منذ بداية حرب الإبادة الصهيوأمريكية على غزة, بدا أن قوى اليسار في الغرب تعيش حالة من الارتباك.. ففي الوقت الذي عبّر فيه عدد من الأحزاب الشيوعية واليسارية عن تضامنها المباشر مع الشعب الفلسطيني, ظلّ جزء من النخب الفكرية والثقافية المنضوية في إطار هذه الأحزاب متردداً أو صامتاً, وكأن التعبير عن موقف إنساني أصبح معضلة سياسية!
التحوّل المتدرج في مواقف اليسار مؤخراً طرح سؤالين أساسيين: لماذا كان التضامن ضعيفاً في البداية؟! وما الذي يدفع مثقفاً يسارياً إلى المجازفة بمستقبله المهني في الغرب حين يوقّع بياناً أو يكتب نصاً ينتقد فيه الممارسات الإسرائيلية, أو يشارك في كسر الحصار عن غزة عبر سفن الحرية؟.
تاريخياً, ظلّت أحزاب وقوى اليسار الغربية أسيرة ثقل " المحرقة " وما ترتّب عليها من إحساس بالذنب الجماعي تجاه " اليهود " في أوربا والولايات المتحدة.. هذا التعامل جعل أي نقد لإسرائيل محفوفاً بخطر اتهام صاحبه بـ " معاداة السامية "!.
مواقف التضامن والتعاطف الواسعة لم تأت من فراغ, فهناك ثلاثة عوامل ساعدت بهذا التحوّل :
- الصور والمشاهد الميدانية المريعة: مشاهد الدمار والضحايا المدنيين – لا سيما الأطفال الفلسطينيين – فرضت نفسها على الوعي الغربي والرأي العام العالمي, ولم يعد ممكناً تبريرها بخطاب الحرب على "الإرهاب "!
- الإرث الأخلاقي والحضاري لقوى اليسار, حيث ثمة شعور بين كثير من نخب اليسار بأن الصمت يجعلهم شركاء في الجريمة, ولهذا جاء في أحد البيانات لليسار الفرنسي:" إن صمتنا يعني أننا تخلينا عن جوهر رسالتنا الإنسانية والحضارية "!.
3 - تتالي التجارب السابقة, فمنذ الانتفاضة الفلسطينية الأولى 87 -93 والثانية 2000 – 2005 , إضافة للحروب المتكررة على غزة, والتي رسّخت قناعة بأن الحياد أمام جرائم " إسرائيل " يضعف مصداقية اليسار الغربي أمام الرأي العام العالمي !.
لقد أدى تصاعد الإجرام الصهيوأمريكي في المحصلة إلى تبلور موقف جماعي عبّر عنه البيان المشترك بين عدة أحزاب وقوى يسارية أوربية ونشرته صحيفة ليبراسيون الفرنسية في شهر أيار 2025 , وحمل تواقيع أسماء بارزة للعاملين في الحقول الأكاديمية والنقابية.. ودعا البيان إلى وقف فوري لإطلاق النار, وذكّر بضرورة احترام القانون الدولي, واعتبر "تخاذل المجتمع الدولي لا يليق بقيم العدالة والإنسانية التي يفترض أن يدافع عنها" واستخدم كلمة "إبادة" لوصف ما يجري في قطاع غزة !.
بعد عامين ويزيد لحرب الإبادة الصهيونية على قطاع غزة تبدلت خريطة المواقف في الشارع الأوربي والأمريكي على نحو دراماتيكي, من موقف رسمي داعم "لإسرائيل" إلى موجات تضامن شعبي ونقابي وأكاديمي آخذة بالتصاعد, فأصبحت معها القارة الأوربية ساحة مواجهة أخلاقية وحضارية بين الضمير الشعبي والتواطؤ الحكومي الرسمي, فأكثر من عامين كانا كفيلين بتفكيك السردية الصهيوأمريكية داخل الوعي الأوروبي والأمريكي, وطبعاً بعد أثمان فلسطينية هائلة على مستوى التضحيات والعذابات والدمار الشامل لقطاع غزة !.
منذ حزيران 2024 بدأ التمرد والاحتجاجات الطلابية والمقاطعات العمالية والأكاديمية تظهر في أوربا والولايات المتحدة, وكان لقوى اليسار دوراً مميزاً في وتيرة التصعيد الشعبي والنقابي والأكاديمي والقانوني, موانئ تغلق, ونقابات ترفض نقل السلاح, وجامعات تطالب بالمقاطعة الأكاديمية مع "إسرائيل" وعزلها.. أضف إلى ذلك استصدار مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية بحق بنيامين نتنياهو ووزير حربه السابق يؤاف غالانت بتهمة ارتكاب جرائم حرب, وإصرار دولتي جنوب أفريقيا وتركيا بمقاضاة قادة الاحتلال الصهيوني أمام محكمة العدل الدولية بتهم ارتكاب إبادة جماعية وتطهير عرقي.. مما زاد بتوسيع حضور فلسطين في الفعاليات السياسية والثقافية وإطلاق أسطول الصمود والحرية لفك الحصار عن غزة, أيضاً اعترافات دولية جديدة بدولة فلسطين, وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على كيان الاحتلال الصهيوني!.
استنهاض الحركة العمالية والطلابية :
دخلت الحركة النقابية العمالية على خط التضامن مع فلسطين وغزة, وأصبحت جزءاً من المشهد المعني بمحاصرة السردية الصهيونية ومكانة كيان الاحتلال أوربياً وأمريكياً.. ويمكن تسليط الضوء على بعض الأمثلة: في إيطاليا رفضت نقابة "ميناء جنوة" تحميل سفن نقل أسلحة إلى كيان الاحتلال, وكانت رسالتهم:
"لسنا أدوات للإبادة والتهجير" , وفي إسبانيا نفذ اتحاد نقابات العمال c g t إضرابات تضامنية متتالية , كما شاركت في أسطول الصمود ليتكامل موقفها مع الموقفين الشعبي والرسمي الذي يعبّر عنه رئيس الحكومة الاسبانية الاشتراكي سانشيز , وفي النرويج طالبت نقابة العمال الوطنية " L o " بوقف التبادل الاقتصادي والعسكري مع كيان الاحتلال , وفي بلجيكا نظّمت الحركة العمالية والطلابية قوافل إغاثة وشاركت في حملات الـ"b d s " للمقاطعة وسحب الاستثمارات, وفي الدانمارك والسويد ظهر دعم عمالي وشعبي مباشر أدى إلى فصل أعداد من العمال والأكاديميين من وظائفهم .. فما يوحد هذه التحركات هو استقلالها عن السلطات الرسمية, واعتمادها خطاباً أخلاقياً يرفض تحويل العمال إلى أدوات دعم لمشاريع الاحتلال, مشددة على تصعيد تضامنها وصولاً " للعصيان المدني " في وجه ممارسات الاحتلال بوصفه دولة أبرتهايد, يجري هذا رغم الأثمان التي تدفعها الحركة العمالية والطلابية لمساندة فلسطين, سواء بالتضييق أو الفصل من الوظائف والجامعات.. تلك التحركات أعادت الشرعية لحركة فرض العقوبات وسحب الاستثمارات "b d s" لقد تحولت الجامعات ومراكز البحث العلمي إلى ساحات مركزية للاحتجاج على حرب الإبادة الصهيوأمريكية في فلسطين.. من السوربون في باريس إلى أمستردام ولاهاي, ومن سويسرا والدنمارك إلى الولايات المتحدة, تصاعدت الاعتصامات الطلابية, ورفعت أعلام فلسطين, وارتفعت المطالب بقطع العلاقات الأكاديمية مع دولة الاحتلال الصهيونية, رغم محاولات قمع وشيطنة الحراك, والتهديد بالفصل والطرد من الجامعات ..
كل ذلك ساهم في تعميق الوعي بالحق الفلسطيني وعدالة قضيته, في هولندا نظّمت الحركة الطلابية " الخط الأحمر " واحدة من أكبر الاحتجاجات الطلابية, جمعت مئات الآلاف وأجبرت البرلمان الهولندي, رغم أنف اليمين المتطرف, على فتح نقاش واسع حول وقف التعاون العسكري والأكاديمي مع كيان الاحتلال, في بريطانيا شملت التحركات جامعات مثل اكسفورد وكامبريدج وغلاسكو, حيث نفذ الطلاب اعتصامات مدنية داخل المباني الجامعية - تتقدمهم حركة فلسطين أكشن - مطالبين بسحب الاستثمارات من " إسرائيل " وقطع العلاقات معها !.
منذ نيسان 2024 شهدت الجامعات الأمريكية موجة احتجاجات غير مسبوقة دعماً لفلسطين وشعبها , ففي جامعة كولومبيا بنيويورك أقام الطلاب " مخيم اعتصام " مطالبين بإنهاء الشراكات الاقتصادية والأكاديمية مع كيان الاحتلال, ردّت الإدارة بالقمع, ودعت الشرطة لتشتيت الاعتصام , مما أسفر عن اعتقالات جماعية , تبعتها عقوبات أكاديمية بحق المئات من المدرسين والطلاب, تكرر المشهد في جامعات مثل تكساس – أوستن , كاليفورنيا – إيرفين , حيث واجهت الاعتصامات الطلابية تدخلاً أمنياً عنيفاً , وتعرض الطلاب لعقوبات قاسية , فيما رفعت الحركة الطلابية دعاوى قضائية ضد إدارات الجامعات واتهامها بانتهاك حقوق الطلاب .. رغم القمع شكّلت هذه الاحتجاجات رافعة تطور للوعي الطلابي الذي يرى في القضية الفلسطينية رمزاً لمناهضة الاستعمار والعنصرية, الأمر الذي دفع باتجاه مساءلة المؤسسات عن علاقاتها السياسية والمالية, وفتح نقاش وحوار عميق حول تمويل الاحتلال على حساب دافعي الضرائب !.
في صيف 2025 أبحر " أسطول الصمود " العالمي من موانئ في إيطاليا وإسبانيا وتونس وتركيا, حاملاً مساعدات ونشطاء برلمانيين ويساريين من
"44 دولة" في محاولة جديدة لاختراق الحصار على غزة بعد محاولة أسطول "مادلين" منتصف العام ذاته, حيث وضعت التغطية الإعلامية والمتابعة الحقوقية الواسعة للحصار الإسرائيلي لغزة في قلب الأجندة الأوربية, محوّلة الحدث من مجرد قافلة إنسانية إلى تحدٍ عابر للحدود, وفضح لمنطق الحصار, وإعادة تعريف التضامن كفعل مقاومة مدني وإنساني أممي !.
خلاصة القول: ما بين تشرين الأول 2023 وكانون الأول 2025 انقلب المشهد, لم تعد فلسطين محاصرة, بل باتت " إسرائيل " تواجه حصاراً شعبياً وأممياً متزايداً, تحديداً داخل معسكر حلفائها الغربيين, حتى الرئيس الأمريكي ترامب أقر " بتراجع صورة إسرائيل " مركّزاً جهوده على " إنقاذها من العزلة".. جيل جديد في أوربا والولايات المتحدة بات يرى في القضية الفلسطينية مرآة لقضايا عديدة: مقاومة العنصرية ومواجهة الاستعمار والفاشية الصهيونية الجديدة, رفض الإبادة والتهجير للشعب الفلسطيني, التضامن الأممي اللامحدود مع الشعب الفلسطيني, لقد امتد التحول إلى أمريكا الشمالية وأستراليا وأمريكا اللاتينية, حيث يسطع دعم الرئيس الكولومبي غوستاف بيترو لفلسطين وشعبها, ويختزل أغلبية المواقف في القارة اللاتينية.. كذلك ساهمت موجات التضامن هذه في تباين مواقف أوربا الرسمية, إذ طرحت دول كـ "إسبانيا, إيرلندا, سلوفينيا, وبلجيكا" مشاريع ومقترحات بتجميد الاتفاقيات البيانية التفضيلية مع كيان الاحتلال, وتوسعت دعوات فرض قيود على التعاون الاقتصادي والأكاديمي معه !.
لقد فرض الشارع وقوى اليسار الأوربي عموماً إيقاعاً جديداً من الضغط عبر النقابات والجامعات وحملات المقاطعة وتحركات الموانئ والمصانع وأعادت القضية الفلسطينية إلى واجهة الاختبار الأخلاقي والإنساني للغرب !.
في غضون عامين ونيّف, خرجت فلسطين من الهامش الرمزي إلى قلب النشاط والحراك الشعبي واليساري في الغرب, ومن الهامش "التضامني الموسمي" إلى قلب الحركة الاجتماعية والسياسية في أوربا والولايات المتحدة, حيث أن ما بدأ مواقف فردية تحذر من الإبادة والتهجير قد تحوّل إلى تيار منظم يقوده اليسار ونخبه من أكاديميين ونقابيين وطلاب, فرض نفسه قوة ضغط متصاعدة على صانعي القرار.. هذا التحول لا يبشر بتغيير مؤقت, بل بإعادة تموضع طويل الأمد للقيم الإنسانية الغربية: من التواطؤ والصمت على جرائم الاحتلال الصهيوني إلى الانحياز الواضح لحركة التحرر الوطني الفلسطيني ولعدالة القضية الفلسطينية.. أفق التضامن الأممي يبدو واسعاً, ومرشح لأن يحدث تأثيراً سياسياً وثقافياً واجتماعياً فعلياً, خاصة مع صعود جيل جديد يتبنى قضايا التحرر والتقدم والسلام !..

