة الإسرائيلية نفسها كبديل سياسي حقيقي. فهي تنتقد نتنياهو، لكنها لا تمسّ جوهر السياسات التي أدت إلى تآكل صورة إسرائيل خارجيًا.
تتحدث عن استعادة الثقة الدولية، دون الاعتراف بأن هذه الثقة تآكلت بفعل استمرار الاحتلال، وتكريس نظام تمييز بنيوي لم يعد قابلًا للتسويق، حتى لدى قطاعات متزايدة من الرأي العام الغربي.
بهذا المعنى، لا تتحرك المعارضة خارج النظام، بل داخل حدوده الأيديولوجية، ما يجعل سقفها السياسي عاجزًا عن استثمار التحولات الدولية لصالح أي أفق جديد.
الفلسطينيون والتحولات الدولية
يتزامن هذا الانسداد الإسرائيلي مع تحولات واضحة في المزاج الدولي تجاه القضية الفلسطينية. فقد عادت مفاهيم مثل الاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري إلى قلب النقاش العام، وتوسّعت دوائر التضامن الشعبي، حتى داخل مجتمعات غربية طالما شكّلت ركيزة للدعم الإسرائيلي.
غير أن الاجتماع السياسي الإسرائيلي يتعامل مع هذه التحولات باعتبارها ظرفية، ويراهن على عامل الوقت، وعلى انشغال العالم بأزماته الكبرى. وهو رهان يتجاهل أن تآكل الشرعية لا يحدث دفعة واحدة، بل يتراكم، ويُضعف قدرة أي نظام على الدفاع عن نفسه أخلاقيًا.
التطبيع وحدود الرهان الإقليمي
راهنت إسرائيل على مسار التطبيع بوصفه بديلًا عن الحل السياسي، وعلى أنه قادر على تجاوز القضية الفلسطينية. غير أن هذا المسار، رغم ما حققه من اختراقات دبلوماسية، لم ينجح في إنتاج شرعية إقليمية حقيقية، ولا في إلغاء مركزية فلسطين في وعي الشعوب.
بل على العكس، ساهم التطبيع في تعميق الفجوة بين الأنظمة ومجتمعاتها، وأعاد طرح القضية الفلسطينية ضمن سياق أوسع من مجرد صراع حدودي، ما حدّ من قدرة إسرائيل على تحويل إنجازاتها الدبلوماسية إلى استقرار استراتيجي طويل الأمد.
إدارة الصراع في عالم متغيّر
في نظام دولي يشهد تراجع الهيمنة الأحادية، وصعود قوى جديدة، تصبح سياسة «إدارة الصراع» أكثر كلفة. فإسرائيل، التي استفادت طويلًا من بيئة دولية متسامحة مع سياساتها، تواجه اليوم واقعًا أقل قابلية لتبرير الاحتلال، حتى وإن استمر الدعم الرسمي.
ومع ذلك، لا يبدو أن هذا التحول يحظى بمكانه في النقاش الانتخابي الإسرائيلي، الذي يفضّل التعامل مع النتائج دون الاقتراب من الأسباب البنيوية للأزمة.
خاتمة
تكشف الانتخابات الإسرائيلية، في لحظة إقليمية ودولية متغيرة، عن مأزق عميق في الاجتماع السياسي الإسرائيلي: نظام قادر على إدارة السلطة، لكنه عاجز عن إنتاج أفق.
ليست المشكلة في أسماء القادة أو تركيبة الحكومات، بل في بنية سياسية تراهن على الزمن، في وقت لم يعد فيه الزمن يعمل لصالحها.

