Menu

ملامح أزمة اليسار العربي في ضوء معركة طوفان الأقصى

د. عابد الزريعي

نشر في مجلة الهدف العدد (78) (1552)

معركة طوفان الأقصى أحد أهم الاحداث الكبرى التي شهدتها هذه الجغرافيا، التي تشكل تاريخها وتحددت ملامحه على وقع زرع وتمركز المشروع الصهيوني في القلب منها منذ عقود. وارتباطا بهذا التمركز تجاوز تأثير الطوفان حدود هذه الجغرافيا الى كل العالم، الذي لم يكن بعيدا او غائبا يوما، على مدى تلك العقود، عن المساهمة في زرع الكيان الصهيوني بالقوة المسلحة، او عاجزا عن اتخاذ موقف حاسم ضده. ويتسم الطوفان كما كل الاحداث الكبرى بمستوى فعلها وتأثيرها على كل ما حولها، ودفعه للتفاعل معها سلبا او إيجابا، وبالنتيجة اختبار قدرته من خلال هذا التفاعل، وقياس مداها واستعداداتها السابقة والمواكبة للحدث ومن ثم مع نتائجه. لذلك فإن هذه الاحداث تشكل محرار اختبار لكل ما يحف بها من بنى سياسية واجتماعية، على مستوى وعيها ومناعتها وبناها، على ضوء ذلك كان طوفان الأقصى محرار صادق وحازم لاكتشاف واقع وقدرات القوى السياسية العربية، خاصة وأنها لا تتماس معه عبر وسائط وانما هي في قلبه، يرتطم صداه بكل حواسها السياسية والنظرية. هذا المقال محاولة لاختبار واقع اليسار العربي على ضوء حدث تاريخي وهو طوفان الأقصى.

 

أولا - المشترك بين الطوفان واليسار العربي: يمثل طوفان الأقصى من حيث المبدأ، لحظة الاشتباك التاريخي القصوى ـــ حتى اللحظة ـــ وبأشكال مختلفة مع ثلاثة قوى تتعدد وشائج واليات ارتباطها مع بعضها البعض. فهو اشتباك مباشر وبالقوة المسلحة مع المشروع الصهيوني، المتجسد عمليا في إسرائيل ترجمته الدولانية القائمة على ارض مقتطعة من قلب الوطن العربي أولا. واشتباك تاريخي كما مع الامبريالية، التي تقف وراء هذا المشروع وجودا، والى جانبه دعما واسنادا ورعاية عسكرية وسياسية واقتصادية ثانيا. واشتباك تاريخي مع الرجعية العربية أحد اهم مرتكزات الامبريالية في المنطقة، وهي القوة التي اختارت الاصطدام مع الطوفان عن طريق التواطؤ بحكم ارتباطاتها ومصالحها ثالثا. تتقاطع هذه الاشتباكات الثلاثة بدلالاتها العسكرية والسياسية والاستراتيجية، بالضرورة مع ثلاثية اساسية وحاسمة تتحدد من خلالها هوية اليسار العربي، وهي عداءه المطلق للصهيونية والامبريالية والرجعية ونضاله ضدهما، وبدون هذه الثلاثية سيكون اليسار العربي بلا لون او هوية، وفاقدا لمعنى وجوده اصلا. ومن الجلي انه لا يوجد أي حزب يساري عربي، في واقعنا الراهن، صدح بغير ذلك. وبالنتيجة يفرض هذا التقاطع وبالضرورة على اليسار العربي، ان يكون وبلا تردد على رأس القوى السياسية الواقفة الى جانب الطوفان، والدافعة به الى الامام، والمنهمكة في مهمات الدعم والاسناد، والتضامن النضالي التشاركي في الساحة العربية، إضافة الى توظيف كل رصيده على الساحة الدولية في عمليات الاسناد تلك. لكن الواقع كان غير ذلك الى حد بعيد جدا، الأمر الذي يكشف عن ازمة عميقة وكامنة، ولم يكن طوفان الأقصى الا محرار اختبارها وتظهيرها الى السطح. فما هي ملامح هذه الأزمة؟

 

ثانيا- أزمة وعي وقدرات والتقاط: كشفت معركة طوفان الأقصى لحظة اندلاعها، عن ازمة وعي كامنة يعيشها كثير من قوى اليسار العربي، تبدت اول اطلالاتها في التعبير المرتبك والملتبس عن الموقف من معركة الطوفان لحظة اندلاعها. هنا نكتشف اول علامات الازمة، وهي ازمة الوعي المتجسدة في الخلط بين نوعية التحالفات التي يفرضها النضال من اجل ترتيب العلاقات الطبقية داخل وطن، وتلك التحالفات التي يفرضها النضال من اجل استعادة وطن من بين براثن الاستعمار. وبما تقتضيه معركة التحرر الوطني من حشد أوسع القوى في مواجهة عدو خارجي، ومعركة الطوفان ليست سوى فعل نضالي لحركة التحرر الوطني الفلسطينية، التي تتشكل قواها غالبا من تحالف عريض متجاوز للتصنيفات الطبقية والأيديولوجية، عدا من ارتمى في أحضان العدو. إضافة الى ان القانون الدولي الذي يمنح حركات التحرر الوطني جانبا أساسيا من مشروعيتها، يؤكد على حق الشعوب التي احتلت أراضيها في النضال بكافة الاشكال من اجل تكريس حقها في تقرير المصير، دون ان يقصر المهمة على طبقات معينة، او يحدد لونا للراية الأيديولوجية لهذا النضال. وقد تبدت ازمة الوعي بشكل فاضح في اسقاط اغلب هذه القوى موقفها من قوى الإسلام السياسي في بلدانها، على حركة حماس ، وبالنتيجة على المعركة التي تتقدمها كقوة أساسية لا يستطيع أحد التغاضي عنها. والمفارقة في هذا الجانب ان بعض قوى اليسار العربي وجد نفسه يلوك ذات الخطاب الليبرالي المتعالي عن كل ممارسة نضالية حقيقية، أو في ذات الخندق الذي تمترس فيه التيار المدخلي السعودي المعادي للطوفان. لم تقف المسألة عند حدود الوعي بل تجاوزت الى محدودية القدرات، خاصة وان بعض فصائل اليسار العربي تجاوزت العقدة الأولى، بل ودافعت عن الطوفان بكل طاقاتها، ولكنها عجزت عن القيام بدورها على مستوى النضال التضامني، بما يستدعيه من قدرة على الحشد الجماهيري والاستقطاب وبناء الوعي وابتكار الاشكال النضالية، وترشيد القطاعات الجماهيرية المندفعة خاصة في شهور الطوفان الأولى، بما يعطي للعمل الجماهيري تأثيره الحقيقي. لقد كشفت معركة الطوفان عن محدودية العمق الجماهيري لليسار العربي، إضافة الى افتقاده الى أدوات واليات العمل الجماهيري التي تسمح له بالانغراس في عمقها، وانهماكه في العمل الحلقي الضيق بما ترتب عليه من التشكل في صيغة أحزاب كادريه ونخبوية منعزلة عن قاعدتها الجماهيرية المفترضة. الحدث التاريخي بمعنى معين يشبه مواسم الخصب التي وان وفرت ما تجود به، الا انها غير معنية بخبرة وقدرات الحاصدين واستعدادهم المسبق، فهذه مسؤوليتهم. اليسار العربي لم يكن قادرا على التقاط اللحظة التي توفرت في مستوياتها الثلاثة. أولا لأنها تتقاطع مع رؤيته في الموقف المعادي للصهيونية والامبريالية والرجعية، وثانيا لأنها خلقت ظرفا مناسبا للحراك الجماهيري بما يسمح له بالاستقطاب والتنظيم، وثالثا ان هناك قوى من نفس طينة اليسار ولونه مشاركة وفاعلة في معركة الطوفان، بما يسمح له ان يحيد الحرج الأيديولوجي ـــ إذا كانت هذه هي الحجة ــ وهي قوى تحتاج الى الدعم والاسناد، وذات تأثير في مسار النضال الوطني الفلسطيني، ومن خلالها يستطيع اليسار العربي ان يكون في قلب المعركة ضد الثالوث الإمبريالي الصهيوني الرجعي. لكن الموقف بقي اسيرا لرؤية أيديولوجية ضيقة ومتعنتة في كثير من الاحيان، والمسألة هنا ليست نتاج عناد على الرغم من سلبية العناد في هذه المواقف، وانما انعدام او ضعف قدرات وامتلاك أدوات قادرة على التقاط اللحظة التاريخية، بما وفرته من حالة موار جماهيري غير مسبوقة في كل المستويات والشرائح الاجتماعية التي تبحث وتحتاج لمن يشير ويقود ويؤطر.

 

خاتمة: خطأ وخطر الاستمرار: يستمر الطوفان باليات تختلف عن تلك التي حكمت بداياته، كما يستمر بما حقق من إنجازات، وبما يواجه من تحديات جمة تستهدف تلك الإنجازات المتحققة، ويؤكد ان المجرى التاريخي الذي حفره بتضحيات لاتحد ولا تعد، يجب الحفاظ عليه. هذا المجرى الذي يشق قلب الثالوث الامبريالي الصهيوني الرجعي، بما يعنيه ذلك من أهمية لليسار لطرح مشروعه المجتمعي، لكن الشرط التاريخي هو المضي في هذا المجرى بما يستدعيه من التفكير العميق للخروج من الزاوية الأيديولوجية المعتمة، وفي الأدوات واليات العمل الجماهيري، وفي البناء التنظيمي الحزبي والجبهات المتحدة، وفي الإجابة الشجاعة على سؤال: ماذا يعني ان نكون يسارا عربيا في ظل وجود المشروع الصهيوني.؟؟